بوتين ليس وحده في سوريا

الثلاثاء 2015/10/06

من حقائق الحياة الثابتة أن شبيه الشيء منجذبٌ إليه، أو أن الطيور على أشكالها تقع. فلا يستطيع زوج يحب النظافة أن يعيش مع زوجة غير نظيفة، ولا امرأة كريمة مع زوج بخيل، ولا كذاب ومحتال وغدار ومختلس مع زوجة أمينة وصادقة ونبيلة ونزيهة. وشخص واحد يستقبلك في مطار دولة من الدول فيسيء معاملتك أو يُحسنها، يجعلك تحب شعبه كله، أو تبغضه، وتلعن الساعة التي جاءت بك إليه.

والآن ندخل في موضوع هذه المقالة. إن من المعروف، والذي أصبح قناعة راسخة، أن رئيس روسيا فلاديمير بوتين المولود في مخابرات الاتحاد السوفيتي السابق، المترعرع في دهاليز العمل السري، وكواليس الخداع والجاسوسية، أثبت بسلوكه وسياساته وقراراته، منذ أن عينه بوريس يلتسين رئيسا لحكومة روسيا الاتحادية عام 1999، وإلى اليوم، أنه واحد من الشبيحة (باللهجة السورية)، والقبضايات (باللبنانية)، والشلاتية (بالعراقية). غدار من نوع متميز. مراوغ من درجة أولى. ميال إلى المخاتلة في تعاملاته الدولية كافة، ومولع بالقتل والذبح والحرق في معاملة الشعوب المغضوب عليها والملصقة بقوة السلاح بروسيا، وأغلبُها من المسلمين، وماهر وماكر ومتآمر مع المعارضين الروس لأخلاقه السيئة، حتى وهم قليلون ليس لهم تأثير فاعل عليه. والمقصود هنا هو هذا السؤال، كيف انتخبه الروس أربع مرات، إما رئيسا للجمهورية أو رئيسا للوزراء، إن لم تكن أغلبية الشعب الروسي من خامته، رغم أنها تربت على الماركسية والاشتراكية ومبادئ إنقاذ الشعوب المستعمرة والمستغلة من قبل الرأسمالية، وتحريرها، وتطبيق شعار الشيوعية عليها، “وطن حر وشعب سعيد”؟

بالمناسبة، إن شعار الحزب الشيوعي، من أول الثورة البلشفية بقيادة لينين، هو المنجل والمطرقة، بلونه الأحمر القاني، لون الدم.

وفي كل ما فعله بوتين كانت الأغلبية الروسية تصفق له، وتناصره بلا حدود. فمن أول يوم تسلطه على الرئاسة راح يبحث عن أي حاكم ظالم وفاسد وقاتل ومكروه من شعبه في أي بقعة من الكرة الأرضية ليقف معه ضد شعبه، ولينجده في الملمات، وليغدق عليه بأدوات القتل والحرق والدمار، مجانا أحيانا، وليعلّمه الغدر والقسوة والنفاق والاحتيال، ويدرب إخوته وأبناء عمومته وخؤولته وشبيحته ومرتزقته على أفضل أساليب سحق الجماهير المنتفضة، على الطريقة البوتينية في الشيشان وأوكرانيا.

وفي كل علاقاته الشريرة مع الديكتاتوريين والحكام (البلطجية) لم يكن ليتمادى لو كانت الأغلبية من الشعب الروسي تعارضه وتردعه، ولا تمنحه ثقتها، ولا تبصم له بالعشرة على مشاريع انتهازيته الفاقعة، أو على حقده الأعمى على الشعوب التي تتململ، وتطلب حريتها وكرامتها واستقلالها.

تعالوا ودققوا معي. كم هو حجم المجاميع والأحزاب والمنظمات الشعبية الروسية الرافضة لدعم نظام ديني رجعي طائفي متخلف متطرف وإرهابي كنظام الملالي في إيران، بكل دكتاتوريته وهمجيته وعدوانيته وتدخلاته التوسعية في دول المنطقة؟ وكم عدد الروس الذين اعترضوا، في السابق، على الدعم العسكري والمالي والسياسي الذي أغدقه رئيسهم على زعيم صرب البوسنة السابق رادوفان كاراديتش، أو معمر القذافي، أو عمر البشير، أو كيم جونغ أون؟

وكم تظاهرة شعبية روسية خرجت، في الأيام الأخيرة، احتجاجا على دخول طائرات بوتين وبوارجه الحربية إلى سوريا، ليس لنصرة الحق على الباطل، بل لحماية الباطل من الحق، حتى لو سَحَقَ الملايين من السوريين الرافضين لسلطة الديكتاتور الذي يقتل الأطفال والنساء والشيوخ الآمنين ببراميله المتفجرة الواردة هدية من الولي الفقيه، حليف بوتين، والتي قد تكون، هي الأخرى، من صنع روسي ومصدرة إلى إيران؟

بكل الحسابات والمقاييس أصبح من حق الشعوب المحبة للحرية والفضيلة والعدالة والديمقراطية أن تعتبر الشعب الروسي في غالبيته، شريكا مع بوتين في هذا السلوك الشائن، وأن تبغضه وتشمئز منه، وتحكم عليه بأنه بلا قيم ولا أخلاق ولا مبادئ ولا شرف ولا إنسانية، وبأن دولته التي يقودها بوتين ولافروف ليست دولة، بل عصابة تشليح دولية، تستعمل الحكام الفاسدين سلاحاً تُشهره بوجه الشعوب المنتفضة، إلى أن تنحني وتدفع لها الجزية.

فكيف لا يقرأ الشعب الروسي تاريخه القديم، وتاريخ البشرية من حوله، ليرى أن جميع الديكتاتوريات تهاوت تحت أقدام الشعوب، وأن روسيا، ذاتها، كانت تخرج دائماً، من كل موقعة من معاركها الظالمة، بالخسارة. فهي دافعت عن القذافي بقوة وعناد، وهو يقصف المدن الآمنة بالصواريخ، ثم سقط وخرجت، هي وهو وأبناؤه وكتائبُه، بسوء المصير وسواد الوجوه. وها هو بشار وشبيحته وجواسيسه، وهي تراه يقتل الحمير أيضاً، وينتزع حناجر المغنين، ويكسر أصابع الرسامين، يتهاوى يوما بعد يوم، وسيسقط، وسيخرج بوتين، أيضا، في النهاية، بسوء العاقبة والخسارة والهوان.

فالشعب السوري البطل لن ينحني، وسيواجه صواريخ الجلادين وقنابلهم ودباباتهم وطائراتهم، وسينتصر، مهما طالت المكاسرة، ومهما غلا الثمن، ومهما طال الزمن.

هل تتذكرون، يا أبناء جيلي المعذب التعيس، كم تظاهرنا وهتفنا وصفقنا تأييدا للشيوعية وأفكارها وشعاراتها، مصدقين بأنها سترفع الزير من البير، وسوف تحررنا من العبودية والاستعمار؟ وهل تتذكرون كم تعلقت بها، كما تعلقنا، شعوبٌ مستضعفة، وتحمست، كما تحمسنا، لوعودها الخيرة؟

حسنا أين هي تلك المبادئ والأفكار والشعارات؟ لماذا لم تستطع أن تغسل عقول بوتين وميدفيديف ولافروف، وقلوبهم، رغم أنهم ظلوا يرضعون الماركسية على مدى نصف قرن أو يزيد؟ أليس هذا ما يحزن؟

هل صحيح أن الأفكار السامية لا تصنع من الذئب حملا وديعا أو غزالة، ومن الصقر الجارح حمامة سلام، ومن الحمار عازف كمنجة؟ وهل صحيح أن الذي في نفسه مرض، وعِرقٌ متأصلٌ من الغش والكذب والخداع، وميلٌ فطري إلى القتل والنصب والاحتيال، لا يمكن أن تغسله بحورٌ من رسالات الأنبياء، وتعاليم المفكرين والمصلحين؟

و”يُخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي، ويُحيي الأرض بعد موتها، وكذلك تُخرجون”.

ألم يَخرجْ ستالين من عمق الثقافة الماركسية المنادية بحرية الطبقة العاملة وإنصاف الفقراء ونشر السلام بين الشعوب؟

ألم يخرج هتلر من حزب ديمقراطي عريق في الديمقراطية؟ وموسوليني، ألم يرث من والده الكادح الاشتراكي ثقافته الاشتراكية التي وصل بها إلى الزعامة؟ وكيم إيل سونغ، ألم يولد في الغزو الياباني لكوريا، وكان انضمامه إلى الحزب الشيوعي وقيادة كتائبه الفدائية لطرد المحتل وتحرير الكوريين من الاستعباد والاستعمار؟

وحافظ الأسد، ألم يأت من حزب البعث وثقافته التقدمية الطامحة إلى تحقيق الشعار العظيم، (أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة)؟ والقذافي، ألم يخرج من رحم الفكر الناصري، ومن ثقافة توحيد الأمة وتحريرها؟

وألم يأت الخميني، ومن بعده خامنئي، وحسن نصر الله، وحزب الدعوة، من رسالة الدين الإسلامية السمحاء التي تقول “وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حتى تَفِيءَ إلى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ”؟

والخليفة أمير المؤمنين أبو بكر البغدادي، ألم يخرج من أحشاء القاعدة ومن دعوة ابن لادن والظواهري لحماية الإسلام والمسلمين، وتحقيق دولة العدل والمساواة والرحمة والمساواة بين المسلمين، وعدم تفضيل عربي على عجمي إلا بالتقوى؟

فإذا عدنا كثيرا إلى الأجيال الماضية وتاريخها سوف نجد العجب العجاب. فجميع القتلة والإرهابيين والجلادين في التاريخ الإسلامي والأوروبي، والبشري عامة، تربوا على الحق والخير والفضيلة، ولما وصلوا إلى السلطة ماتت ضمائرهم، وأصبحوا ذئابا بشرية لا ترحم. ولكن شعوبهم لم تمهلهم طويلا، بل ثارت عليهم، ودكت حصونهم، وجعلتهم عِبـَرا لمن يعتبر. فمتى يَتقي الشعب الروسي غضب شعوب الأرض كلها؟ أو بعبارة أصح، هل سوف يتقي؟

كاتب عراقي

8