بورتريه نرجس

الاثنين 2015/10/12

لمَ لا يرسم الرسامون العرب صورهم الشخصية كما فعل رامبرانت وفنسنت وديفيد هوكني؟ لمَ لا يرسمون زوجاتهم كما فعل بيكاسو، أصدقاءهم مثلما فعل كوربيه، عشيقاتهم وهو ما فعله غوغان، وأخيرا لمَ لا يرسمون الناس في الشوارع والحافلات والمطاعم والمقاهي ودور العبادة والحدائق والأسواق وشواطئ البحر وخيام التشرد واللجوء وقاعات الرياضة؟ شيء غريب فعلا!

فإذا لم يكن الرسام مهتما بكل هذا فما الذي يرسمه إذن؟ وإذا ما كنا نعرف أن الفنان نرجسي بطبعه، فلمَ لا يحدق في صورته الطافية على الماء مثلما كان يفعل “نرجس”؟ أشياء كثيرة لم يعد لها وجود في الرسم المتاح بالعالم العربي.

الحياة الصامتة والمناظر الطبيعية على سبيل المثال، ما من أحد يرسم أحدا. ما من أحد يرسم فاكهة في صحن.. حتى مشاهد الطبيعة حُرمنا من أن نراها على سطوح اللوحات.

لقد غلبنا سوء الفهم، فصرنا نحيل كل ذلك إلى الفن التجاري. ثم صرنا نمارسه على أنه نوع من الانحياز إلى الحداثة. وهي حداثة شكلانية حجرت على نفسها في إطار مفاهيم فنية، كانت تجسيدا لما هو مكرس من قيم جمالية في السوق الفنية.

الحداثة هي الأخرى تجارة، ما لا تقبل به السوق الفنية يكون منبوذا ويركن جانبا، لذلك انقرضت موضوعات كثيرة، كان الرسام وهو يستعيدها يمارس خيلاءه الجمالي. وهي خيلاء كان الرسام من خلالها يعيد إنتاج العالم على طريقته.

كانت اللوحات وصفات، تعين المتلقين على التعرف على العالم الذي يحيط بهم بطريقة مختلفة، طريقة يخترعها الرسام ليكون من خلالها أشبه بالدليل السياحي الذي يجوب بأتباعه دروب متاهة، كان قد اخترعها لتوّه، لقد فارق الرسام في العالم العربي تجربة العيش المباشر وصار يرسم كمَن يهذي.

إنه يعيد ما قاله في أوقات سابقة، يكرّر متمتعا بما تفعله يداه من غير أن يفكر في أن تكون لوحته فرصة للتعلم. الرسام الحقيقي يتعلم من الرسم ولا يعلمه.

كاتب من العراق

16