بوتين يسعى ليكون "سيد" الكرملين والشرق الأوسط

الثلاثاء 2017/12/12
لاعب رئيسي

موسكو - بدأت ملامح التوازنات الاستراتيجية في منطقة الشرق الأوسط تتوضح بشكل كبير مقارنة بالسابق وتحديدا الأشهر الأخيرة من ولاية الرئيس الأميركي باراك أوباما وما تبعها من تطورات انتهت بانتخاب دونالد ترامب خلفا له.

ورغم أن ترامب كان واضحا في البداية من حيث التوجهات الرئيسية أساسا في العلاقة مع إيران وروسيا والحلفاء التقليديين، على رأسهم السعودية، إلا أن التناقضات الكبيرة التي بنيت عليها إدارته والخلافات في وجهات النظر بينه وبين مراكز صناعة القرار الأخرى في الولايات المتحدة عقدت الوضع.

في خضم هذه الفوضى التي تتخبط فيها الإدارة الأميركية، كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على الطرف الآخر يتابع بدقة سير ما يجري في واشنطن وتداعياته على منطقة الشرق الأوسط، وهي منطقة النفوذ التاريخية للسوفييت قبل أن يحل محلهم الأميركيون.

اليوم، يبدو بوتين وهو يتنقل من دمشق إلى القاهرة، وفي علاقته المتينة مع المملكة العربية السعودية، أكثر حضورا في المنطقة من نظيره الأميركي، خصوصا وأن الرئيس الروسي أثبت أنه الفاعل الرئيسي، والأول في الملف المحوري، وهو المتعلق بالملف السوري.

وعزا الخبراء التحركات الروسية الأخيرة إلى كونها جزءا من اللعبة الدولية الكبرى للرئيس بوتين والتي تقوم على مبدأ صناعة علاقات جيدة مع القوى الإقليمية تعطي موسكو أسبقية على واشنطن. وتبدو الظروف مواتية لهوى الرئيس الروسي الذي وصفته وكالة بلومبرغ الأميركية بـ”سيد الشرق الأوسط”، مضيفة أن “زعماء المنطقة يتقاطرون تباعا إلى الكرملين، بعدما خاب أملهم بحليفتهم أميركا”.

ويستعدّ فلاديمير بوتين لربح معركة السّلام في سوريا بعد أن ربح الحرب ليقدم نفسه إلى بقية بلدان الشرق الأوسط بوصفه الرجل الذي لا يتخلّى عن حلفائه وأنه سيصبح لاعبا معترفا به في المشهد العالمي.

وتجلى ذلك واضحا من خلال الرسالة التي بعث بها عبر زيارة لم يعلن عنها مسبقا لقاعدة حميميم الجوية الروسية في محافظة اللاذقية السورية، حيث أجرى محادثات مع نظيره السوري بشار الأسد وألقى كلمة أمام الجنود الروس أعلن من خلالها عن بدء سحب “جزء كبير” من القوات الروسية من سوريا، قائلا إنه بعد حملة عسكرية دامت عامين أنجزت موسكو ودمشق مهمتهما بتدمير داعش.

جاءت هذه الزيارة، فيما العالم كان ينتظر خبر زيارة الرئيس الروسي إلى مصر. وهنا ارتبط الحدثان بشكل وثيق وقدّما دلالة جديدة على التوجهات الروسية في المنطقة والأدوار التي ترشح موسكو نفسها للعبها، خاصة وأنها ترى نفسها حليفة الكل، مصر والسعودية من جهة وإيران وتركيا من جهة أخرى، كما بدا أنها تلقفت بشكل ذكي القضية الحدث في المنطقة والمتعلقة بموقف ترامب من القدس.

وفي هذه القضية بالذات، تتمتع موسكو بالأفضلية مستفيدة من تاريخ الاتحاد السوفييتي حين قطعت العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل في سنة 1967، وقد تسبب ذلك في ذلك الوقت في إقصاء موسكو على مستوى التدخل في ملف السلام في الشرق الأوسط إلا أنه أكسبها قاعدة شعبية في صفوف التجمعات والأحزاب اليسارية والقومية.

وبدأ أن بوتين يستثمر ذلك وهو يدعو من القاهرة إلى استئناف المفاوضات الفلسطينية- الإسرائيلية فورا للتفاوض حول كل القضايا بما فيها وضع القدس. وهو لئن لم يقدم انحيازا كاملا للطرف الفلسطيني- العربي إلا أنه بدا أقرب إلى صف الحلفاء العرب.

ومن الحديث عن السلام في القدس إلى حل الأزمة في سوريا، بدا بوتين واثقا وهو يتحدث عن تشكيل جبهات مشتركة لحل الأزمات في المنطقة، من ذلك الأزمة السورية، وحتى الأزمة الليبية، التي تعد مصر طرفا رئيسا في كليهما.

وتمثل مصر لروسيا الحليف الأبرز في هذا الشأن، بسبب وقوف مصر على الحياد منذ اندلاع الأزمة السورية، ما يرجح قبولها كوسيط بين القوى المتناحرة في سوريا.

وقال السفير حسين أحمد هريدي، مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، إن زيارة بوتين لمصر لها مغزى استراتيجي هام، بسبب الظروف السياسية التي سبقتها، وعلى رأسها الغضب العربي من واشنطن.

وأشار لـ”العرب” إلى أن هناك بعدا إقليميا مشتركا، لأن مصر وروسيا تحتاجان لبعضهما في حل الملف السوري والليبي، وتمثل روسيا أهمية اقتصادية كبيرة لمصر.

ويرى مراقبون أن روسيا ترغب في ضمّ مصر إلى تحالفها مع كل من إيران وتركيا، لتكون العضو الرابع في تحالف إنهاء الصراع في سوريا، خاصة أن بوتين نجح في استقطاب إيران وتركيا باعتبارهما قوتين مؤثرتين بالمنطقة، لكنه لن يستطيع إنهاء الصراع في سوريا دون تواجد عربي على خط الأزمة.

وتبني هذه القراءة موقفها من كون تركيا المحطة الرئيسية الثالثة لبوتين بعد أن زار دمشق ثم القاهرة. وقال ديمتري بيسكوف، المتحدث باسم الكرملين، إن بوتين سيبحث مع نظيره التركي رجب أردوغان التوصل لحل سياسي محتمل للصراع السوري عندما يجتمعان في أنقرة وكذلك الإعداد للمؤتمر السوري للحوار الوطني.

من خلال هذه السياسة لا يبحث بوتين، الذي هيمن على الساحة السياسية الروسية خلال السبعة عشر عاما الماضية، فقط على التواجد كقوة دولية في الشرق الأوسط، بل أيضا عينه على ما يجري داخل بلاده، والانتخابيات المقبلة في 2018، فالسياسة الروسية تغيّرت بشكل كبير في السنوات الأخيرة وأصبح هناك ترابط بين السياسة الداخلية والخارجية، كما أن بويتن يحتاج إلى صورة “سيد الشرق الأوسط” كما قالت بلومبرغ، ليغطي على الضغوط الاقتصادية الداخلية وتصاعد المعارضة ورفض كثير من الروس لمشاركة أبنائهم للحرب في سوريا. وبدا هذا التوجه واضحا من خلال النبرة التي تحدث بها بوتين إلى الجنود الروس في قاعدة حميميم الجوية “الوطن الأم ينتظركم”.

وقد يساعد إعلان بوتين أن “المهمة أُنجزت” في زيادة الإقبال على الانتخابات الرئاسية الروسية المقررة في مارس بجذب الناخبين الوطنيين.

6