بوتين وترامب: علاقة فوق الكونغرس

السبت 2017/08/05

على مضض، وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترامب مشروع قانون فرض عقوبات جديدة على روسيا بعدما وافق عليه الكونغرس بأغلبية ساحقة. بدا ذلك واضحا من انتقاده للقانون مباشرة بعد توقيعه، واصفاُ إياه بأنه “معيب بشكل كبير”.

المحرج أن القانون يأتي ردا على التدخل الروسي في الانتخابات الأميركية التي أوصلته للبيت الأبيض. المحرج أيضا أنه واصل الحديث عن علاقات مميزة مع روسيا منذ بدء حملته الانتخابية وحتى اليوم، أي حتى بعد توقيع قانون العقوبات، فيما يهدف القانون إلى تقويض قيام مثل ذلك التعاون.

التعاون الروسي – الأميركي حسب خطة ترامب قد انطلق بالفعل في سوريا. إذ قدّمت الإدارة الأميركية تنازلات تخلت بموجبها عن برنامج تسليح المعارضة السورية وعن صد التوسع الإيراني في البادية السورية حول قاعدة التنف العسكرية الأميركية.

ويبدو أن تلك التنازلات كانت لقاء موافقة موسكو على مجموعة من الهدن في مناطق مختلفة من سوريا. ليس الموافقة الشفهية المعتادة من موسكو، بل موافقة عملية تتضمن تنفيذ إجراءات تكرّس تلك الهدن المحلية، ومنها نشر شرطة روسية في المناطق المستهدفة لردع قوات النظام السوري ومنع عودة القتال. الأهم، في حال تحقق ذلك بصورة ذات معنى، هو إجبار الأسد على الموافقة على بند نظري يتعلق بالحكم المحلي وإدخال المساعدات الإنسانية والطبية.

لطالما رفض كل من النظام وإيران هذا الشرط حيث يطمحان لاستعادة سلطة الدولة المركزية على كل المناطق، وبالتالي لا يريدان إعطاء شرعية لأي سلطة بديلة. كان ذلك ما يفسر القصف اليومي للمناطق المدنية التي يذهب ضحيتها عشرات المدنيين يوميا، وذلك لمنع قيام سلطة محلية قابلة للحياة. الاتفاق الأميركي الروسي يمهد الطريق لذلك نظريا، فيما يبقى نجاحه عملياً موضع شك كبير.

ورغم أن التعاون الروسي – الأميركي في سوريا قد قطع طريقا معقولاً، وقّع الرئيس الأميركي قانون العقوبات الجديد بالضد من رغبته. يوضح ذلك تعدد مراكز القوى في الولايات المتحدة، وحقيقة أن سياسة الأمن القومي الأميركي لا يتم رسمها من قبل الرئيس فقط، بل من قبل تلك المراكز مجتمعة. الرئيس ينفذ السياسات التي تكون موضع إجماع. ربما يدفعها في اتجاهات أكثر مردودية، أو يغير مسارها بصورة محدودة بحسب الظروف التي تراها إدارته، ولكن ليس له أن ينقلب على الإجماع بصورة تامة كما حاول دونالد ترامب أن يفعل.

هدد ترامب ذلك الإجماع بحديثه عن أن الناتو “عفى عليه الزمن”، وان أميركا لا يجب أن تتورط بالدفاع عن أوروبا التي تكلفها الكثير من الأموال بصورة غير عادلة، وهو ما وجد آذانا صاغية في الكرملين. لكن ذلك يخالف العقيدة العسكرية والسياسية الأميركية التي تؤمن بضرورة التواجد العسكري الأميركي في أوروبا الشرقية، والتوسع المستمر إلى حدود روسيا لمنعها من تشكل منطقة نفوذ سياسي وعسكري خارج حدودها. ويعتبر حلف الناتو الأداة الرئيسية في تلك العقيدة العسكرية، كما أنه الاستراتيجية الدفاعية الرئيسية للاتحاد الأوروبي. يفسر هذا وجود نحو ثمانين ألف جندي أميركي في القارة الأوروبية.

بالإضافة إلى ذلك، لا يأخذ ترامب السلوك الروسي في أوكرانيا على محمل الجد كما تفعل المؤسسة الأميركية. إذ أن احتلال روسيا لشبه جزيرة القرم وضمّها في مارس 2014 ليس مسألة يمكن تجاوزها، ولا يمكن الحديث عن تعاون عسكري وسياسي من دون حلها.

الحقيقة أن التأثيرات الاقتصادية للعقوبات على روسيا ستكون محدودة ولا يتوقع أن تتسبب بقطيعة بين بوتين وترامب طالما يرغبان في التعاون. ما يمكن أن يمنع التعاون هو دفع ترامب من قبل المؤسسة الأميركية لتوسع عسكري جديد لحلف الناتو في أوروبا الشرقية وتحديث الدفاعات العسكرية، وهو أمر ليس بمقدور الكونغرس القيام به كما فعل مع قانون العقوبات الجديد. يحتاج ذلك ممارسة ضغوط على إدارة ترامب وعرقلة برنامجه الاقتصادي لانتزاع ذلك التنازل منه وهو أمر يصعب تحقيقه.

جاء انتقاد ترامب للقانون مباشرة ليس فقط بسبب كونه ردا على التدخل الروسي في الانتخابات، ولكن كرسالة واضحة إلى روسيا يعلن فيها اعتراضه أو نأيه بنفسه، عن المؤسسة الأميركية التي تقرر قسما من السياسات الخارجية. إذا اكتفت إدارة ترامب بالعقوبات الجديدة ولم يجر دفعها لمواجهة أكبر مع روسيا، فيمكن أن يستمر شهر العسل بين ترامب وبوتين. فالتعاون في سوريا يبقى بيد ترامب وحده، ولا سبيل للكونغرس لاعتراض ذلك التعاون.

كاتب فلسطيني سوري

9