بوتين يستعيد مجد الحرب الكلاسيكية في لينينغراد

مدينة سان بطرسبورغ الروسية تحيي الذكرى الخامسة والسبعين لفك الحصار عن لينينغراد وهو أعنف حصار في تاريخ الحروب.
الاثنين 2019/01/28
حالم بإعادة أمجاد الماضي

دأب الشعب الروسي منذ عقود على إحياء ذكرى فكّ الحصار عن مدينة لينينغراد (سان بطرسبورغ حاليا)، الذي فرضته الجيوش النازية بقيادة أدولف هتلر إبان الحرب العالمية الثانية، وتأتي الذكرى الـ75 لأطول وأعنف حصار في تاريخ الحروب هذه السنة وسط العديد من المتغيرات في موازين القوى خاصة مع عودة صراع القطبين الشرقي والغربي الذي تقوده روسيا والولايات المتحدة، حيث تشير كل مظاهر الاحتفاء بهذه المناسبة إلى أن موسكو وبقيادة الرئيس فلاديمير بوتين حوّلت الذكرى إلى مسرح للدعاية الحربية عبر إقامة عرض عسكري ومثير للجدل شارك فيه 2500 عسكري أمام متحف الايرميتاج في وسط العاصمة السابقة للقياصرة.

موسكو - أحيت مدينة سان بطرسبورغ الروسية الذكرى الخامسة والسبعين لفك الحصار عن لينينغراد وهو أعنف حصار في تاريخ الحروب كانت قد فرضته قوات أدولف هتلر النازية على المدينة ما بين 1941 و1944.

ورغم أن هذا التقليد الوطني الروسي بات حدثا دوريا يحتفي به الروس في أواخر شهر يناير من كل سنة، فإن الاحتفال بالذكرى الـ75 للحدث يأتي في وقت يعيش فيه العالم على وقع العديد من المتغيرات الجيوستراتيجية خاصة مع عودة الحروب الكلاسيكية بين الغرب والشرق أي بين روسيا والولايات المتحدة.

ولئن تحمل المناسبة في طياتها طعما خاصا للرئيس  بوتين خاصة أن والده كان من بين ضحايا الحصار -وهو ما يجبره على إحياء الذكرى في كل عام لتذكير الروس والعالم بالمعاناة التي قضاها في صغره رفقة أسرته ممّا فعله الجيش النازي بأسرته وبكل أفراد المدينة- فإنه ما انفك أيضا يوجّه رسائل بالجملة عند الاحتفاء بهذه المناسبة عبر الإقدام على تنظيم عروض عسكرية حوّلت مأساة الذكرى إلى ساحة للدعاية الحربية.

وشارك بوتين الأحد في مراسم إحياء الذكرى الخامسة والسبعين لانتهاء حصار لينينغراد الذي تسبب بموت 800 ألف شخص على الأقل بين 1941 و1944.

وتمثلت مظاهر الاحتفال في عرض عسكري مثير للجدل شارك فيه 2500 عسكري أمام متحف الايرميتاج وسط العاصمة السابقة للقياصرة، حيث مرت خلال العرض العسكري دبابات وقاذفات صواريخ وآليات للمشاة بينما سيرتدي طلاب الأكاديميات العسكرية المعاطف المصنوعة من جلد الخراف وأحذية مثل تلك التي كان ينتعلها الجنود في حقبة الغزاة النازيين.

واعترض كثيرون في سان بطرسبورغ بينهم ناجون من الحصار، على هذا العرض معتبرين أنه نموذج للدعاية الحربية التي تقوم بها السلطات في عهد بوتين.

ويرى مراقبون أن إحياء هذه الذكرى الأليمة قد تحوّل في عهد الرئيس بوتين الحالم بإعادة أمجاد الإمبراطورية السوفييتية عبر تعمّده النبش في جراحات الماضي لإحياء الحرب الكلاسيكية بين القطبين الغربي والشرقي، إلى ما هو أشبه بمسرح للدعاية الحربية الروسية في وقت تتنافس فيه موسكو مع واشنطن على تزعّم العالم بصراعيهما المتجدّد حول العديد من القضايا الإقليمية والدولية.

ويأتي إحياء هذه المناسبة الأليمة بالتزامن مع الجدل الذي تثيره الاتهامات المتبادلة بين واشنطن وموسكو بشأن خرق معاهدة الأسلحة النووية متوسطة المدى والتي تهدّد الولايات المتحدة بالانسحاب منها.

وتقول واشنطن إن أحد الصواريخ المنتمية إلى منظومة إسكندر – أم، وهو الصاروخ (9 إم 729)، ينتهك المعاهدة الثنائية المبرمة بين الطرفين منذ عام 1987، وهو ما يؤكّد أن نظام بوتين قام بتوظيف ذكرى لينينغراد لاستفزاز واشنطن، وقد ذكرت عدة وسائل إعلام روسية أن العرض العسكري المذكور شمل نظام الصورايخ المتقدم أس400- والعشرات من المعدات الأخرى، إلى جانب 2500 عسكري.

ديمتري بيسكوف: ذكرى لينينغراد حدث هام لكل الروس وللرئيس فلاديمير بوتين شخصيا
ديمتري بيسكوف: ذكرى لينينغراد حدث هام لكل الروس وللرئيس فلاديمير بوتين شخصيا

وقال بوتين في كلمة ألقاها بمناسبة إحياء هذه الذكرى الأليمة، إنه من واجب الجيل الحالي الحفاظ على حقيقة الأحداث التي عاشتها المدينة أثناء حصارها من قبل النازيين، مضيفا أن “واجبنا هو أن ننقل لأبناء أحفاد المنتصرين الحقيقة البطولية كاملة عن  حصار لينينغراد، وشعور الإعجاب بشرف وكرامة سكانها، وألمنا لسقوط مئات آلاف الضحايا”.

وقال “لا مغفرة للنازيين الذين حاولوا قتل هذه ‘المدينة المنيعة’ جوعا عبر حصار خانق فرض عليها، وأذاقوا سكانها عذابات فظيعة”.

وتابع الرئيس الروسي الذي لم يحضر العرض العسكري “كان العدو يخطط لمحو لينينغراد من الخريطة”، مضيفا أن ما حصل كان “جريمة ضد الإنسانية”.

فيما أكّد الكرملين أن الرئيس بوتين لن يحضر العرض لكنه سيزور مقبرة بيسكاريفسكوي وشارك في حفلة موسيقية تكريما لأرواح الضحايا. وأكد الناطق باسم الكرملين ديمتري بيسكوف أنه “تاريخ مهم جدا للبلاد بأسرها، لكل الروس وللرئيس بوتين شخصيا”.

ولم يكن فلاديمير بوتين (66 عاما) قد ولد خلال الحصار، لكن شقيقه الأكبر توفي أثناءه. وهو مدفون في المقبرة المخصصة للضحايا التي سيزورها بوتين. وكادت والدة بوتين تموت جوعا أثناء الحصار بينما أصيب والده الذي كان يقاتل في صفوف الجيش الأحمر بجروح بالقرب من لينينغراد. وقبل الاحتفالات، وقع أكثر من خمسة آلاف شخص عريضة تدعو السلطات إلى إلغاء العرض العسكري الذي وصف بأنه “مهرجان لتدنيس” الذكرى.

ويرى موقعو العريضة أن السلطات لم تنه حتى الآن اللائحة الكاملة لقتلى الحصار، وخصوصا آلاف العسكريين الذين حاولوا كسر الحصار وما زالوا يعتبرون في عداد المفقودين ولم يدفنوا يوما. ورفض المتحدث باسم الكرملين التعليق على هذه العريضة.

وكانت لينينغراد قد بقيت 872 يوما تحت الحصار، وعانى من الحصار مليونان و544 ألف  شخص من أهالي المدينة بمن فيهم 400 ألف طفل و343 ألف شخص من أهالي ضواحي لينينغراد الذين دافعوا عن المدينة. وكانت احتياطات الأغذية والوقود كافية لبضعة أشهر فقط.

وفي 8 سبتمبر 1941، هاجمت قوات أدولف هتلر الاتحاد السوفييتي خلال الحرب العالمية الثانية، وفرض الجيش الألماني حصارا على مدينة لينينغراد الروسية (سان بطرسبورغ الحديثة) سمي باسم حصار لينينغراد، وافترض النازيون أن مدينة لينينغراد ستستمر أسابيع فقط تحت الحصار، إلا أن مواطنيها قضوا ما يقرب من 900 يوم، وواجهوا جوعا جماعيا، إلى أن تم تحرير مدينة لينينغراد من قبل الجيش الأحمر السوفييتي في يناير 1944.وكان عدد سكان لينينغراد يبلغ ثلاثة ملايين نسمة قبل الحرب، وتوفي أكثر من 800 ألف منهم بسبب الجوع والمرض والقصف خلال الحصار الذي فرضه الجيش النازي والذي دام 872 يوما. لكن مؤرخين يقولون إن عدد الضحايا يمكن أن يكون أكبر.

وتشبث الرئيس الروسي، بتحويل وجهة الذكرى وتحييدها عن مسارها الصحيح بجعلها حدثا يُحتفى به رغم أنه يبقى من أكثر التواريخ العنيفة والأليمة في تاريخ البشرية وذلك عبر تقديمه توجيهات لوزير الدفاع بوجوب تنظيم عرض عسكري ضخم يريد عبره الإبراق برسائل قوية لكل الدول المنافسة لروسيا في عدة ملفات غالبيتها تتمحور حول زعامة العالم.

وأكد مسؤول في وزارة الدفاع في سان بطرسبورغ طالبا عدم كشف هويته “تلقينا أمرا بتنظيم عرض وسنفعل ذلك”. وأضاف أن “العرض العسكري من التقاليد العسكرية” وليس حدثا احتفاليا.

في سياق متّصل، قررت الحكومة الألمانية تخصيص مبلغ 12 مليون يورو لأسر ضحايا الحصار النازي لمدينة لينينغراد السوفييتية أثناء الحرب العالمية الثانية، ولتحديث مستشفى المحاربين القدامى وإنشاء مركز ألماني – روسي في مدينة سان بطرسبورغ الروسية. وفي بيان لوزارة الخارجية الألمانية الذي تزامن مع ذكرى 75 عاما لنهاية الحصار جاء “أنه تم تحرير لينينغراد بالكامل من قبل القوات السوفييتية بعد حصارها من قبل الجيش الألماني”. ورحب وزير الخارجية الألماني هيكو ماس ونظيره الروسي سيرجي لافروف بقرار السلطات الألمانية.

وفي وقت سابق، قالت الصحافية الألمانية سيلكي بيلكاي، إن الذكرى السنوية لرفع الحصار عن لينينغراد هي عيد في روسيا، رغم أن هذا الحدث يجب أن ينظر إليه على أنه مأساة حقيقية. كما تساءلت الصحافية عن سبب تقديم استعراض عسكري في سان بطرسبورغ الروسية بالتزامن مع الحدث.

واستمر حصار لينينغراد 872 يوما، بدأ من 8 سبتمبر 1941 وانتهى في 27 يناير 1944، وأدى إلى وفاة مليون ونصف المليون شخص، لتصبح مدينة لينينغراد بعد ذلك رمزا للبسالة والصمود.

وشهدت المدينة نشاطات لإحياء الذكرى بما في ذلك حفلات موسيقية وعروض فنية. وأطلقت المدفعية مساء الأحد عدة طلقات في ذكرى تحرير المدينة. وخلال العرض العسكري، وقف الحضور دقيقة صمت على وقع جهاز لضبط الإيقاع.

 توظيف سياسي يحيي حرب القطبين بين الشرق والغرب
 توظيف سياسي يحيي حرب القطبين بين الشرق والغرب

 

6