بوتين: دولة الشخص وشخصنة الدولة

الإشكال الذي يواجه روسيا اليوم وغدا، هو سؤال ما بعد بوتين، فموسكو لا يمكنها أن تستمر ضمن هذا الشكل السياسي المؤسس على شخصنة الدولة ودولة الشخص.
الجمعة 2018/03/23
في روسيا الرئيس يخلف نفسه

انتصر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في انتخابات هي أقرب إلى جولة التصويت على الثقة أقرب منها إلى المنافسة الانتخابيّة الحادّة بين متسابقين يحظون بذات فرص النجاح والوصول إلى الكرملين.

لم يول الرأي العام الإقليمي والدولي كبير اهتمام بمنافسي بوتين، بقدر ما أولى الانتباه السياسي والاستراتيجي إلى المقاربات الاستشرافية لبوتين ما بعد الانتخابات الرئاسية وإلى الخطوط العريضة لبرنامجه الانتخابي وما قد يستشفّ منها من أطروحات وارتسامات السياسة الخارجية لروسيا بوتين.

في روسيا، كما في الكثير من الدول العربية التي تعرف حالة الاستعصاء الديمقراطي، يخلف الرئيس نفسه، بل الأدهى من ذلك تتحوّل صلاحيات الرئيس إلى متلازمة لصيقة بـ”الشخص الزعيم” وإن صار في يوم ما “رئيس حكومة”، ولا يجد بعض السياسيين أي ضرر في تغيير الصلاحيات الدستورية كلما غير مكانه في الدولة.

تمثّل روسيا أفضل نموذج بالنسبة للدول العربية التي تسعى إلى تقديم نموذج سياسي فيه الحد الأدنى من الإصلاح السياسي، والحد الأقصى من الشمولية الراسخة.

يقع النموذج الروسي ضمن المقبول من الأنظمة الكليانية، فقشرة التعددية الحزبية والهامش المضبوط في حرية الإعلام والتعايش مع بعض الأصوات الهامشية المعارضة في البرلمان، مقابل تضخم عمل المخابرات والقوة الأمنية واحتواء القضاء وتطويع الإعلام والعمل النقابي واستفراغ المجتمع المدني وتجيير السلطة التشريعية، كلها تعطي للانتخابات الرئاسية الروسية ذلك “السحر” الإعلامي الذي يجعل من الكثير من المؤسسات الإعلامية الحكومية تتابعها بشغف كبير.

صلاحيات الرئيس تتحوّل إلى متلازمة لصيقة بـ”الشخص الزعيم” وإن صار في يوم ما “رئيس حكومة”

لا ضير لدى الأنظمة الشمولية في وجود “كمبارس” في الانتخابات الرئاسية يلامس قضايا مهمة ويرفع صوته فوق سقف المعتاد، طالما أن هذا الصوت يقع ضمن تأثيث الفضاء الانتخابي للتسويق الخارجي ولا يتحول إلى مسلكية سياسية تتسوغها الصحافة الحرة والأحزاب السياسية المعارضة.

في الدول الديمقراطية يقع التنافس ضمن الأوفر والأقل حظا، أما في دول الاستعصاء الديمقراطي فالتنافس يقع بين الرئيس القديم الجديد، والمرشح المهزوم أصلا، والذي لا يجد غضاضة في إعلان دعمه gلرئيس وتأييده لكل ما جاء في البرنامج الانتخابي للزعيم.

هكذا تتحول الانتخابات من فعل اقتراع حر ونزيه يفرض الإرادة الشعبية على السلطة التنفيذية ويقر مبدأ المساواة بين المترشحين، على الأقل في مستوى عدم الاستقواء بالدولة، إلى “استفتاءات” تفرض إرادة الفاعل التنفيذي على الشعب وتقيس الأصوات من زاوية الاستفتاء الشعبي على “الزعيم الملهم”.

المفارقة أن المنافسين الكومبارس يصيرون رديفين لبطاقة “لا” في سياق الاستفتاءات، وتكون نسب التصويت لصالحهم وكأنها نسب رفض تجديد الثقة للزعيم الملهم، وهي في الصميم النسبة التي يرتضيها الفاعل الرسمي كهامش انتخابي وظيفي، يعطي وهم التعدد ويمنح للكومبارس أجره الاقتراعي.

الإشكال السياسي والمعرفي العميق حيال تأبيد الزعماء وتأليههم، كامن في تداعياته على العقل السياسي الجمعي حيث يعجز التمثل الاجتماعي عن تصور رئيس أو زعيم خلاف من يتربع على قلبه وعقله وكرسي الرئاسة منذ عقود، ويصبح سؤال من سيخلف الرئيس في دولة تدعي “الجمهورية” مدعاة للسخرية أو للملاحقة، وهو الأمر الذي يفسّر تمسّك دولة مثل الجزائر برئيس بلغ من العمر والصحة عتيا، واستعصاء المخيال الشعبي في سوريا أو مصر عن تمثل دور سياسي للمعارضة أو تحديد ملامح رئيس جديد للبلاد.

جزء من الإشكال كامن في مسار تحديث دول الكتلة الاشتراكية سابقا والتي إن نجحت نسبيا في إقرار الليبرالية الاقتصادية، إلا أنها لا تزال مستعصية على الليبرالية السياسية والإعلامية بالمعنى المتعارف عليه، وإن قبلت فباقتراع مزور سلفا وبتصويت هجين مضمونه استفتاء وشكله انتخاب.

لا يعني هذا أن الليبرالية السياسية بمعناها التقليدي وفي دول عديدة لا تعاني اليوم مشاكل هيكلية، سواء في مستوى مصادرة بارونات المال والإعلام للإرادة الشعبية وتوجيه الرأي العام، أو في مستوى تعثرها في التعامل مع الحريات والحقوق الجماعية إلا ضمن منظومة مقولة الديمقراطيات التوافقية والتشاركية.

الإشكال العميق الذي يواجه روسيا اليوم وغدا، هو سؤال ما بعد بوتين، فموسكو لا يمكنها أن تستمرّ ضمن هذا الشكل السياسي المؤسس على شخصنة الدولة ودولة الشخص.

9