بوح الأبناء بأسرار أسرهم ترجمة اجتماعية للتفكك الأسري

تمثل عملية إفشاء الأبناء لأسرار أسرهم رد فعل نفسي من جانب الأطفال الصغار على حالة التفكك التي تعاني منها عائلاتهم، وأحيانا تتعرض الأم أو يتعرض الأب أو كلا الأبوين للإحراج أمام الآخرين بسبب إفشاء أحد أبناء الأسرة لأسرار أحد الوالدين أو أسرار الأسرة عموما، خاصة عندما تتعلق هذه الأسرار بمشاعر أو مواقف شخصية من أحد الأبوين تجاه شخص آخر في محيط العائلة أو الجيران أو الأصدقاء.
الأحد 2016/08/21
افتقاد الطفل للأمان والرعاية في البيت يدفعه إلى إفشاء أسرار أسرته

القاهرة - يلجأ الطفل غالبا إلى إفشاء أسرار تتعلق بأسرته بشكل غير واع نفسيا لأسباب قد يكون منها رغبة الطفل في أن يكون على الدوام محل الإعجاب والتقدير والاهتمام من جانب الآخرين، فيدفعه ذلك للكلام بشكل غير مقصود عن سرّ من أسرار الأسرة في وجود الآخرين من الأقارب أو الجيران أو أصدقاء أحد الوالدين، على أمل أن يحظى باهتمام هؤلاء الضيوف أو الجيران، وأن يتحوّل محور الحديث حوله.

وفي بعض الحالات عندما يفشي الطّفل سرّا من أسرار الأسرة يكون راغبا في أن ينال العطف والعناية من الآخرين، وهو ما يعكس حالة نفسية عند الطفل الذي يقدم على مثل هذا العمل بأن يكون مفتقدا للحب والحنان والرعاية في المنزل.

ومن الخطأ في مثل هذه الحالات اللجوء إلى عقاب الطفل أو توبيخه أمام الآخرين، بل يجب على الأبوين في مثل هذه الحالة أن ينتبها إلى أن هناك مشكلة نفسية يعاني منها الطفل الصغير، وأنه لمّا لجأ إلى إفشاء سرّ من أسرار المنزل فإنّه لا يشعر بالأمان أو الاهتمام الكافيين من جانب أسرته في منزله، ويبحث عن هذا الاهتمام أو الأمان لدى الآخرين عن طريق إفشاء أسرار أسرته لهم، على أمل أن تكون المكافأة التي يحصل عليها من هؤلاء الأغراب هي عطفهم واهتمامهم به وبمشاعره.

ويفسر محمود علي، خبير تربوي في عدد من المؤسسات الاجتماعية والتربوية المصرية، هذه الظاهرة بقوله “إنه في ظل الظروف والمتغيرات المعاصرة اختلت معايير وأسس التنشئة النفسية والتربوية لدى الأبناء فأفرزت أنماطا سلوكية مختلفة تماما عن ذي قبل، بعدما تسلّلت إلى مجتمعاتنا في غياب الأدوار التربوية سواء للآباء والأمهات أو باقي مؤسسات المجتمع، خاصة وسائل الإعلام التي تصور أحيانا بطريقة كوميدية إفشاء الأبناء لأسرار أسرهم، فأسهمت بطريقة أو بأخرى في تبرير تجسّس الآخرين على الحياة الخاصة لباقي أفراد المجتمع”.

كما أشار إلى الدور الذي تلعبه المدرسة في هذا السياق قائلا “إن افتقاد الطفل للأمان في البيت يدفعه إلى إفشاء أسرار أسرته في المدرسة سواء لأقرانه أو للمعلمات، فتكون النتيجة هي أن بعض المدرسات والمدرسين يطلعون على أسرار بيوت وأسر تلاميذهم وتلميذاتهم”، مشيرا إلى أن الفهم الخاطئ في هذا السياق يقوم على أساس أن إطلاع المعلمة على المشاكل الشخصية للطفل بين أفراد أسرته هو شكل من أشكال التكامل في الدور التربوي بين الأسرة من ناحية وبين المدرسة من ناحية أخرى، وهو دور مطلوب، لكن بشرط أن يكون ضمن حدود الحفاظ على الأسرار الشخصية للأسرة التي لا ينبغي لغير أفراد الأسرة الاطّلاع عليها.

إفشاء أسرار الأسرة يعكس مرضا اجتماعيا دفينا مرتبطا بالطبيعة البشرية ودوافعها النفسية والاجتماعية لمعرفة أسرار الآخرين، لأنه في وسع من يحكي لهم الطفل أن يطلبوا منه التوقف عن الحديث

ويوضح أكرم محمد، أستاذ علم النفس، أنه في ظل انتقاص وغياب دور الأب والأم في حياة أبنائهما بسبب انشغالهما بشؤون الحياة وتوفير مستوى معيشي ملائم لباقي أفراد الأسرة، ليصبح البديل النفسي من الناحيتين الوجدانية والطبيعية لجوء هؤلاء الأبناء إلى أخريات يحكون لهنّ ليكسبوا ودهن ويصبحوا أيضا أكثر ضعفا أمامهن، خاصة أن لديهن دوافع فضولية في اختراق الحياة الخاصة للآخرين وربما يلجأن لمعرفة ما يرغبن فيه مع الأطفال الصغار من خلال بعض الاستمالات النفسية التي أساسها نظرية التعلم الشرطي أو المثير (المنبّه)، متمثلا في تقديم نوع من الحافز لهم على الفضفضة والاستجابة حينما يحكي هؤلاء الأبناء، وبمرور الوقت ومع زوال هذا الحافز تحلّ الأخريات وغيرهن محل هذا المنبه المادي وتصبحن منبها معنويا بديلا، أما الأبناء الكبار فإنّ الأساس النفسي لإطلاع الآخرين سواء كانوا أصدقاء أو فتيات يرتبطون بهم عاطفياً هو نوع من التآلف والاحتواء السيكولوجي، وتتّضح خطورة هذه الظاهرة فيما يترتّب عليها من عواقب خطيرة تؤدي لاندلاع المشكلات بين مختلف الأطراف سواء كانوا آباء وأمهات أو الآخرين أو الأبناء.

أما نعيمة حمدي، أستاذة علم الاجتماع في الجامعات المصرية، فتفسّر هذه الظاهرة قائلة “إن ظاهرة فضفضة وبوح الأبناء الصغار للآخرين بأسرار أسرهن تمثل ترجمة اجتماعية فعلية لوجود نوع من التفكك الأسري البسيط، بالإضافة إلى ضعف علاقة الأبناء بذويهم من ناحية أخرى، معتبرة أن ذلك النوع من التجاوز الاجتماعي من جانب الأطفال الصغار قد يكون إنذارا، أو علامة خطر على وجود خلل نفسي لدى الطفل الصغير الذي يقدم على إفشاء أسرار أسرته، كما يعكس هذا الأمر أيضا مرضا اجتماعيا دفينا مرتبطا بالطبيعة البشرية ودوافعها النفسية والاجتماعية لمعرفة أسرار الآخرين، لأنه في وسع من يحكي لهم الطفل أسرار أسرته أن يطلبوا منه التوقف عن الحديث أو تنبيه الطفل، لأن ما يقوم به نوع من أنواع الأخطاء الاجتماعية غير المقبولة.

كما تشير حمدي إلى أن اجتياح المتغيرات والعادات الاجتماعية المستحدثة لمجتمعاتنا التي تمر بنوع من التغيير الاجتماعي والذي له جانبان سلبي وإيجابي، أفرزت أنماطا سلوكية اجتماعية جديدة ضعفت خلالها عوامل الردع الأخلاقي والديني والاجتماعي، وإطلاع الآخرين على هذه الأسرار يخلق لديهم حالة من عدم الاستقرار النفسي لاستثمارها من الناحية الاجتماعية ولو بطريقة غير سويّة، مما يؤدي لاختلال العلاقات الاجتماعية السائدة، ويحدث نوعا من الاختلال المماثل على مختلف المستويات سواء الفرد أو الأسرة والجماعة أو المجتمع ككل، متمثلا في ردود أفعال اجتماعية تتراوح درجاتها ومستوياتها من مجرد المشاحنات العادية، حتى الإصابة بأمراض نفسية واجتماعية، كالتفكك الأسري والانحراف وحدوث الطلاق، وكلّ ذلك يؤدي إلى نوع من التآكل في البنية الاجتماعية ويجب البحث عن حلول له.

21