بوتين يستأنف جهود احتواء جموح أردوغان في سوريا

المحادثات تكشف أن روسيا غير مستعدة لمنح تركيا أي تنازلات في ملف إدلب.
الجمعة 2020/03/06
كأن شيئا لم يكن

موسكو - لم تخرج المحادثات التي أجراها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الخميس في موسكو، مع نظيره التركي عن سياق محاولة روسيا احتواء جموح سياسة رجب طيب أردوغان في سوريا، والتي بلغت مداها بقراره التدخّل العسكري المباشر في إدلب، في محاولة لمنع سقوط المحافظة بيد نظام دمشق وحليفه الروسي، الأمر الذي سيعني فقدان أنقرة لآخر ورقة لمساومة القوى الدولية على الملف السوري وتحقيق المكاسب السياسية والمالية من ورائه.

وأُعلن عقب المحادثات عن التوصّل إلى حزمة قرارات لتخفيف التوتر في إدلب تشمل إعلان وقف لإطلاق النار منذ منتصف ليل الخميس الجمعة وإنشاء ممر آمن بالمنطقة.

مولود جاويش أوغلو: ستتوقف كافة الأنشطة العسكرية بمنطقة خفض التصعيد في إدلب
مولود جاويش أوغلو: ستتوقف كافة الأنشطة العسكرية بمنطقة خفض التصعيد في إدلب

وحمّل بوتين المسلحين في إدلب مسؤولية استئناف الأعمال القتالية ما تسبب في مقتل عسكريين أتراك. وقال “تمكنّا من إيجاد نقاط مشتركة بشأن الأوضاع” في المحافظة السورية، مضيفا “نسّقنا مع أردوغان وثيقة مشتركة حول القرارات التي توصلنا إليها”. كما حرص الرئيس الروسي على الإشارة إلى وجود نقاط خلاف مع تركيا بشأن توصيف الأوضاع في سوريا وصياغة المواقف منها.

أما أردوغان فتجنّب تحميل روسيا مسؤولية التوتر في إدلب وآثر مواصلة الهجوم على النظام السوري. وقال عقب محادثاته مع بوتين إنّ “التعاون بين روسيا وتركيا غير مسبوق واتفقنا على تعزيزه”.

وقال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو “ستتوقف كافة الأنشطة العسكرية على طول خط التماس بمنطقة خفض التصعيد في إدلب اعتبارا من منتصف ليل الخميس الجمعة”، معلنا أنّ دوريات تركية روسية ستنطلق في الخامس عشر من مارس الجاري على امتداد الطريق البري “إم 4” بين منطقتي ترنبة غرب سراقب وعين الحور.

وباستجابة موسكو لرغبة أردوغان في عقد لقاء قمّة مع بوتين، بدا الكرملين متفهّما لطبيعة المأزق الذي وضع الرئيس التركي نفسه فيه، وحرصت القيادة الروسية من هذا المنطلق على مساعدته في إيجاد مخرج وتهيئة الأرضية له للتراجع عن المواقف الحادّة التي ظل يعبّر عنها بنبرة بالغة العلوّ منذ اندلاع الأزمة الحالية في إدلب.

وكشفت محادثات بوتين – أردوغان أن روسيا غير مستعّدة لمنح تركيا أيّ تنازلات في ملف إدلب، حيث طغت لغة المجاملات الفضفاضة على خطاب الرئيس الروسي لنظيره التركي، حتى أنّه حاول تهدئته بالقول إنّ “الجيش السوري لم يكن يعلم أنه يقاتل القوات التركية، عندما قُتل عدد من أفرادها بشمال غرب سوريا”.

ورغم تضاد الأهداف والتوجّهات بشكل كامل بين أنقرة وموسكو في سوريا، فقد نجحت موسكو في امتصاص الحماس التركي وحوّلت أنقرة من عدوّ صريح سبق له استخدام القوّة العسكرية ضدّها بأن أسقط إحدى المقاتلات التابعة لها، إلى ما يشبه “الحليف” مستغلّة توتّر العلاقات التركية الأميركية.

وواصلت روسيا نفس السياسة المرنة تجاه أردوغان لمنع انحيازه مجّددا لواشنطن التي ظلت طوال أزمة إدلب تتحيّن الفرصة وتحاول مغازلة الرئيس التركي ذي المواقف المتقلبة والسياسات المتذبذبة.

وبالتزامن مع لقاء القمّة التركية الروسية في موسكو لوّحت واشنطن مجدّدا بالدعم المعنوي لتركيا، حيث قال وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، الخميس، إن تركيا شريكة للولايات المتحدة في حلف شمال الأطلسي، ولها الحق في الدفاع عن نفسها في سوريا.

وكان يأس أردوغان من إمكانية الحصول على دعم أميركي فعلي في معركته بإدلب، من ضمن الأسباب التي دفعته إلى محاولة إعادة ترميم الجسور مع موسكو. وكان العشرات من الجنود الأتراك قد قُتلوا الأسبوع الماضي في هجوم للجيش السوري، الذي يحظى بدعم روسيا في إدلب.

قمة بوتين - أردوغان عكست تفهمّ الكرملين لطبيعة المأزق الذي وضع الرئيس التركي نفسه فيه وحاجته لإيجاد مخرج منه

وقال بوتين لأردوغان خلال لقائهما في موسكو “لم يكن يعلم أيّ شخص، ولا القوات السورية، موقعهم (الجنود الذين قتلوا)”. وأضاف “الجيش السوري في نفس الوقت تكبد  خسائر كبيرة”.

من جهته وصف أردوغان لقاءه مع بوتين بأنه “ذو أهمية بالغة لوجود مشكلة كبيرة بالمنطقة”. وقال “أعلم أن أعين العالم أجمع على هذا المكان” ، مضيفا “الخطوات والقرارات الصحيحة التي سوف نتخذها سوف تريح المنطقة ودولنا”.

وكانت الضربات الجوية الروسية محركا قويا لتعزيز حملة قوات الرئيس السوري بشار الأسد لاستعادة آخر منطقة كبيرة تسيطر عليها المعارضة المسلحة في الشمال الغربي.

وأشعل ذلك فتيل أزمة إنسانية تصفها الأمم المتحدة بأنها قد تكون الأسوأ في الحرب المستمرة منذ تسع سنوات والتي أدت إلى نزوح الملايين من ديارهم ومقتل مئات الآلاف.

ومع ذلك، هوّن الجيش الروسي مرارا من شأن أيّ حديث عن أزمة لاجئين واتهم تركيا بانتهاك القانون الدولي عن طريق الدفع بقوات في إدلب تكفي لتشكيل فرقة ميكانيكية. واشتكى في الفترة السابقة لقمّة بوتين – أردوغان من الدور الذي تلعبه نقاط المراقبة التركية في إدلب في مساعدة المعارضين المسلحين الذين يمثل مقاتلو “هيئة تحرير الشام” (جبهة النصرة سابقا) غالبيتهم العظمى، على شن هجمات على مناطق مدنية وعلى قاعدة حميميم الجوية الروسية.

وتظهر بيانات الطيران وحركات الشحن أن روسيا سارعت لتعزيز قواتها في سوريا بحرا وجوا قبل محادثات الرئيسين الروسي والتركي.

3