بوتين في مصر وخوف الروس من المستقبل

الجمعة 2015/02/13

بالغ الروس في قوتهم. أرادوا إنهاء حقبة بوريس يلتسين، وتقاسم العالم مع أميركا بالتحديد، ولم ينتبهوا أنهم ليسوا الاتحاد السوفيتي السابق، وعليهم تخفيض سقف أحلامهم. رفضوا الطلب الأميركي باستبدال النظام السوري بنظام جديد يلبي حاجات الشعب، بل ودعموه في كافة المحافل الـدولية ورفعوا الفيتو عـدة مرات لمنع إجباره على التفاوض. ورفضوا الاعتراف بحق أوكرانيا في التمتع بالسيـادة، وابتزوها باتفاقيات أنابيب النفط المارة بها، وبأنهم يعطونها نفطاً بأسعار زهيدة.

وقد فوجئوا بالعقوبات الأوروبية والأميركية ولكنهم بدلاً من البحث عن حل لمشكلات سوريا عبر اتفاق جنيف مع الأميركان ذهبوا إلى إفشاله، وبدلا من حل مشكلـة أوكرانيا احتلوا جزيرة القرم، ودفعـوا مناطق واسعة من شرق أوكرانيا للتمرد مما تسبّب بحربٍ قـد تمنع من التوافق بين الروس والأوكرانيين في المستقبل.

العقوبات تستهلك الخزينة الروسية، ورغم قدرتها على الصمود إلا أن الوضع لن يدوم كثيراً، ويأتي تخفيض أسعار النفط عالمياً ليضعف روسيا أكثر فأكثر، وبالتالي بدأت روسيا بالبحث عن خيارات تنقذها من العقوبات والمشكلات الناتجة عنها، فذهبت إلى تركيا وعقدت الصفقات، وها هي تأتي إلى مصر أيضاً لعقد صفقات نووية وبيع السلاح والغاز وغيرها، وقامت منذ بضع أسابيع باستضافة لقاء تشاوري للمعارضة السورية وللممثلين عن النظام بهدف كسر الحصار، ليس الاقتصادي بل والسياسي عليها، فهي لم تُدْعَ من فرنسا إلى مظاهرة التنديد بالإرهاب بعد حادثة تشارلي إيبدو، إضافة إلى العلاقات “الثلجية” الباردة مع الولايات المتحدة الأميركية.

لا تترك روسيا فرصة إلا وتحاول من خلالها كسر العقوبات، حيث قامت على الفور بعد أن نجح أليكسيس تسيبيراس (زعيم حزب سيريزا اليساري) في اليونان، بتقديم التهنئة له، وإبداء الاستعداد لدعم بلاده للخروج من الأزمة الاقتصادية العميقة التي تمر بها، وقد تدفع اليونان فعلاً، وفي حال فشلت مفاوضاتها مع ألمانيا وأوروبا، للتوجه إما إلى روسيا أو أميركا كما بدأت تظهر تصريحات من بعض الوزراء اليونانيين، وهذا ما يخشاه الأوروبيين كذلك، سيما وأن المسؤول اليوناني الجديد في الاتحاد الأوروبي رفض تشديد العقوبات ضد روسيا.

لا شك أن أميركا تستنزف روسيا في سوريا وفي أوكرانيا كذلك، ولكنها لا تنظر لاتفاقياتها مع تركيا ومصر بعين الرضى. تركيا ومصر مختلفتان مع أميركا بخصوص ملفات عديدة، وهذا ما يقوي الصلات مع روسيا، ولكنها ستبقى علاقات لتلبية بعض الاحتياجات، ولن تصل إلى استبدال العلاقات القوية مع أميركا بالعلاقة مع روسيا.

ولكن هل أميركا يمكن أن تعيد النظر في علاقتها مع الروس على حساب أوكرانيا، وربما سوريا، سيما وأن واشنطن غيرت جزئياً موقفها إزاء سوريا؟ إن أميركا أعطت للروس إدارة شؤون الانتقال في سوريا في السنوات الأولى للثورة، ولكنها وبعد الحرب على “داعش” عادت لقيادته بنفسها، ولكن ضمن إطار صفقة النووي الإيراني، وبالتالي لن تتراجع أميركا لروسيا لا بخصوص أوكرانيا ولا حيال سوريا حالياً.

يخاف الروس من استمرار العقوبات، وربما يتخوفون من عودة التململ القومي غير الروسي والإسلامي فيها إلى سابق عهده، في حال بدأت تلك القوميات بالشعور أن روسيا تضعف، وربما تترك روسيا الحرب بسوريا تستنقع أكثر فأكثر لتصفية كل الجهاديين الشيشانيين والداغستانيين وسواهم، والذين سيشكلون خطراً عليها حالما تستقر الأوضاع في سوريا.

الروس لا يقدمون أي مبادرات قوية لإنقاذ أنفسهم لا بخصوص سوريا ولا بخصوص أوكرانيا، ويتشدد الإعلام الروسي في إظهار الوطنية الروسية، بالقول أن دولتهم معرضة لخطر غربي يريد الإجهاز عليها، وخفة وزير خارجيتها دفعته للقول أن أميركا تريد إسقاط النظام الروسي.

هذا الكلام ربما كان يقنع الروس حينما كان وضعهم الاقتصادي يتطور، ولكن تردي الأحوال العامة هناك، قد يجعلهم في مواجهة احتجاجات واسعة على نظام فلاديمير بوتين، وهو ما سيضعف موقفه داخلياً وخارجيا.

الدعم الروسي المستمر للنظام السوري وتوقيع اتفاقيات معه، لم يفد الروس بشيء، ودعم إيران المستمر أيضاً لم يفد بتشكيل صلات قوية، وبيع طائرات حربية للعراق زمن حكم نوري المالكي وحالما بدا أن بغداد معرضة لخطر السقوط لم يسمح بإرساء علاقة قوية مع نظام الحكم هناك، وتوقف كل شيء وعاد التنسيق مع أميركا. الاتفاقيات الجديدة مع تركيا أو مصر، الآن، لا تشكل جديداً ولن تغيّر من معادلة: أن روسيا تلعب كدب أبله مع ثعلب ماكر ألا وهو أميركا.

ما ينقذ الروس من مستقبل يذهب في اتجاه مزيد التأزم، هو حل المشكلة الأوكرانية، وبدء مشاورات جدية بخصوص سوريا وفق اتفاق جنيف، وتخفيف الدعم لإيران. ربما هذا سيعيد الحياة للاتفاقيات التي وُقّعت مع هذه الدول وربما تحصل على عقود تخص السلاح وسواه مع المملكة السعودية ودول الخليج. علماً أن الدول الأخيرة متضررة من سياسة أميركا تجاه سوريا وإيران، ولكنها لم تندفع نحو روسيا، وموافقتها على الحفاوة الكبيرة ببوتين تقرأ من زاوية الضغوط المتتالية على أميركا لإفهامها أن سياساتها في المنطقة فاشلة؛ فالصمت عن إيران وتمدد أذرعها في اليمن وفي سوريا وفي العراق سياسة استنزاف خطيرة، وهم لن يندفعوا إليها، وهذا ما يلاحظ من هدوء المواقف الخليجية تجاه دخول الحوثيين صنعاء مثلاً.

إذن دول الخليج وتركيا وحتى مصر، عدا إيران التي تتوهم أنها الدولة الأهم في المنطقة، جميعاً ليست لديها بوارد استبدال العلاقة مع أميركا بالصلة مع روسيا. وربما سبب ذلك أن روسيا دولة امبريالية ريعية، وأغلب عملتها الصعبة متأتية من تصدير النفط. وبالتالي فإن دولة بهذه الخصائص لا يمكنها معاندة الامبرياليات العالمية.

روسيا مجبرة إما على أن تعود للعلاقة مع أوروبا وأميركا، وإلا فإن الحريق الأوكراني والسوري سيمتد ويتوسع نحو جمهورياتها، ولاشك أن أميركا لن تكون بعيدة عن دفع الأمور في هذا الاتجاه.


كاتب سوري

8