بوتين .. "ملك اللعبة" بيده مستقبل الأسد

ظهرت حالة من الاستياء في الإعلام الروسي من تصريحات الأسد حول تفكيره في استعادة السيطرة العسكرية على سوريا. هذه التغطية الإعلامية الناقدة لم تكن محدودة ولم تقتصر على تصريح محدد أو مؤسسة إعلامية واحدة، بل اللافت للنظر أنها كانت مادة دسمة في البرامج الحوارية السياسية على القنوات الروسية بالإضافة إلى الصحافة المكتوبة، ثم انعكست هذه الحملة الإعلامية على نطاق الدبلوماسيين فظهرت تصريحات من جهات رسمية أو مقربة من أصحاب القرار.
السبت 2016/02/27
السير على خطى الكرملين

نشرت صحيفة “كوميرسانت” الروسية، المعروفة بأنها صحيفة رصينة وموجهة للنخب، خبرا يشير إلى أن ما تريده روسيا في سوريا أبعد من إبقاء الأسد ولكن هذا لا يعني التخلي عنه دون ثمن. وهذه الصحيفة التي تنقل التوجّه الروسي بشكل سبق صحافي عادة، هو حقيقة أبعد من مجرد ذلك، فكل ما تناقلته هذه الصحيفة كتوقعات أو استقراء للمزاج الروسي تبيّن أنه لا يختلف كثيرا عما يريده أصحاب القرار في روسيا بل عادة هو تمهيد قبل إعلان مواقفهم.

عندما استبقت هذه الصحيفة حالة الاستياء الروسي من تصرفات الأسد، لم تتأخّر المصارحة الروسية بنقدها للأسد في العلن وعبر هذه الصحيفة نفسها، فقال مندوب روسيا الدائم لدى الأمم المتحدة، فيتالي تشوركين، إن التصريحات الأخيرة الصادرة عن الأسد لا تنسجم مع الجهود الدبلوماسية لروسيا.

وبيّن تشوركين، خلال مقابلة أجرتها معه صحيفة “كوميرسانت” أنه “إذا حذت السلطات السورية حذو روسيا، فستكون لديها الفرصة للخروج من الأزمة بكرامة، لكن إذا ابتعدت عن هذا الطريق على نحو ما فسيكون الوضع صعبا للغاية بالنسبة إليها”.

وعندما يقول دبلوماسي رفيع مثل فيتالي تشوركين “ينبغي أن نستدل لا بما يقول (أي الأسد) مع كل الاحترام لتصريحات شخص في منصب رفيع كهذا، بل بما يفعل في النهاية”، وكأنه ليس مهما ما يقوله الأسد بل المهم ما سينفذه، مما يوحي بأن الهامش الروسي المسموح به للأسد هو الكلام، وليتكلم كما يشاء، أما الأفعال فتحددها روسيا.

طبعا لم يتوقف الإعلام الروسي عن انتقاد الأسد بعد تصريح تشوركين، بل استمر باستعراض مواقف المحللين والمقربين من صناع القرار المنتقدة للأسد، فالصحافي سيرغي ستروكان أجرى لقاء، في إطار تحليل مواقف الأسد مع أندريه كورتونوف، رئيس مجلس العلاقات الدولية الروسية، وهو هيئة دبلوماسية معتبرة في روسيا تضم وزراء خارجية ودبلوماسيين سابقين.

سيرغي ستروكان: بوتين ملك اللعبة وإذا حاول الأسد أن يتهرب مما يريده الملك عندها ستكون نهايته

وقال أندريه كورتونوف في المقابلة إن بشار الأسد يضع روسيا وإيران في وضع صعب بإعلانه الأخير الخارج عن نتائج جنيف. وأضاف كورتونوف أن اللاعبين الخارجيين مجبرون على ممارسة الضغط على عملائهم المشاركين في الصراع. وأوضح الخبير أن القدرات العسكرية لدمشق لا تسمح لها، ليس فقط بكسب الحرب، وإنما حتى بالمحافظة على ما حققته من تقدم حتى الآن. ويرى كورتونوف أن على القيادة في دمشق الفهم أن المساعدة العسكرية من طهران وموسكو لا يمكن أن تكون مضمونة مهما كانت تصرفات الأسد.

أما أليكسي مالاشينكو، الخبير في معهد كارنيغي بموسكو، فقد قال إن “تصرفات الأسد مثال واضح على “الكلب عندما يهز بذيله”. أي عن كيفية تحكم الذيل بالرأس. بشار الأسد يحاول الإيحاء لموسكو بأن الحب لن يتم (بينها ودمشق) بغض النظر عن الشخص الذي سيخلفه”.

وأوضح الخبير أن بشار الأسد يحاول إقناع موسكو بأن المودة بين دمشق وموسكو ستزول مهما كانت الشخصية التي ستصل إلى الحكم من بعده. وقال إن الأسد ينطلق من أن روسيا يمكن أن تضمن مصالحها في المنطقة إن واصل البقاء في الحكم وستخسر مكانتها إن خسر هو الحكم. لذلك فإن التسوية في إطار اتفاق جنيف ليست في صالح موسكو حتى إن كانت تدعو إلى ذلك علنا.

ويشير سيرغي ستروكان إلى أن الخبراء الذين استطلع آراءهم، يرون أن دمشق تحاول إملاء شروطها على موسكو مستغلة حقيقة أن الرهانات في النزاع السوري باتت كبيرة جدا. هم يدعون إلى النظر إلى الوضع في سوريا كواحد من الأمثلة التي تؤكد أن الدول العظمى حينما تنجرف إلى نزاعات محلية، وتقف إلى جانب هذا الطرف أو ذاك من المقتتلين، إنما تصبح رهينة وضع يفرض عليها.

نقص المقاتلين

كورتونوف دبلوماسي مرموق ودقيق في تعابيره ويبدو أنه استخدم كلماته بشكل مقصود لإظهار قدرات بشار الأسد العسكرية المحدودة، ولتذكيره بأنه دون الدعم الروسي فإن قواته غير قادرة حتى على المحافظة على ما حققته فكيف يمكن أن يفكّر في الانتصار أو الخروج عن القيادة الروسية.

وعمليا في الميدان، تعاني روسيا من حقيقة أن عدد المقاتلين المحسوبين على جيش النظام هم أقل بكثير من الميليشيات ذات الولاء إلى إيران، مما يضع روسيا أمام حقيقة أنه نعم يمكن تطبيق سياسة الأرض المحروقة من الجو ولكن من سيسيطر على الأرض؟

وتخشى روسيا إن هي طردت المعارضة من مناطقها أن تسيطر عليها إيران، لأنها على المدى البعيد ستقوي الجناح الإيراني في النظام السوري مما يعني إذا أصبح النظام في وضع قوي ولا يحتاج إلى المزيد من المساعدة الروسية، فإن موسكو قد تجد نفسها أضعف الحلفاء مرة ثانية وتعود طهران من جديد لتصبح هي من تمسك الأرض، وبالتالي لا تستطيع روسيا أن تفرض أي حل على نظام الأسد في حال توصلت إلى اتفاق مع الجانب الأميركي. وبناء على ما ورد أعلاه تريد روسيا، من جهة، أن تضعف المعارضة لحد أن تقبل بحل سياسي تصوغه بالتعاون الأميركي، ومن جهة ثانية تقوي النظام ليخرج من الحالة الحرجة ولكن ليس إلى درجة أن يشعر بالاطمئنان وبالتالي عدم الاكتراث وإهمال أي حل سياسي والانجرار إلى الرغبة الإيرانية القائمة على تقوية الميليشيات والعمل على التمدد في سوريا إلى أبعد نقطة ممكنة، مما يرفع معنويات الأسد ويجعله يتخيل أن إعادة الهيمنة على كل أو أغلب سوريا بشكل عسكري ممكنة ولا حاجة لتقديم تنازلات مؤلمة قد تصل في نهاية المطاف إلى أن يبيعه الروس مقابل ملفات عديدة.

وتعتبر التصريحات والتعليقات المتداولة في الإعلام الروسي تأكيدا علنيا على أن روسيا هي من تحدّد تفاصيل الحل النهائي وهي من تحدّد ما يمكن التنازل عنه وما هو ثمنه وتؤكد أن على الأسد أن يلتزم بالحدود التي ترسمها روسيا، وأنه عندما يتجاوزها لن تتردد روسيا في أن تطلب من سفير وليس حتى وزير خارجية ليذكره بأنه ليس صاحب القرار وعليه ألا يخرج عن الإطار الروسي إذا أراد مخرجا يحفظ ماء الوجه أو الخروج بكرامة، على حد تعبير السفير فيتالي تشوركين. الانتقادات في الصحافة الروسية ضد الأسد هي رسالة له: التزم حدك نحن من نقرر أمرك!

لا أحد يستطيع أن ينكر أن روسيا جادة بمنع محاولة إسقاط الأسد بأي وسيلة عسكرية أو سياسية حتى خلال المرحلة الانتقالية، فهل هذا يعني أنها تريد إبقاء الأسد كجزء من الحل النهائي؟ هل تستطيع أن تتحمل روسيا عواقب هذا القرار؟ هل حقا التدخل الروسي هو لإبقاء الأسد أم أبعد من ذلك؟ هل روسيا مستعدة لتحمل فرض الأسد على السوريين وعلى الدول العربية الرافضة له؟ هل مستعدة روسيا لأن تتخلى عن صفقة مع الأوروبيين والأميركيين لمقايضة الأسد بفك العقوبات الأوروبية واستعادة العلاقات التجارية؟ هل مستعدة روسيا لتتحمل أسعار النفط في أدنى قيمها مقابل ازعاج السعودية بفرض الأسد؟

التنسيق الروسي الأميركي

كان التنسيق الروسي الأميركي واضح المعالم منذ الأيام الأولى من تدخل البلدين في الأزمة السورية وتبادلهما الأدوار، فلا أحد ينسى الدور الروسي في تلبية الرغبة الأميركية بنزع المخزون الكيماوي من نظام الأسد مقابل الكف عن الضربة العسكرية الأميركية “الوهمية”، فالتعاون بينهما نجح في تلك الصفقة ثم نجح في منع إسقاط النظام بشكل كامل مقابل التعاون بينهما على إيجاد حل سياسي.

والتنسيق بينهما نجح في إصدار القرار الأممي رقم 2254 لفرض حل سياسي، بدأت تظهر معالم هذا الحل بإعلان وقف إطلاق النار. وجدية التنسيق تتضح أكثر عندما يخرج الرئيس الروسي ويعلن الاتفاق الأميركي الروسي لوقف إطلاق النار ويتعهد بأنه سيجعل النظام يحترم هذا الاتفاق وبالمقابل يتوقع من الأميركيين أن يفعلوا نفس الشيء مع المعارضة.

ويذكرّ بوتين أن هذا الاتفاق “سبقه عمل مكثف لفرق من الخبراء الأميركيين والروس” وساعدته “تجربة إيجابية” في اتفاق الولايات المتحدة وروسيا على تفكيك الترسانة الكيميائية السورية، في سبتمبر 2013.

الحل في سوريا أبعد من مجرد إبقاء الأسد في السلطة، الحل يكمن في كل الملفات المتشابكة من الخليج إلى أوروبا

والهدنة المعلنة سواء نجحت بشكل كبير أو بحدها الأدنى ليست إلا مقدمة لتطبيق القرار الأممي 2254 وبالتالي فرض الحل على طرفي الصراع في سوريا.

التعاون الروسي الأميركي جعل البلدين منسجمين بشكل عام في كل النقاط الجوهرية في الحل السوري، منذ أن أعلنت أميركا أن رحيل الأسد ليس بالضرورة أن يكون قبل الحل السياسي بل خلال المرحلة الانتقالية، وهذا أمر رحّبت به روسيا مما يعني أنها أيضا قدّمت التزاما للأميركيين بأنها ستتعاون معهم في الحل حتى يصلوا إلى سوريا ما بعد الأسد لكن بمخرج تحدّده وتحدّد زمانه لاعتباراتها الكثيرة، منها أن رحيل الأسد قبل تشكيل نظام حكم جديد يطمئن مؤيدي النظام وتحديدا الطائفة العلوية الممسكة بقيادات الجيش والأجهزة الأمنية بأن مستقبلهم ليس مرتبطا بمستقبل الأسد بل بعلاقتهم بالروس وبما سيقدمونه من نظام بديل يشملهم ولكن لا يعطيهم كل الصلاحيات.

فإذا رفض الأسد أن يتجاوب مع أي حل سياسي يؤدّي في نهاية المطاف إلى رحيله، فهناك حزمة من الإجراءات يمكن أن تستخدم لفرض رحيله في حال موافقة الروس. فلجنة تحقيق جرائم الحرب المنبثقة عن الأمم المتحدة لن تتردد في كشف قائمة المتورطين بجرائم الحرب إلى مجلس الأمن لاستصدار قرار دولي وإحالته إلى محكمة الجنايات الدولية، وطالما أن روسيا متفقة على صيغة الحل في سوريا مع الأميركيين فإنها لن تستخدم أي فيتو ضد هكذا قرار.

الأسد ليس معضلة بالنسبة إلى الروس، فقد لمح بوتين بخصوص منح الأسد لجوء سياسيا في روسيا بعد رحيله عن السلطة، إن منح الأسد لجوء سياسيا في سوريا لن يكون أصعب من منح اللجوء السياسي لإدوارد سنودن. المعضلة ما هو الثمن الذي تريده روسيا لإنتاج نظام سياسي جديد في سوريا ويقدم بديلا عن الأسد. يبدو أن الروس سيستخدمون ورقة الأسد للحصول على الثمن عربيا وأوروبيا ودوليا.

بوتين المتحكم في اللعبة

في اتصال هاتفي مع الصحافي الروسي والمحلل السياسي سيرجي ستروكان، أكد أن الحل الذي تريده روسيا في سوريا هو حل سياسي بالتوافق مع الجانب الأميركي وليس دعم الأسد كي ينتصر عسكريا كما أنها لا تسمح بأن يخسر الأسد عسكريا وينتهي نهاية القذافي.

الهامش الروسي المسموح به للأسد هو الكلام، وليتكلم كما يشاء، أما الأفعال فتحددها روسيا

ويقول سيرجي إن المشرف على الحل في سوريا هو الرئيس الروسي شخصيا، مما يعني أن القرار بيده وليس للأسد حق الاعتراض، “بوتين هو ملك اللعبة وإذا حاول الأسد أن يتحدى أو يتهرب مما يريده بوتين فعندها ستكون نهاية الأسد”.

ويؤكد سيرجي أن الحل الذي يريده بوتين ليس فقط في سوريا بل يريد حلا شاملا إقليميا ودوليا ويزيل المشاكل القائمة وبالتالي مستقبل الأسد هو أبعد من مجرد الحل في سوريا. ما يمكن فهمه من كلام المحلل السياسي الروسي المعروف بقراءاته المعمقة، أن الحل هو أبعد من مجرد إبقاء الأسد في السلطة، الحل يكمن في كل الملفات المتشابكة من الخليج إلى أوروبا.

وهذا يدعونا لان نتذكر ما أعلنه وزير الخارجية البريطاني، فيليب هاموند، أن مصير سوريا يتوقف على استعداد روسيا لاستخدام نفوذها في دمشق من أجل الضغط على بشار الأسد ليرحل عن السلطة.

فقد أكد هاموند في مقابلة مع هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي"، أن هناك شخصا وحيدا في العالم يستطيع وضع نهاية للحرب الأهلية في سوريا، وهو الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، مشيرا إلى أن بوتين يستطيع ذلك باتصال هاتفي واحد.

وطالما أن بوتين هو ملك اللعبة فمن يريد التخلص من الأسد ويقلص نفوذ إيران في سوريا عليه أن يفاوض الملك.. والباقي تفاصيل.

6