بوتين في القاهرة: تدشين عصر جديد من الثنائية القطبية في المنطقة

تتجه الأنظار الاثنين إلى زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى القاهرة ولقائه بنظيره المصري عبدالفتاح السيسي، في الوقت الذي تشهد فيه المنطقة العربية تطورات ميدانية ومنعطفات سياسية خطيرة في الملف الفلسطيني والسوري واليمني، ما يشير إلى عودة الدور المصري كلاعب إقليمي فاعل في محيطه، ويتوقع متابعون أن تُحيي قمة بوتين والسيسي العلاقات الفاترة منذ سقوط الطائرة الروسية في أكتوبر عام 2015، حيث تفرض التحديات الأمنية وخطر التنظيمات المتطرفة تنسيقا عسكريا بين الجانبين، إضافة إلى تطوير العلاقات الاقتصادية، ومساعي القاهرة لإنشاء محطة الضبعة النووية لتحقيق حلمها في دخول عصر الطاقة النووية.
الاثنين 2017/12/11
عودة العلاقات تفرضها التحديات والأزمات

القاهرة - بسقوط جماعة الإخوان المسلمين عن الحكم في مصر، قبل أربع سنوات، راهنت روسيا على دور للقاهرة، لإعادة التوازن إلى شرق أوسط تتجاذبه القوى الإقليمية.

وانتظرت موسكو “ناصر” آخر في منتصف الطريق لإحياء علاقات تاريخية سابقة مع القاهرة، وبالقدر ذاته كانت تخشى “سادات” جديدا.

تلقفت القاهرة الإشارات الإيجابية، لكن استجابتها لم تكن كافية، وبسقوط الطائرة الروسية فوق صحراء سيناء في نهاية أكتوبر 2015، دخلت علاقات البلدين حالة فتور.

وبزيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الاثنين، وحلوله ضيفا على نظيره المصري عبدالفتاح السيسي، يمكن وصف اللقاء بقمة “الرهانات الاستراتيجية وحسم الخلافات والملفات العالقة”، حيث يأمل الطرفان حل جميع الملفات المعقدة.

وقالت مصادر مصرية لـ”العرب”، إن “بوتين سيُعرب عن دعمه للمواقف والقضايا العربية، في مؤتمر صحافي عالمي مع السيسي”. وتعدّ زيارة بوتين الثانية إلى القاهرة، خلال عامين، وقال الكرملين في بيان له “إن الرئيسين سيبحثان تطوير العلاقات السياسية والاقتصادية وقطاع الطاقة، وتبادل الآراء حول استقرار الشرق الأوسط وشمال أفريقيا”.

وأشار بسام راضي المتحدث باسم الرئاسة المصرية إلى “أن الزيارة تأتي في إطار حرص مصر وروسيا على تدعيم علاقتهما التاريخية والاستراتيجية”، بالإضافة إلى “التشاور حول الملفات الإقليمية ذات الاهتمام المشترك”.

وكشف مصدر مصري مسؤول لـ”العرب” عن “طرح اللقاء أربعة ملفات أساسية، كما ستشهد توقيع عقود مفاعلات الضبعة النووية، وتسليح الجيش المصري، ومسألة مواجهة الإرهاب”، إضافة إلى “تناول أزمات السياسية بالمنطقة، أبرزها إعلان القدس عاصمة لإسرائيل من قبل الرئيس الأميركي دونالد ترامب وتطورات الأزمة السورية والليبية ومستجدات الصراع اليمني عقب مقتل علي عبدالله صالح الاثنين الماضي من قبل جماعات الحوثيين المتمردة”. كما ستتناول الزيارة حسب المصدر “قضايا استئناف حركة السياحة والطيران الروسية إلى مصر، وتحديث الصناعات المصرية وإقامة منطقة صناعة روسية بمحور قناة السويس”.

عودة الدور الإقليمي لمصر تعد مطلبا عربيا لإيجاد نوع من التكامل بين تحالف القاهرة والرياض وأبوظبي، لعلاج أزمات المنطقة

طموح القاهرة النووي

قال مصدر مطّلع بهيئة قناة السويس لرويترز، الأحد، إنه “سيتم خلال زيارة الرئيس الروسي لمصر توقيع اتفاق بين الحكومتين المصرية والروسية لإنشاء المنطقة الصناعية الروسية في المنطقة الاقتصادية بقناة السويس”.

وأضاف المصدر أن الجانب الروسي يعمل مع المنطقة الاقتصادية بقناة السويس من خلال لجنة مشتركة بين الجانبين لوضع آليات تنفيذ المنطقة الصناعية التي تقام على مساحة خمسة ملايين متر مربع باستثمارات تبلغ سبعة مليارات دولار على مدار عشر سنوات، اعتبارا من أول عام 2018.

كما كشف محمد شاكر وزير الكهرباء المصري إن “الرئيسين سيشهدان توقيع عقود إنشاء محطة الضبعة النووية، التي تضم أربعة مفاعلات، وتتولى شركة “روس أتوم” بناءها وتشغيلها، حيث سيتم تمويل 85 بالمئة من تكلفة البناء، عبر قرض روسي (25 مليار دولار)، يبدأ سداده عام 2028، وينتج أول مفاعل الكهرباء عام 2022، وسيكون بذلك إيذانا بدخول القاهرة عصر الطاقة النووية.

وبذلت مصر محاولات حثيثة، منذ الخمسينات من القرن الماضي، لدخول النادي النووي للأغراض السلمية، غير أنها كانت محاولات فاشلة، لجهة الصعوبات الاقتصادية، وإصرار القوى الغربية على حجب هذه التكنولوجيا عن الأقطار العربية، للحفاظ على التفوق الإسرائيلي في هذا المجال.

وكانت آخر تلك المحاولات، السعي للانخراط في المشروع النووي الأميركي البديل في الشرق الأوسط، الذي يتضمن مقترحا لبناء 40 مفاعلا نوويا في المنطقة تقوم بتغذية شبكة كهرباء إقليمية، لكن يمكن استخدامها لإنتاج أسلحة نووية، على أن تقوم بتمويلها دول خليجية صديقة، يبنيها ويديرها تحالف من شركات دولية.

وصرح توماس كوكران أحد العلماء المشاركين في المشروع لمجلة “نيوزويك” مؤخرا بأن “محاولات جرت لإقناع الحكومة المصرية بـ”تأجيل أو إلغاء الاتفاق مع الروس، حتى يتسنى دراسة العرض الأميركي البديل”.

لكن رغم الضغوط الأميركية والمخاوف الاقتصادية يبدو أن القاهرة حسمت أمرها، واختارت موسكو شريكا استراتيجيا، في المجال النووي، وذلك وفقا لحسابات واعتبارات عدة، من بينها تجربة بناء السد العالي بالتعاون مع الاتحاد السوفييتي السابق، ورغبتها في استعادة نحو مليوني سائح روسي كانوا يفدون إلى مصر، وتوقفوا بعد حادثة سقوط الطائرة الروسية.

تنسيق أمني واقتصادي

يعدّ تسليح الجيش المصري أحد الملفات الحيوية المطروحة للبحث على قمة الرئيسين المصري والروسي، ويرتبط بصفقات السلاح وبالتعاون العسكري والفني والتدريب والصيانة.

تتطلع مصر إلى الدعم الروسي في المعركة ضد الإرهاب وتفريعاته الأمنية، خاصة أن روسيا صنّفت الإخوان كجماعة إرهابية

وتعزز هذا الجانب على نحو كبير، خلال السنوات الأربع الماضية، فقد سارعت موسكو بتزويد القاهرة بمنظومات أسلحة متطورة، للطيران والدفاع الجوى والجيوش الميدانية، عقب فرض واشنطن حظرا مؤقتا على تصدير السلاح إلى مصر، منتصف عام 2013، في وقت كانت – ومازالت – تعاني فيه من إرهاب الإخوان والجماعات المتطرفة.

وهناك أنباء عن تسلم مصر “أسلحة استراتيجية” روسية، مثل صواريخ “إسكندر”، ومن المنتظر توقيع عقود جديدة لتزويد القاهرة بأسلحة بالغة التطور: “سوخوي- 35” و”إس- 400”، وتجهيزات حاملتي المروحيات “ميسترال”، علاوة على اتفاقية تسمح لكل طرف باستخدام المجال والقواعد الجوية للطرف الآخر.

وكشفت مصادر مصرية لـ”العرب” أن روسيا عملاق الغاز في العالم يشعر بالقلق جراء الاكتشافات الضخمة للغاز المصري في البحر المتوسط، مثل حقل “ظهر”- الذي بدأ الإنتاج التجريبي له قبل يومين- نظرا لقربها من الأسواق الأوروبية وامتلاكها البنية التحتية لتسييل الغاز وتصديره.

وأرجعت المصادر تأخير عودة السياحة الروسية وتأجيل اتفاق محطة الضبعة إلى هذا السبب، وهي أزمة غير مرئية خيّمت في سماء العلاقات الثنائية، ولم تخفت حدة القلق الروسي إلا عند شراء شركة “روس بروم” الروسية 30 بالمئة، من نصيب الشريك الأجنبي، بالمرحلة الأولى من حقل “ظهر”، في صفقة بلغت قيمتها 1.1 مليار دولار.

وتعدّ ثروات النفط والغاز بنية محورية للسياسات والمصالح الدولية، خاصة في المنطقة العربية التي تحوز قسطا وافرا من المادتين الاستراتيجيتين، في المقابل تعاني من الحروب وتدخلات القوى الإقليمية الكبرى.

وتفسّر تحركات موسكو في المشهد الجيوسياسي للمنطقة لجهة حرصها على سير العلاقات مع إيران وتركيا، وحفاظا على قواعدها البحرية بسوريا، كما سيؤدي تقاربها مع مصر وترحيبها بدعوة الرئيس السوداني عمر البشير لإقامة قاعدة روسية على ساحل البحر الأحمر.

وتتطلع مصر إلى الدعم الروسي في المعركة ضد الإرهاب وتفريعاته الأمنية، خاصة أن روسيا صنّفت الإخوان كجماعة إرهابية. وأصدر المجلس المصري للشؤون الخارجية بيانا، أكد فيه “أهمية زيارة بوتين، في ظل ما تواجهه المنطقة من تحديات، أخطرها نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس، والتدخلات الخارجية، واللعب بورقة التنظيمات الإرهابية، في سيناء، وضرب قواعد الأمن القومي المصري”.

وكان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أشار الأسبوع الماضي، بأن “إرهابيي داعش في الرقة تم إرسالهم إلى سيناء”.

هنا تقف روسيا مع مصر في خندق واحد، بدافع من مصلحتها الذاتية، فهي تدرك أن معظم الإرهابيين الفارّين من سوريا والعراق إلى سيناء وليبيا، عناصر شيشانية خطيرة تهدّد كذلك الأمن القومي الروسي، وسيشكّل عنصر تباحث آخر خلال محادثات القمة المصرية-الروسية.

ورغم أن الدور المصري عانى من تراجع إقليمي طيلة العقدين الماضيين، لكن تظل القاهرة لاعبا إقليميا في الشرق الأوسط، لا يمكن التغاضي عنه أو إهماله من قبل موسكو.

وقد شهد الدور المصري عودة حيوية في عدة القضايا أبرزها المصالحة الفلسطينية، والأزمة اللبنانية الأخيرة، وحضورها كوسيط فاعل في ليبيا، وسبقها نجاحا دبلوماسيا في عقد اتفاقات تهدئة بسوريا.

وتبدو عودة الدور الإقليمي للقاهرة مطلبا عربيا وإقليميا، لإيجاد نوع من التكامل بين تحالف القاهرة والرياض وأبوظبي، لعلاج الأزمات المشتعلة في المنطقة، والتصدي للخطر الإيراني وطموح طهران في التوسع وتهديد الأمن القومي للدول العربية.

7