بوح المبدعين.. إعادة الاعتبار إلى فن الحوار الصحافي

كتاب “بوح المبدعين” لأسامة الرحيمي، وفيه مقابلات مع 29 شخصية عربية، نشر معظمها في مجلة “العربي” الكويتية وصحيفة “الأهرام” المصرية، وحين تجاورت في الكتاب منحت القراءة عمقا ثقافيا وشهادة بجدارة الصحافة.
السبت 2020/02/29
من أرشيف حوارات أسامة الرحيمي

كلما أوشكنا أن نفقد الأمل في مستقبل الصحافة، ونضيق باستسهالٍ أساء غير المهنيين استخدامه بعد إتاحة الأميركي لاري تيسلر تقنية القصّ واللصق، ظهرت أدلة تبدد الخوف من تراجع الصحافة في مصر، وتثبت أن في المهنة مجالا رحبا يجعل الحوارات الصحافية أشبه بمشغولات يدوية تحمل بصمة الصائغ، وتختلف عن قطع متشابهة تصبّها آلات صماء في القوالب الجاهزة. وكل حوار تتحقق فيها الندّية المعرفية يمكن اعتباره وثيقة مهنية، وشهادة على أعلام ومواقف وأزمنة. ومن هذه الزاوية يظل صالحا للقراءة في زمن قادم، ومن الأدلة على ذلك كتاب “بوح المبدعين” لأسامة الرحيمي، وفيه مقابلات مع 29 شخصية عربية، نشر معظمها في مجلة “العربي” الكويتية وصحيفة “الأهرام” المصرية، وحين تجاورت في الكتاب منحت القراءة عمقا ثقافيا وشهادة بجدارة الصحافة.

“بوح المبدعين” عنوان يجذب الانتباه، ويتعمّد المؤلف توسيع الدائرة، لتشمل مع الإبداع التقليدي في الآداب والفنون مجالات أخرى في الدبلوماسية والعلوم الطبيعية والأنثروبولوجيا وتلاوة القرآن. وبعد الفراغ من الكتاب، يستقر في ذاكرة القارئ أن المحاوِر يقبل على المحاورة بعد الإحاطة بتاريخ الضيف وأهمية إنجازه في مجال تخصصه، وما كتب عنه من دراسات، وما صرح به من آراء يتغير البعض منها بحكم التجربة وتراكم الخبرات. وهكذا لا يُطرح السؤال نفسه على شخصيتين، فلكل شخص فضاء يتفرّد فيه. ويضاف إلى ذلك أن الإنسان مهما يبلغ من الشهرة والمناصب والجوائز والتكريمات يظل محتفظا بروح الطفل، وعلى سبيل المثال يمكن أن يدفعه فوز فريقه لكرة القدم إلى القفز من الفرح ولو كان شيخا يقترب من سن التسعين.
في المقدمة يرسي المؤلف قواعد مهنية يلتزم بها طوال مشوار مهني يزيد على 25 عاما، ولا يذكر هذه المبادئ من باب إسداء النصيحة، وإنما الاعتراف، فالحوار العميق والممتع الذي يُقرأ في دقائق يحتاج إلى أسابيع من إعداد جادّ. ومن الأمور التي يسميها أسامة الرحيمي “مفاهيم إيجابية” أنه يسعى إلى محاورة المبدع الحقيقي، ولا يجري حوارا هدفه الترويج أو إلقاء ضوء على متوسطي الموهبة ممن يلاحقون الإعلاميين، “واعتقادهم البائس بأن العلاقات العامة ونفاق الصحافيين جزء مكمل للنجاح، وأن لكل صحافي ثمنا”. هكذا ينطلق المؤلف من معرفة قيمة من يريد التحاور معه، مدفوعا بالمحبة، والإيمان بأن الاختلاف لا يعني الصدام. ويؤكد أن “المجلس أمانات”، فلا ينشر رأيا قاله أحد بانفعال، أو اعترف به في لحظة استرخاء من باب التطهّر؛ فقد يتأذى من التصريح أحد. ولم يتردد في أن يحذف من حوار مع كاتب مصري تولى رئاسة هيئة ثقافية كبرى قوله “لم أترك صديقا إلا وخنتُه، ولم يتركني صديق إلا وخانني”.

المؤلف يرسي قواعد مهنية يلتزم بها طوال مشوار مهني يزيد على 25 عاما، ولا يذكر هذه المبادئ من باب إسداء النصيحة وإنما الاعتراف
المؤلف يرسي قواعد مهنية يلتزم بها طوال مشوار مهني يزيد على 25 عاما، ولا يذكر هذه المبادئ من باب إسداء النصيحة وإنما الاعتراف

ويعترف الرحيمي بأن هناك حوارات يتعلم منها كيف يصوغ الأسئلة، ويحدد المصطلحات، ففي لقائه بعالم الأنثروبولوجيا المصري أحمد أبوزيد (1920 ـ 2013) سأله بعفوية عن “القبائل البدائية الأفريقية”، فاستوقفه الرجل قائلا “هذه التسمية العنصرية ابتدعها المستعمر الأبيض، وأطلقها على الشعوب الأفريقية لكي يزعم أنه أتى ليمنحهم التحضر الأوروبي، والحقيقة أن هذه القبائل قبل أن يصل إليها ذلك المستعمر المتغطرس كانت أكثر تحضرا ورُقيّا من الشعوب الأوروبية الآن”.

وكان أبوزيد قد عمل خبيرا بمنظمة العمل الدولية، وأسس مجلة “مطالعات في العلوم الاجتماعية” التي أصدرتها اليونسكو، وترأس تحرير مجلة “تراث الإنسانية” المصرية، وأسهم في تأسيس جامعة الكويت ومجلة “عالم الفكر” الكويتية.
وفي الحوار يذكر أن باحثا أميركيا زار مصر في الستينات وقال “لا كرامة مع الفقر”. وبعد أكثر من نصف قرن يعلّق قائلا “إفقار دول العالم الثالث عمدي لإذلال شعوبها والسيطرة عليهم، كما يحدث لمصر الآن (2010)، أعتبر الاحتجاجات الأخيرة مهما كانت أسبابها دليلا على شعور الإنسان المصري بكرامته”.
في الحوار مع قارئ القرآن الشيخ أبوالعينين شعيشع (1922 ـ 2011) استعادة لطبيعة النسيج الاجتماعي المصري قبل صعود المدّ السلفي. يعترف الشيخ بدور مهمّ للمسيحيين في حياته، “المسيحيون والمسلمون كانوا شيئا واحدا، وهذه كانت روح مصر في ذلك الوقت”، ففي صغره طلب الجار المسيحي فهمي حنا أن يقرأ عليه آيتين، فاكتشف جمال صوته ونصح أباه بإرساله إلى الكُتّاب ليحفظ القرآن. وقام سامي داود المذيع المسيحي بتقديمه إلى إذاعة الشرق الأدنى كأول قارئ للقرآن فيها، “ومن فرط إعجابه بصوتي يأتي ويقبلني وأنا أقرأ على الهواء، وكان ضليعا في اللغة العربية”. وكان السياسي البارز في حزب الوفد فخري عبدالنور (1881 ـ 1942) يدعوه إلى بيته، ويجلس على الأرض هو وأولاده، “يسمعون القرآن بحب واحترام”، وأحضره بالطائرة من يافا، لإحياء ذكرى سعد زغلول في مدينة جرجا بصعيد مصر.

وكان الشيخ شعيشع أول نقيب لقراء القرآن الكريم في مصر، وأول قارئ للبث التجريبي للتلفزيون المصري عام 1960، وأول قارئ مصري يقرأ في المسجد الأقصى قبل الاحتلال الصهيوني لفلسطين. ويذكر أن التلاوة المصرية “هي النموذجية، لكني سمعت قراءة اسمها ‘العتابة’ في العراق.. وأعجبتني، وهي ترتيل أكثر منه تلاوة… الأداء الفني للقارئ مهم جدا، أي التعبير بالصوت عن معاني القرآن، ونحن برعنا فيه إلى حد كبير… الآية التي تبشر غير الآية التي تتوعد بالعذاب، ومقام حجاز يناسب آية التبشير، وسيكا ورمل للوعيد”.

في الحوار أيضا يعترف الشيخ شعيشع بأنه مشجع للنادي الأهلي، وكان يحضر المباريات وسط الجماهير في الاستاد. وبعد اللقاء ظل الشيخ يدعو المؤلف إلى زيارته في بيته، “وأدهشني أن هذا القارئ العظيم الذي آنس قلوب الملايين من المستمعين، وملأ وحدتهم بتلاوته العذبة، كان يعاني الوحدة في سنه الكبيرة هذه، ولا يجد من يقاسمه وحشتها”.

 أما أستاذ علم الحشرات بجامعة القاهرة محمود حافظ (يناير 1911 ـ ديسمبر 2011) حامل لقب “سيد المجمعين”، المجمع العلمي الذي أنشأه نابليون ومجمع اللغة العربية، فكان قد بلغ المئة حين قابله المؤلف في مكتبه بمجمع اللغة العربية، “وكان يمتلك حيوية ذهنية وجسدية مدهشة”. وفي الحوار استعاد من الذاكرة مقطوعة نثرية للشاعر أحمد شوقي، وكان قد ألقاها في الصف الأول الثانوي، أمام مدرس اللغة العربية “أمين راجي عبدالشافي”، عام 1927 الذي توفي فيه سعد زغلول، فاستدعاه ناظر المدرسة ليقرأ القرآن، فبدأ بآية “وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ”، وأكمل بقية الآيات.

في الكتاب البالغ 315 صفحة كبيرة القطع والصدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، يقول الرحيمي إن أغرب حوار كان مع الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة بطرس غالي (1922 ـ 2016). كان يريد محاورته في الآداب والفنون، لانتمائه إلى جيل يتمتع بثقافة موسوعية، ولم يرفض الرجل الفكرة، ولكنه خلال الحوار لم يقدم إجابة عن سؤال في الثقافة، فإذا سئل عن الرواية أو الشعر، تحدث عن ثقافة فضّ المنازعات ومشكلات الحدود وقضية مياه نهر النيل، حتى بدت الأسئلة والإجابات مثل قضيبي خط السكك الحديدية، يتوازيان ولا يلتقيان. في الحوار قال غالي إنه يكتب بثلاث لغات، “وهذا جعلني ضعيفا في الثلاث، لأن الإنسان بحاجة لحياة كاملة ليسيطر على اللغة.. حين أنتقل من الإنجليزية إلى العربية أقرأ طه حسين أو القرآن، لأعود مرة أخرى إلى اللغة العربية”، ثم تحتاج الكتابة إلى من يراجعها.

في مسألة الإلهام يتطرق الشاعر البحريني قاسم حداد إلى ما يسميه المتعة المضاعفة بعد إنجاز النص، “متعة التبييض والمراجعة والتهذيب والتذهيب”، ويراها تضاهي أحيانا متعة الخلق الأول بتدفقه وتلقائيته. أما الكاتب والسفير والوزير التونسي أحمد خالد فيستعيد لحظة ابن خلدون وكيف واجه مقاومة “المتشدّدين السلفيين” في عصره، وفي مقدمتهم شيخ الزيتونة الإمام ابن عرفة الذي رأى أن اجتهاد ابن خلدون “بدعة حرام”، فأجبر على المغادرة إلى مصر، “ولو استنار أهل عصره في تونس ومصر والأقطار العربية بفكره العقلاني الإبداعي حينما أفلت الحضارة العربية الإسلامية لاستعاد العرب مجدهم، وسلمت فئات كثيرة من التطرف والانغلاق والتوحش”.

ويجمع عبدالرحمن الأبنودي بين مشرق العالم العربي ومغربه، من العراق إلى تونس، في تجربته لجمع السيرة الهلالية، وكان محظوظا بلقاء جابر أبوحسين “آخر الشعراء العظام.. الهرم الكبير، وكان يحفظ خمسة ملايين بيت شعر”. ويتحدث الأبنودي عن المزاج العام في تلقّي السير الشعبية، والتماهي معها كأنه تحدث الآن، مستشهدا بجابر أبوحسين وهو يروي كيف رحل حاكم العراق عامر الخفاجي مع بني هلال، وقتله الزناتي خليفة، فإذا بالجمهور يصيح “ارفع يا رب.. زِيح يا رب”، إذ توحّد بأحداث السيرة وبالمنشد، “إذا مال مالوا، وإذا ضحك ضحكوا، وإذا بكى بكوا، وهذه صورة الشاعر عندي”.

18