بوتين في أبوظبي: رؤية إستراتيجية لعلاقات استثنائية

زيارة بوتين إلى أبوظبي وبقدر أهميتها في ما يتعلق بالعلاقات البينية، إلا أن نتائجها ستنعكس على المنطقة العربية ككل. فروسيا تثق في وجهة النظر الإماراتية وتتعامل معها بكثير من التقدير والدعم.
الأربعاء 2019/10/16
زيارة تعكس تقارب الرؤى ومتانة العلاقات

زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى السعودية والإمارات هي زيارة تاريخية بكل المقاييس، سيكون لها أثرها الكبير لا على العلاقات البينية فقط، وإنما على المنطقة ككل.

السعوديون يعيشون فترة تحول حاسم في علاقاتهم الدولية، تجاوزوا مرحلة وضع كل البيض في سلة الصديق الأميركي، واتجهوا إلى تنويع مسارات تعاونهم الخارجي. فالعالم في رؤية القيادة الحالية أوسع من أن يُختزلَ في العلاقات التقليدية مع الولايات المتحدة، هناك مجال واسع لربط علاقات إستراتيجية مع بقية الدول الكبرى كروسيا والصين ومع القوى الصاعدة التي لا تمثل فقط أسواقا اقتصادية، وإنما تشكل خارطة القرار السياسي، والتنوع الثقافي والحضاري الذي تتجه المملكة للانفتاح عليه بقوة.

السعوديون باتوا يعوّلون اليوم على الصديق الروسي الذي يمتاز بالقدرة على تفهم الآخرين واحترام خياراتهم، وعدم التدخل في شؤونهم الداخلية، وكذلك على الوفاء بالتزاماته، وهذا يتأكد من خلال التوافق في ملف النفط إنتاجا وتسويقا، وفي مقاومة الإرهاب، وفي الدور القوي الذي قامت به روسيا في مؤتمر دافوس الصحراء في أكتوبر 2018، عندما كانت عواصم الغرب تشن هجوما كاسحا على الرياض بسبب قضية الصحافي جمال خاشقجي.

العرب عموما يبدون أقرب ثقافيا للروس وخاصة في ما يتعلق بمبدأ الاحترام المتبادل والدفاع عن سيادة الدول ووحدة الشعوب واستقرار المجتمعات، وخلال السنوات الماضية استطاعت موسكو أن تتخذ مواقف مهمة ساهمت في تجنب المزيد من الانهيارات التي كان للغرب يد فيها بالمنطقة العربية، وحتى الملفات التي تم الاختلاف حولها في لحظات فارقة تبدو اليوم محل توافق، فمياه كثيرة جرت في النهر لتغيّر المشهد إلى ما نراه عليه حاليا.

بالنسبة للإمارات، نحن أمام دولة تتميز قيادتها بوضوح الرؤية، فهناك جملة من المبادئ التي تأسست عليها الدولة، وهناك جملة من المستجدات التي عرفت أبوظبي كيف تتعاطى معها بنظرة فيها الكثير من العمق التحليلي لما تستبطنه من نتائج، لذلك فإن التواصل مع الصديق الروسي يتنزل في إطار تكريس التوازنات الجغراسياسية في منطقة ملتهبة عبر منظومة عمل مشترك.

موسكو لديها علاقات وطيدة مع مختلف الفرقاء في المنطقة بما في ذلك الدول الإقليمية ذات الأطماع المعلنة (تركيا وإيران وإسرائيل) وهي تعتبر اليوم اللاعب الأبرز الذي يرتبط بعلاقات مع الجميع بما يؤهله ليكون الوسيط المؤتمن. قوة الروس تكمن في أن علاقاتهم مع المنطقة مرتبطة بالجانب الثقافي والحضاري أكثر من غيره، هذا يجعل تلك العلاقات أكثر عمقا ومتانة وشفافية، كما أن تاريخ روسيا لم يعرف تصادما استعماريا مع العرب وله من العراقة ما يضمن معه كفاءة الحوار.

خلال خمس سنوات قام ولي عهد أبوظبي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان بخمس زيارات إلى موسكو، ما أعطى زخما كبيرا ليس للعلاقات الرسمية فقط بين الإمارات وروسيا، ولكن حتى للعلاقات الشخصية بينه وبين بوتين حيث باتت تجمع بينهما صداقة تجعلهما قادرين على مناقشة كل الملفات والقضايا وتطارح الأسئلة الصعبة دون تحفظ. ولعل تلك العلاقات هي التي ساهمت بدور كبير في تقريب وجهات النظر إلى حد التماهي في عدد من المسائل. فالرجلان المعروفان بالعقلانية في قراءة الواقع والآفاق، لديهما مواقف واضحة ومعلنة وموحدة تقريبا ضد الإرهاب والتطرف وسلطة الميليشيات والجماعات المتشددة والتدخل في شؤون الغير والمساس من سيادة الدول والإطاحة بالأنظمة والتلاعب بمصالح الشعوب وابتزاز الحكومات وتهديد الأمن والاستقرار في المنطقة والعالم.

كما هناك قناعة لدى الطرفين بضرورة التعاون المبني على مبدأ التكافؤ والندية، وهو ما تتميز به روسيا التي لا ترى مانعا في تصدير تكنولوجياتها، ولا في التعاون مع دولة كالإمارات في صناعات إستراتيجية ومستقبلية مهمة، وفي توطيد التنسيق الأمني، أو في تبادل الاستثمارات بما يزيد من تشابك المصالح.

اليوم لروسيا دور منتظر للمساعدة على حلحلة جملة من قضايا المنطقة خاصة في ما يتعلق بالملفين السوري والليبي، وبالوساطة مع صديقها الإيراني حول الأزمة في اليمن والتوتر في الخليج. وليس خافيا أن هناك تطابقا في الرؤى حول أغلب تلك القضايا بين موسكو وأبوظبي الرافضتين لمشروع الفوضى الخلاقة أو لتفريخ الإرهاب والجماعات المتطرفة على حساب الدول المركزية، أو لاستعمال الدين أو المذهب أو الطائفة في خدمة أهداف سياسية.

إن زيارة بوتين إلى أبوظبي وبقدر أهميتها في ما يتعلق بالعلاقات البينية، إلا أن نتائجها ستنعكس على المنطقة العربية ككل. فروسيا تثق في وجهة النظر الإماراتية وتتعامل معها بكثير من التقدير والدعم، وهذا ما سينتج عنه المزيد من التنسيق على جميع الأصعدة بين القيادتين والبلدين، كذلك الأمر بالنسبة للإمارات التي تثق في صداقة الروس، وتتعامل باحترام كبير مع قراءتهم للواقع وفهمهم للتحولات وتفاعلهم مع القضايا الجوهرية وفق مواقف مبدئية غير قابلة للمساومات.

9