بورقيبة.. مرجع التونسيين وملاذهم في زمن الفراغ السياسي

الجمعة 2016/04/08
رمز الدولة المدنية

تونس - قبل 16 عاما، دفن التونسيون الزعيم التاريخي الحبيب بورقيبة (3 أغسطس 1903 – 6 أبريل 2000)، غير أنهم لم يدفنوا البورقيبية، التي عادت بقوة خلال السنوات الخمس الماضية، مؤكّدة أن فكر الزعيم وسياسته متجذّران في الثقافة المجتمعية ولا حلّ لدى الأحزاب سوى الاستئناس بها والتحدّث بمفرداتها عند التوجه للتونسيين.

كشفت الأحداث التي مرّت بها تونس منذ 14 يناير 2011، أن الحبيب بورقيبة لم يكن فقط أول رئيس للجمهورية التونسية، بل وأيضا مؤسسا لثقافة سياسية يتبناها، اليوم، خصومه قبل أنصاره حتى أن غالبية الأحزاب باتت تتنازع المرجعية البورقيبية في مسعى إلى إضفاء شرعية وطنية على نشاطها.

ومن مفارقات السياسيين التونسيين الذين كثيرا ما قدموا أنفسهم على أنهم يبشرون بـ”تونس جديدة”، رغم تدني نسبة الثقة فيهم، أنهم باتوا يستنجدون بصورة باني دولة الاستقلال لكسب تأييد شعب مستميت في التمسك بالمكاسب السياسية والتنموية التي تحققت منذ حصول تونس على استقلالها سنة 1956.

وفي ظل غياب شخصية سياسية ذات كاريزما قوية وخارطة حزبية وسياسية متشظية فشلت في إقناع التونسيين، تبدو الأحزاب كأنها تلوذ بفكر الزعيم للتموقع السياسي.

ويرجع المؤرخون عودة البورقيبية إلى الثقافة السياسية التونسية إلى غياب الشرعية الوطنية لدى الأحزاب التي تناسلت في أعقاب انتفاضة يناير 2011 التي أطاحت بنظام الرئيس السابق زين العابدين بن علي.

ويرجعها الأخصائيون في العلوم السياسية إلى فشل تلك الأحزاب في إقناع التونسيين ببرامج تنموية وسياسية تستجيب لتطلعات التونسيين وتضع حدا لأزمة هيكلية استعصت عليهم.

أي حزب من الأحزاب بمن فيها الإسلامية واليسارية لن ينجح في كسب التأييد ما لم يستلهم رؤيته من تونس البورقيبية

وفي كلا الحالتين تؤشر العودة على أن أي حزب من الأحزاب، بمن فيها الإسلامية واليسارية التي نشأت أصلا لمعارضة نظام بورقيبة الذي حكم تونس من العام 1956 إلى العام 1987، لن ينجح في كسب التأييد الشعبي ما لم يستلهم رؤيته من تونس البورقيبية.

وفي أعقاب انتفاضة يناير ومع وصول الإسلاميين إلى الحكم عام 2011، بدت تونس وكأنها تتحسس طريقا مجهولا غريبا عن إرثها الوطني الليبرالي وسط مخاوف من مشروع الإسلام السياسي الذي حاول بسط هيمنته على إدارة الشأن العام.

ولم يجد علمانيو تونس آنداك من مدخل سليم لمواجهة الإسلاميين سوى إحياء فكر الزعيم، حيث قاد الباجي قائد السبسي وزير الخارجية القوي في نظام بورقيبة حزب نداء تونس معية نخبة من السياسيين العلمانيين.

وكان لمجاهرة الباجي قائد السبسي بوفائه للمرجعية البورقيبية دور حاسم في حشد جهود العديد من القوى المناهضة للإسلاميين وفي مقدمتها القوى السياسية والمدنية النسوية التي حسمت فوزه في انتخابات خريف 2014 على مرشح الإسلاميين منصف المرزوقي بعد أن صوتت له نحو مليون امرأة.

واستفاق اليساريون والإسلاميون من سكرة معاداة بورقيبة في أعقاب الانتخابات ليكتشفوا مدى حضور المشروع الوطني الذي قاده طيلة الستينات والسبعينات والثمانينات من القرن الماضي من أجل توحيد مجتمع متناثر في إطار “أمة تونسية” تقودها دولة مدنية تنتصر لمبدأ المواطنة.

ويبدو أن استفاقتهم قادتهم إلى أنهم فاشلون مسبقا، طالما واصلوا في وضع تونس البورقيبية بين قوسين وما لم يراجعوا مواقفهم، إذ يتردد حمة الهمامي، الناطق باسم الجبهة الشعبية في الاستنجاد بالبورقيبية لتوجيه انتقادات إلى الرئيس الباجي قائد السبسي مشددا على أنه “لا يملك جرأة بورقيبة” وأن حكومة الحبيب الصيد التي تشكلت في أعقاب الانتخابات “تفتقد لمشروع وطني طموح مثل مشروع بورقيبة“.

ولم تنج حركة النهضة من سطوة الثقافة السياسية البورقيبية حتى أن عددا من قياداتها وفي مقدمتها لطفي زيتون الذي يلقب بـ”العقل السياسي” للحركة أقر في أكثر من مقال نشرته الصحف المحلية بما تحقق للتونسيين من مكاسب تنموية وسياسية في ظل دولة الاستقلال. ومحسن مرزوق، الذي انشق عن نداء تونس وأسس حزب مشروع تونس، أعلن في أكثر من مناسبة أن حزبه يستلهم مرجعيته الفكرية وتوجهاته السياسية من قادة الحركة الوطنية وفي مقدمتهم الزعيم بورقيبة.

وخلال الأسابيع الماضية، ارتفع منسوب استنجاد التونسيين بمفردات القاموس السياسي البورقيبي وفي مقدمتها مفهوم الوحدة الوطنية، في مسعى إلى بناء جبهة لمجابهة المخاطر التي تهدد تونس وأولها هجمات الجهاديين.

ويشدد الأخصائيون في العلوم السياسية على أن العناوين التي باتت تروج لها الأحزاب السياسية العلمانية منها والإسلامية، مثل هيبة الدولة المدنية والمواطنة والوحدة الوطنية والمشروع الوطني، هي مفاهيم مستمدة من القاموس السياسي البورقيبي.

ويضيف الأخصائيون أن الحضور القوي للثقافة السياسية البورقيبية في المشهد العام يؤشر على أن هناك استفاقة للوعي لدى الأحزاب بأن الوحدة الوطنية لن تتحقق إلا في ظل انتهاج سياسات متصالحة مع إرث دولة الاستقلال.

7