بوحيرد و"جميلات" ثورة الجزائر منسيات

السبت 2013/12/14
جميلة بوحيرد.. مجاهدة جزائرية من الرعيل الأول

جميلة بوحيرد، مجاهدة جزائرية تعد الأولى عربيا وتلقب بـ"الشهيدة الحية"ّ، كون الكثيرين من العرب وحتى الجزائريين يعتقدون أنها سقطت في ثورة التحرير التي شاركت فيها كفدائية وواحدة من حاملات القنابل، بسبب أنه حكم عليها بالإعدام عام 1957، وهي فضلت العيش في الظل منذ الاستقلال.

تنفرد المجاهدة الجزائرية الشهيرة بمكانة خاصة في الضمير الشعبي الوطني الجزائري والعالمي أيضا. فهي تمثل رمز المرأة الحرة التي تصنع التاريخ، وقد لعبت وهي في العشرين من عمرها دورا طليعيّا في تفجير اللحظات الأولى من الثورة الجزائرية في ساحة الكفاح المسلح الميداني.

إن المرء يستغرب كثيرا انعدام الكتب المكرسة لحياة ونضال جميلة بوحيرد في المكتبات الجزائرية وذلك يعود إلى إهمال المؤرخين الجزائريين لسير المجاهدين والمجاهدات. إلى جانب ذلك فإن وزارة المجاهدين الجزائرية لم تقم بواجبها المتمثّل في توثيق الأحداث الكبرى للثورة التحريرية الوطنية الجزائرية وأبطالها من المجاهدين والفدائيين والمسبّلين ومن الشخصيات الشعبية. وفضلا عن ذلك فإن الصحافة الجزائرية لم تلعب أي دور ذي قيمة في إجراء حوارات مفصلة ودقيقة مع المجاهدات الجزائريات وتوثيق نضالهن وإخراجه من دوائر الصمت إلى العلن ليكون نبراسا للأجيال الجديدة. ومع الأسف فإن المذكرات التي كتبها عدد من قادة ثورة نوفمبر 1954، ومنهم الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد وعلي محساس والكولونيل الطاهر الزبيري وغيرهم من القادة، لم يذكروا شيئا له أهميته بخصوص المجاهدات والفدائيات أمثال جميلة بوحيرد وزهرة ظريف وحسيبة بن بوعلي وغيرهن ممّن ضحين بحياتهن من أجل استقلال الجزائر.

أذكر جيّدا أنه عندما رفع شعار إعادة كتابة تاريخ الثورة التحريرية في فترة الثمانينات والتسعينات من القرن العشرين أن جميع الندوات التي اشترك فيها بعض زعماء حركة التحرر الوطني لم يكن إلى جانبهم فيها أخواتهم المجاهدات الأمر الذي أوحى لأجيال الشباب أن الثورة التحريرية هي من صنع وتنفيذ الرجال الذكور فقط. إن هذا الطمس لجانب مركزي وأساسي من تاريخ ثورة 1954، هو طمس لجزء عزيز من الذاكرة التاريخية الوطنية الجزائرية. إنه جراء هذا الإهمال والطمس والنسيان لنضال وكفاح المرأة الجزائرية، يجد الإنسان صعوبة كبيرة في الحصول على الوثائق والمعلومات عندما يريد أن يكتب عن تاريخ جميلة بوحيرد، باعتبارها أحد النماذج الكبرى الدالة في حركة التحرر الوطني الجزائري.


من الطفولة الثائرة إلى ساحة المعركة


ولدت جميلة بوحيرد في عام 1935 بحي القصبة التاريخي بالعاصمة الجزائرية وهو الحي الذي يشهد على بقايا المعمار العثماني. إنه الحي الذي احتضن الثورة التحريرية الجزائرية منذ البداية. لقد انحدرت جميلة بوحيرد من أب جزائري متعلم ومن أم تونسية من مدينة صفاقس. لقد كانت بوحيرد البنت الوحيدة في أسرتها إلى جانب سبعة ذكور من إخوانها. وتسجل الوثائق أن جميلة بوحيرد قد تحصلت على قدر من التعليم المدرسي باللغة الفرنسية وأنها قد درست الخياطة والتفصيل والتصميم مثلما مارست ركوب الخيل لحد البراعة إلى أن انقطعت عن كل ذلك عندما انضمت إلى صفوف جبهة التحرير الوطني للكفاح ضد فرنسا وذلك في عام 1954. بداية نضال جميلة بوحيرد كان منذ التحقها بصفوف الفدائيين الذين كانوا مكلفين في ذلك الوقت بمراقبة حركة الجيش الفرنسي وجمع المعلومات عنه وتنفيذ العمليات الفدائية ضده مباشرة وبسرية كاملة. كانت جميلة بوحيرد أول المتطوعات لزرع القنابل في الطرق التي كان يسلكها الجيش الفرنسي ومعه دبابته. لقد نفّذت بوحيرد عمليات كثيرة وعندما كشف أمرها أصبح الجيش الفرنسي ومخابراته يطاردونها ليلا ونهارا حتى ألقي عليها القبض عام 1957، وذلك عندما أطلق عليها الجيش الفرنسي الرصاص وأصابها في كتفها فسقطت جراء ذلك على الأرض ثم أصبحت أسيرة في قبضته. هكذا بدأت رحلة التعذيب الذي مارسه عليها الاستعمار الفرنسي في سجن بربروس، حيث كان يلقى في غياهبه المجاهدين الأسرى وكل من يعارض الاحتلال الفرنسي للجزائر. في سجن بربروس، وهي تحت التعذيب بالصعقات الكهربائية، صرخت جميلة صرختها الأسطورية الشهيرة في وجه جلاديها قائلة “أعرف أنكم سوف تحكمون عليّ بالإعدام لكن لا تنسوا أنكم بقتلي تغتالون تقاليد الحرية في بلدكم ولكنكم لن تمنعوا الجزائر من أن تصبح حرة مستقلة”. والجدير بالذكر أن الجيش الفرنسي لم يحترم أبدا القوانين والأعراف الدولية الخاصة بأسرى الحرب وذلك عندما انهال بالتعذيب على جميلة بوحيرد وهي طريحة الفراش بالمستشفى بعد تعرضها للإصابة بالرصاص مما أدى إلى معاناتها من نزيف شديد.

في المستشفى عذّبت جميلة بوحيرد على مدى ثلاثة أيام أشنع تعذيب بالصعق الكهربائي. وهي تعذب كانت تصيح بعد استعادة وعيها وتقول: “الجزائر أمنا”. وبهذا الخصوص قد سجل كل من عرفها من زملائها وزميلاتها في الدراسة بالمدرسة الفرنسية أن بوحيرد التلميذة الصغيرة قد رفضت دائما أن تردد ما كان يردده طابور الطلاب في ساحة المدرسة في كل صباح “فرنسا أمنا” وبسبب ذلك تم عقابها مرارا من طرف ناظر المدرسة الفرنسية. إن هذا يعني أن روح التمرّد ضد الاستعمار الفرنسي للجزائر عند جميلة بوحيرد متجذر في طفولتها وليس طارئا عليها.

كانت جميلة بوحيرد أول المتطوعات لزرع القنابل في الطرق التي كان يسلكها الجيش الفرنسي ومعه دبابته

عندما فشل جلادوها ومعذبوها في انتزاع أي اعتراف منها وأي تبليغ عن زملائها المجاهدين والفدائيين، فقدوا صوابهم فقررت الإدارة الفرنسية محاكمة بوحيرد محاكمة غير عادلة وصدر ضدها الحكم بالإعدام في عام 1957 وتحدد يوم 7 مارس 1958 موعد تنفيذ الحكم. انتشر خبر الحكم بالإعدام على جميلة بوحيرد فهبت الملايين من البشر من كل أصقاع العالم وأرسلوا برقيات تندد بهذا الحكم الوحشي الظالم في حق مجاهدة تريد الاستقلال لوطنها، وعندئذ تدخلت لجنة حقوق الإنسان بالأمم المتحدة الأمر الذي أدى تأجيل السلطات الفرنسية لتنفيذ حكم الإعدام الذي عدل فيما بعد إلى الحكم عليها بالسجن مدى الحياة. ويعود الفضل في ذلك إلى المحامي العالمي الشهير جاك فرجاس الذي تبنى قضيتها فدافع عنها دفاعا مستميتا فوقع في حبها ولكنه لم يتزوجها إلا في عام 1965 وبعد سبع سنوات من إطلاق سراحها.


الزواج الذي لم يعمّر طويلا


قصة هذا الزواج جديرة بالوقوف عندها قليلا والذكر أن جاك فرجاس هو ابن لأب فرنسي امتهن الطب كما تولى منصب قنصل فرنسا في تايلاند، وهو أيضا ابن لأم فيتنامية. ويذكر أيضا أن جاك فرجاس كان عضوا في المقاومة الفرنسية إلى جانب شارل دوغول ضد النازية ومن ثمة أصبح شيوعيا وهو طالب بجامعة السربون كما انظم إلى مجموعات الطلاب اليساريين المطالبين بتحرير شمال أفريقيا. وفضلا عن ذلك فإن جاك فرجاس كان محاميا لمنظمة التحرير الفلسطينية وعمل أيضا مستشارا للحكومة المغربية.

والجدير بالذكر هنا هو أن زواج جميلة بوحيرد بجاك فرجاس كان مشروطا بدخول هذا الأخير في الإسلام وهو الأمر الذي تحقق وهكذا أثمر هذا الزواج طفلين ولكن سرعان ما حدث شرخ في العلاقة بين بوحيرد وفرجاس جراء اختفائه في عام 1970 لمدة ثمانية أعوام ولا أحد كان يعرف مكانه، الأمر الذي اضطر بوحيرد إلى الطلاق منه غيابيا ورغم ذلك فإن علاقة الصداقة بينهما استمرت بعد ظهوره إلى الوجود وبعد غياب طويل سمّاه بـ"العطلة الكبيرة في مكان بعيد جدا".

الصحافة الجزائرية لم تلعب أي دور ذي قيمة في إجراء حوارات مفصّلة ودقيقة مع المجاهدات الجزائريات وتوثيق نضالهن وإخراجه من دوائر الصمت


تشويه بوحيرد


بعد استقلال الجزائر في عام 1962 تولى أحمد بن بلة الرئاسة في الجزائر وفي هذه الفترة بالذات تولت جميلة بوحيرد منصب رئيسة اتحاد النساء الجزائريات ويقال إنها قد اختلفت مع النهج الذي اتخذته سياسات بن بلة والسلطة السياسية الحاكمة في الجزائر. وبهذا الخصوص روى الصحفي المصري محمد شعير، الذي عمل في أسبوعية “أخبار الأدب”، قصة مثيرة عن سبب نفور جميلة بوحيرد من الصحافة والصحفيين. وقال شعير إن الروائي الجزائري طاهر وطار، الذي كان رئيسا لتحرير جريدة “الأحرار” في ذلك الوقت أخبره بما يلي: “في عام 1964 كنت رئيسا لتحرير جريدة “الأحرار” وكانت أول جريدة أسبوعية جزائرية، وذهبت مع أحمد بن بلة ووفد كبير من المسؤولين لزيارة القاهرة، وعندما التقيت أحد الوزراء المصريين لإجراء حوار مطول معه فاجأني بالسؤال: هل صحيح أن جميلة بوحيرد تزوجت فرنسيا؟. ارتبكت أمام سؤاله، لم أكن أعرف حقيقة الأمر. وعندما عدت إلى الجزائر تأكدت، فصدر غلاف الأحرار يتصدره رسم كاريكاتوري لجميلة بوحيرد وبطنها منتفخة بالحمل لطفل يرتدي برنيطة”.يبدو واضحا أن هذه المحاولة لتشويه سمعة جميلة بوحيرد لم تكن محاولة فرد واحد، وهو الطاهر وطار، بل إنه عمل حرّكته أيادي السلطة الحاكمة لأن الطاهر وطار لا يتجرأ أن يسيء إلى رمز وطني في قامة بوحيرد لو لم يأخذ الإذن من أصحاب القرار وفي المقدمة الرئيس أحمد بن بلة الذي سافر معه إلى القاهرة. وفي الحقيقة فإن مسلسل تشويه هذه المجاهدة قد تواصل حيث أنها تعرضت في السنوات الأخيرة إلى تهمة دبرتها لها صحيفة “نيويورك تايمز″ الأميركية حيث وصفتها “بالإرهابية” ولم تتحرك السلطة الجزائرية لمقاضاة هذه الصحيفة عدليا. وأكثر من ذلك فإن بوحيرد قد أسدل عليها ستار الصمت والتجاهل على مدى سنين طويلة ولم تكرّم أبدا من قبل الحكومات الجزائرية المتعاقبة إلى يومنا هذا.

أعرف أنكم سوف تحكمون عليّ بالإعدام لكن لا تنسوا أنكم بقتلي تغتالون تقاليد الحرية في بلدكم، ولكنكم لن تمنعوا الجزائر من أن تصبح حرة مستقلة


قالت لبوتفليقة: كفوا عن إهانتنا


منذ مدة قصيرة تعرضت جميلة بوحيرد لأزمة صحية خطيرة ولم تجد رعاية من مصالح وزارة الصحة الجزائرية، الأمر الذي دفعها إلى طلب المساعدة المادية من الشعب الجزائري لتدفع ثمن العلاج لأن مرتب تقاعدها لا يفي بالغرض بل إنها قد اعترفت في الرسالة التي وجهتها إلى رئيس الجزائر عبدالعزيز بوتفليقة بأنها كثيرا ما تلجأ إلى الاستدانة من البقالين والجزارين وأصحاب الدكاكين الذين تتسوق عندهم لكي تضمن لقمة عيشها وفيما يلي نص الرسالة التي أرسلتها إليه رسميا“:سيدي أسمح لنفسي بلفت انتباهك إلى وضعيتي الحرجة فتقاعدي ومعاشي الضئيل الذي أتقاضاه بسبب حرب التحرير لا يسمحان لي بالعيش الكريم وكل من البقال والجزار والمحلات التي أتسوق بها يمكن لهم أن يشهدوا على القروض التي يمنحونها لي ولم أتخيل يوما أن أعزز مداخيلي بطرق غير شرعية أصبحت للأسف منتشرة في بلدي. أنا أعلم أن بعض المجاهدين الحقيقيين والمجاهدات يعيشون نفس وضعيتي، بل أسوء منها، وأنا لم أقصد تمثيلهم بهذه الرسالة. ولكن من خلال موقعكم لا تستطيعون ولا تريدون معرفة فقرهم وحاجاتهم. هؤلاء الأخوة والأخوات المعروفين بنزاهتهم لم يستفيدوا من شيء، والرواتب التي تمنح لهم لا تتجاوز المستحقات التي تمنح عامة للنواب المجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة، وكذلك ما تتقاضونه أنتم وكل الذين يحومون حولكم.وبناء على هذا أطلب منكم أن تتوقفوا عن إهانتنا وعليكم أن تراجعوا معاشنا الضئيل، وذلك حتى نكمل الوقت القليل المتبقى لنا في هذه الحياة بما يتناسب مع الحد الأدنى من الكرامة.


مع تحياتي الوطنية

جميلة بوحيرد

14