بوتين يتطلع إلى تحقيق حلم الوحدة الأورو-آسيوية بعد إفلات أوكرانيا من يده

الاثنين 2014/03/31
بوتين لم ينجح في ضم أوكرانيا إلى فلك الإمبراطورية التي يحلم بها

موسكو - حقق ضم القرم لروسيا جزءا من مخطط الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الطامع في إحياء أمجاد الاتحاد السوفيتي سابقا، لكن حلمه في ذلك سقط مع تشبث الأوكرانيين بوحدة بلادهم، ورفضهم تدخل موسكو في شؤون كييف تحت أية حجج يسوقها الكرملين، الذي لا زال يعمل على ذلك بطريقة أو بأخرى.

بعد أن أفلتت الغنيمة الكبرى “أوكرانيا” من بين أصابع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أصبح من المرجح أن يتجه إلى قادة في آسيا الوسطى خاصة نور سلطان نزار باييف رئيس كازاخستان لتعزيز هدف إقامة اتحاد أورو-آسيوي من الجمهوريات السوفيتية السابقة.


خلافات تاريخية


يشكل التاريخ بالنسبة إلى كل من روسيا وأوكرانيا سلاحا في النزاع بينهما، فمنذ عزل الرئيس الأوكراني الموالي لروسيا فيكتور يانوكوفيتش، عمد السياسيون في الجمهوريتين السوفيتيتين السابقتين إلى استنهاض أشباح الحرب العالمية الثانية، إذ تبادلوا الاتهامات بـ”الفاشية” وبالسير على خطى أدولف هتلر.

وإن كان الأوكرانيون يرون في روسيا قوة ذات مطامع إمبريالية، فإن التلفزيون الروسي من جانبه يردد أن أوكرانيا باتت تحت سيطرة “فاشيين وأتباع بانديرا”، بعد تظاهرات ساحة ميدان التي تتهم موسكو اليمين المتطرف بالوقوف خلفها.

وستيبان بانديرا الذي قلما ورد ذكره في روسيا قبل 2014، كان زعيم المقاتلين المناهضين للسوفييت في جيش الثوار الأوكراني خلال الحرب العالمية الثانية، ويذكر أن جيش الثوار الأوكراني قد واجه الجيش الأحمر وارتكب مجازر بحق البولنديين في غرب أوكرانيا وقاتل النازيين، غير أنه تعاون معهم أيضا وقد التحق بعض عناصره بالقوات الخاصة في ألمانيا النازية.

ويبقى جيش الثوار الأوكراني من أكبر المواضيع الخلافية في تاريخ الاتحاد السوفيتي، وهو يثير الكثير من الانتقادات في روسيا غير أنه يعتبر في غرب أوكرانيا بطل الكفاح من أجل الاستقلال.

وفي خطابه التاريخي في الكرملين في 18 مارس حول ضم القرم إلى روسيا، أعرب بوتين عن قلقه حيال الانتشار المتزايد، على حد قوله، لفكر “بانديرا” في أوكرانيا، قائلا إن “ما يريده ورثة بانديرا الأوكرانيون، دمية هتلر ذاك إبان الحرب العالمية الثانية، بات واضحا للجميع″.

نزار باييف: استقلال كازاخستان السياسي مقدس ولن نتخلى عن سيادتها لأحد

ويقول المراقبون إن موسكو تعزز عزلتها في محطيها السوفيتي سابقا، باستشهادها بشكل متكرر بجيش الثوار الأوكراني وستيبان بانديرا، وهي تجازف بتعزيز مكانتهما في الوجدان الجماعي الأوكراني.

في هذا الصدد يقول سيرهي ييكيلتشيك خبير أوكرانيا في جامعة فيكتوريا الكندية إن “إسراف السلطات الروسية في تشبيه الثوار الأوكرانيين بالقوميين الأوكرانيين إبان الحرب العالمية الثانية، قد يزيد في الواقع من تقبل (الأوكرانيين) للشعارات القومية والأبطال القوميين”.

وكان الأوكرانيون يتشكون كثيرا من روسيا حتى قبل اندلاع الأزمة الدبلوماسية الحالية، ويتهم بعض الأوكرانيين الروس، بأنهم سرقوا منهم تسمية “روس″ وهو كان اسم أول دولة سلافية أنشئت حول كييف، تاركين لبلادهم اسما يعني “منطقة حدودية”.

في المقابل يؤكد البرلمانيون الذي صادقوا على قانون ضم القرم لروسيا، أنهم يواصلون الكفاح السوفيتي ضد الفاشيين خلال الحرب العالمية الثانية، وقال ييكيلتشيك إن “الكفاح من أجل حقوق الناطقين بالروسية يمثل في الخطاب الرسمي الروسي الاستمرار الرمزي للحرب الوطنية الكبرى”.


نحو آسيا الوسطى


لئن زاد ضم القرم بسرعة خاطفة لروسيا من شعبية الرئيس الروسي في الداخل، إلا أنه في نفس الوقت قضى على حلمه في دمج أوكرانيا اختياريا في الكيان الجديد الذي ينوي بناءه، ويقول المراقبون إنه “بعد أن فقدت روسيا أوكرانيا ستصبح منطقة وسط آسيا مطلوبة بشدة لموسكو في تنفيذ خططها التكاملية”.

وكانت كازاخستان على وجه الخصوص إحدى دولتين من الجمهوريات السوفيتية السابقة انضمتا لاتحاد جمركي مع روسيا، والأخرى هي روسيا البيضاء، وتعتزم الدول الأعضاء توقيع الوثائق هذا العام لتشكيل الاتحاد الاقتصادي الأورو-آسيوي الذي يفترض أن يمثل في نهاية الأمر ثقلا موازيا للاتحاد الأوروبي.

ولن تكون الجمهوريات السوفيتية الأربع السابقة في آسيا الوسطى من الأعضاء المؤسسين في الاتحاد الجديد لكن من المرجح أن تنجذب إلى فلك موسكو مع سعيها إلى استعادة نفوذها في المنطقة التي ظلت تحكمها طوال معظم فترات القرنين التاسع عشر والعشرين.

وتشارك هذه الدول بوتين ارتيابه في الحياة السياسية على النمط الغربي، حيث يقيد زعماء كازاخستان وطاجيكستان وتركمانستان وأزوبكستان المعارضة ولم يجرب الديمقراطية البرلمانية سوى قرغيزستان التي تعاني من عدم استقرار مزمن.

ويعتبر نزار باييف رئيس كازاخستان من أقرب الزعماء لروسيا. كما أن بلاده يوجد فيها أكبر نسبة من السكان من أصل روسي، و يدعم الرئيس باييف بوتين ونقل عن آخر تصريحاته أنه يتفهم موقف موسكو في القرم، كما يسعى إلى إقامة الاتحاد الاقتصادي الأورو-آسيوي.

هل يكتفي بوتين بالقرم بعيدا عن أوكرانيا بعد انضمامها إلى الفلك الروسي


الاستقلال مقدس


رغم أن كازاخستان أعلنت الاستقلال عن الاتحاد السوفيتي منذ أكثر من 22 عاما وتنتج النفط والغاز الطبيعي وتجري محادثات للانضمام لمنظمة التجارة العالمية فقد ظل اقتصادها متداخلا بشدة مع اقتصاد موسكو، مما طرح العديد من التساؤلات حول وضع البلاد ومدى استقلالها فعليا عن موسكو، رغم أن باييف يصرح مرارا و تكرارا بأن بلاده ليست لديها نية للخضوع مرة أخرى لحكم موسكو.

فقد قال باييف في معرض تصريحاته السابقة “إن استقلال كازاخستان السياسي مقدس ولن تتخلى كازاخستان عن سيادتها لأحد” ولكن المراقبين يرون بوضوح أن الهدف من هذه الكلمات كان التخفيف من انزعاج العديد من الكازاخستانيين مما يعتبرونه تهديدا روسيا لأراضيهم، في هذا الشأن يقول ايدوس ساريم المحلل السياسي في ألما أتا “المجتمع الكازاخستاني وأغلب الكازاخستانيين يرون في الأحداث في أوكرانيا تهديدا مباشرا لكازاخستان وسلامة أراضيها”.

وقال ساريم “في منطقتنا لدينا كازاخستان ولدينا الصين وعندنا سبعة آلاف كيلومتر من الحدود المشتركة مع روسيا، لذلك فمن الطبيعي ألا تجد شخصا عاقلا واحدا في هذا البلد يقول إنه لن يتعامل مع روسيا”.

ولأكثر من 20 عاما ظل نزار باييف يوجه السياسة الخارجية التي يرى أنها متعددة المحاور بين روسيا والصين والغرب سعيا إلى صيانة استقلال بلاده المهدد فعليا خاصة بعد أن أعلن بوتين في الأول من مارس أن من حق روسيا غزو جيرانها لحماية السكان ذوي الأصول الروسية، وهو ما أثار انزعاجا هائلا في كازاخستان، خاصة بعد تصاعد أصوات بعض القوميين الروس الذين يدعون إلى الاستيلاء على شمال كازاخستان الذي يضم مدنا روسية تاريخيا مثل بتروبافلوفسك.

فعند الاستقلال عام 1991 كان الكازاخستانيون يمثلون نحو 40 في المئة فقط من السكان أي نفس النسبة التي يمثلها الروس تقريبا. أما الآن وبفضل الهجرة إلى روسيا وارتفاع معدل المواليد بين الكازاخستانيين أصبح الروس يمثلون 22 في المئة تقريبا من السكان وأصبح الكازاخستانيون يمثلون نحو 65 في المئة.

لكن قبضة نزار باييف المحكمة على السلطة أدت إلى اختفاء أية بادرة بوجود اتجاه معلن إلى الانفصال مثل الدعوة التي كان يحتضنها حزب الوحدة الروسية في القرم الذي أمسك بزمام السلطة هناك بعد استيلاء مسلحين على مبنى البرلمان الإقليمي نهاية فبراير الماضي.

واندثرت إلى حد كبير نوبات التوتر العرقي التي كانت تحدث بين الحين والآخر في التسعينات، حيث يتمسك جميع الكازاخستانيين على مختلف أعراقهم باستقلال بلادهم وسيادة أراضيها، ويقول المحلل السياسي ألكسندر كنيازيف في ألما أتا “الروس في كازاخستان مختلفون جدا عن الروس في القرم الذين لم يعتبروا أنفسهم قط مواطنين أوكرانيين، فالروس المحليون مرتبطون بهذا البلد ومن يعتقدون غير ذلك رحلوا”.


جيران مخلصون وقلقون


اعتمدت روسيا على استراتيجية ساهمت في ارتباط أغلب دول آسيا الوسطى بها خاصة تلك التي تصنف في خانة الدول الفقيرة مثل طاجيكستان وقرغيزستان اللتين تعانيان وضعا اقتصاديا مزريا، من هذا المنطلق ضمنت روسيا وجودها العسكري على المدى الطويل في البلدين من خلال المساعدات السخية التي تشمل شطب الديون وشروطا أفضل للعمال المهاجرين، بالإضافة إلى إمدادات السلاح والوقود، و بهذا أصبح البلدان يدوران في فلك موسكو.

أما أوزبكستان التي تعتبر أكبر دول آسيا الوسطى سكانا، إذ يبلغ عدد سكانها 30 مليون نسمة، فقد اتجه رئيسها إسلام كريموف نحو موسكو داعيا شركات الطاقة الروسية إلى مساعدة بلاده في استغلال ثروتها الواعدة غير المستغلة من النفط والغاز.

بينما تسعى موسكو إلى إحكام قبضتها على آسيا الوسطى بعيدا عن الغرب، وفي جانب كبير من أسيا الوسطى تمثل الصين المنافس الرئيسي لبوتين على النفوذ في تلك المنطقة، حيث تتضح تلك الحقيقة بجلاء في تركمانستان إحدى أكثر دول العالم انعزالا.

وتملك تركمانستان رابع أكبر احتياطيات للغاز الطبيعي في العالم وتعتمد على خط أنابيب يرجع إلى العهد السوفيتي ويمر عبر روسيا في تصدير إنتاجها، لكن خط أنابيب جديدا بدأ تشغيله عام 2009 سمح لبكين أن تحل محل روسيا كأكبر مشتر من تركمانستان. وفي العام الماضي شارك الرئيس الصيني شي جين بينغ في افتتاح ثاني أكبر حقل للغاز الطبيعي في العالم في تركمانستان، في خطوة ساهمت في تثبيت نفوذها على المنطقة الغنية بالثروات الطبيعية، وهو ما يجعل العديد من المحللين يتفقون على أن العطش الصيني للوقود هو الذي يقف كأكبر حائل أمام إعادة بناء إمبراطورية موسكو في آسيا الوسطى، وليس الغضب الغربي من سياسة الدب الأبيض، حيث يسعى بوتين جاهدا إلى إعادة هيبة روسيا التي تراجعت بعد انهيار الاتحاد السوفيتي ويروج لموسكو على أنها لاعب قوي على الساحة الدولية، على الرغم من العقوبات الدولية والعزلة التي تهددها بعد خطوتها في القرم.

6