بوتين يفسح لترامب مجال ترميم النفوذ الأميركي المتآكل في العراق

إذا ثبت اهتمام الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب بتفعيل دور بلاده في العراق، فإن تنفيذ ذلك يمرّ حتما بتحجيم الدور الإيراني هناك، وهي مهمّة لا تخلو من تعقيد نظرا لما شهده نفوذ طهران على الساحة العراقية من تعمّق وتوسّع مستفيدا من ضعف وارتباك سياسات الرئيس المنتهية ولايته باراك أوباما في الشرق الأوسط.
السبت 2016/12/24
رمضاء ترامب ولا نار إيران

بغداد - وجّه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بتأكيده عدم نية بلاده التدخل في الشؤون العراقية، رسالة تطمين للرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب بشأن احترام موسكو لقواعد تقاسم النفوذ في المنطقة والتي استقرّت على اعتبار سوريا ضمن دائرة النّفوذ الروسي، فيما العراق بات منذ سنة 2003 محسوبا ضمن الدائرة الأميركية رغم الحضور الإيراني القوي بساحته، والذي تكرّس خلال السنوات القليلة الماضية بشكل غير مسبوق مستفيدا من ضعف وارتباك إدارة الرئيس الأميركي المنتهية ولايته باراك أوباما، والتي يتهمها عراقيون بفتح بلدهم على مصراعيه أمام إيران.

ويرى محلّلون سياسيون أنّ الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب، الذي لا يبدو مرتاحا لتعاظم النفوذ الإيراني في المنطقة، سيكون أمام مهمة شائكة في العراق تتمثّل في ترميم ما أفسده سلفه أوباما، وإعادة تركيز نفوذ بلاده هناك، وهي مهمة لا يمكن إنجازها دون كبح التمدّد الإيراني في مفاصل الدولة العراقية والتدخّل عبر وكلاء موثوقين في قرارها السياسي وحتى العسكري.

وخلال فترة حكم أوباما طوّرت إيران تدخّلها السياسي في العراق إلى حضور عسكري بالوكالة عبر جيش رديف يعدّ أكثر من مئة ألف جندي مكوّن من العشرات من الميليشيات الشيعية الموالية لطهران استطاعت أن تفرض سطوتها على البلد من خلال ما أظهرته من نجاعة في مواجهة تنظيم داعش.

وفشلت واشنطن في كبح تعاظم دور الميليشيات في الحرب على داعش في العراق من خلال محاولات تحييدها من بعض المعارك، وآخرها معركة الموصل الدائرة حاليا، حيث فرض دور للحشد الشعبي تمثّل أساسا في السيطرة على المحور الغربي للمدينة، وهو محور بالغ الأهمية في تأمين الطريق بين إيران وسوريا عبر العراق.

إيران حولت في عهد أوباما نفوذها السياسي في العراق إلى حضور عسكري عبر جيش رديف من الميليشيات الطائفية

ولم تكن إدارة أوباما، والديمقراطيين عموما، ترغب في أن يحسب في رصيدها، ضياع النفوذ الذي أسسته إدارة الجمهوريين بقيادة الرئيس السابق جورج بوش الابن في العراق من خلال غزوه واحتلاله، وفي محاولة متأخرة لتدارك ذلك سرّعت تلك الإدارة طيلة السنة الأخيرة من حكمها خطواتها بهدف استعادة توازن الولايات المتحدة في العراق والقبض مجدّدا على زمام المبادرة السياسية والعسكرية هناك.

وعلى مدار الأشهر الماضية، تعدّدت زيارات كبار المسؤولين الأميركيين بشكل مفاجئ للعراق الذي يعاني أزمات حادة اقتصادية وأمنية وسياسية، تعتبر جميعها من نتائج الغزو الأميركي للبلد وحلّ جيشه وإطلاق عملية سياسية فيه مبنية على المحاصصة الحزبية والعرقية والطائفية.

وبالإضافة إلى ما طبع سياسة أوباما في المنطقة العربية والشرق الأوسط عموما من ارتباك وتردّد تسببا في تراجع مكانة واشنطن ودورها، ظهرت مهدّدات جديدة لنفوذ الولايات المتحدة في العراق.

فمن جهة تزايد الطموح الإيراني إلى تحويل النفوذ السياسي الذي تمارسه طهران من خلال الأحزاب الشيعية الحاكمة في العراق، إلى نفوذ عسكري عبر جيش رديف هو الحشد الشعبي المكون من ميليشيات شيعية تمكّنت من خلال خوض الحرب ضد تنظيم داعش من فرض سيطرة ميدانية على عدّة مناطق عراقية، ما سبب قلقا لدى الولايات المتحدة ودفعها إلى بذل مساع لكبح توسّع سيطرة تلك الميليشيات.

ومن جهة ثانية بدا للحظة استعداد روسيا للدخول كمنافس للولايات المتحدة في العراق، من خلال عرض “خدمات” في مجال الحرب ضدّ داعش على حكومة بغداد سواء في شكل تعاون استخباراتي، أو تزويد بالسلاح والذخيرة.

وقد نجحت موسكو في استخدام العراق كورقة مساومة لواشنطن من أجل الاحتفاظ بالنفوذ في سوريا، إذ بدا أنّ هناك “احتراما” لقواعد القسمة بين المتنافسين الكبيرين، فعدا عن المواقف اللفظية، لم تبد الولايات المتحدة على درجة كبيرة من الجدية في التدخل بسوريا، بينما تراجعت روسيا بشكل واضح عن فكرة التدخل في الحرب بالعراق.

وطيلة السنة التي توشك على الانتهاء، مثّلت الأزمة الحادّة بين الفصائل والمكوّنات العراقية تهديدا جدّيا للعملية السياسية التي أرستها الولايات المتحدّة في العراق، ولنظام الحكم الذي قام على أساسها، ما جعل واشنطن تنزل بثقلها السياسي والدبلوماسي لتطويق الأزمة حماية للنظام الذي ترى فيه خير ضمانة لمصالحها في العراق، كما تجد في ضعفه أفضل بوابة لمواصلة التدخل في الشأن العراقي، فضلا عن كون ما يميزه من طائفية وعرقية، يؤّمن بقاء العراق بما له من مقدّرات ضخمة على هامش المنظومة الإقليمية التي لا تريدها الولايات المتحدة قوية ومتماسكة.

وفي مؤتمره الصحافي السنوي، الذي عقده الجمعة بموسكو، قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين “افترض أنّه يتعين اتباع القانون الدولي بشأن قضية إقليم كردستان العراق، وروسيا ليست لديها النية للتدخل في الشؤون العراقية”.

ويظلّ إقليم كردستان العراق بقيادته السياسية الحالية نقطة ارتكاز مهمّة للسياسة الأميركية في العراق، بعد أنّ سهلت القيادة ذاتها عملية إسقاط نظام صدّام حسين وغزو العراق. وخلال الأشهر الأخيرة تضاعف التركيز الأميركي على مواجهة تنظيم داعش في العراق، ولم تعد واشنطن تكتفي بتوجيه ضربات جوية في نطاق التحالف الذي تقوده، بل أصبحت تشارك في تخطيط المعارك وتحديد مواعيدها ومن يشارك فيها.

كما تواتر إعلان واشنطن عن إرسال مجاميع صغيرة من القوات الخاصّة، حتى قارب عدد القوات الأميركية الموجودة على الأراضي العراقية خمسة آلاف فرد، في ظاهرة وصفت بأنها عودة “حذرة ومدروسة” إلى العراق بعد استكمال سحب القوات المقاتلة منه في ديسمبر 2011.

ويجري التركيز بشكل استثنائي على معركة الموصل التي ينتظر أن تكون حاسمة في إنهاء سيطرة داعش على الأراضي العراقية، وبالتالي في ترتيبات ما بعد التنظيم وتقاسم النفوذ في العراق والمنطقة ككل.

3