بوزيد سعال ورجال فرنسا في الجزائر

الأربعاء 2015/04/22

ما كان بوزيد سعال، أول شهيد في مجازر سطيف وقالمة وخراطة عام 1945، يتصور لحظة إقدامه على رفع العلم الجزائري أنه سيكرم هو ومن استشهدوا معه بعد 70 سنة من رحيلهم بوضع إكليل من الزهور على نصب تذكاري يخلدهم، باعتبارهم ضحايا المجزرة التي ارتكبتها قوات الاستعمار الفرنسي ضد متظاهرين جزائريين يطالبون بالاستقلال، من طرف جان مارك تودشيني، كاتب الدولة الفرنسي لقدماء المحاربين والذاكرة، في أول زيارة لمسؤول فرنسي إلى المكان، رغم أن باريس ترفض حتى اليوم الاستجابة لمطالب الاعتراف بجرائم الاحتلال في الجزائر.

كان التمييز قائما بين قوى الاستعمار والشعوب الضعيفة المستعمرة في تلك الأيام من عام 1945، ومع ذلك سيطرت فكرة الانتصار على تلك الشعوب، بعد أن وضعت الحرب العالمية أوزارها، في انتظار تعهدات من القوى المنتصرة للشعوب المستضعفة بحقها في الاستقلال وتقرير المصير، والإيذان بتشكل تاريخ جديد تدخله البشرية محملة بالخطايا والآثام جراء تلك الحرب التي قضت على ملايين البشر، وقد تجلت سياسة التمييز في رد فرنسا على المظاهرات السلمية التي اجتاحت مدنا جزائرية كثيرة مطالبة بالحرية بدءا من الأول من مايو وبلغت الذروة في الثامن منه، ثم تواصلت بعد ذلك متصلة لسنوات حتى بزوغ فجر ثورة أول نوفمبر 1954، والتي لم تتوقف حتى حصلت الجزائر على استقلالها عام 1962.

يمكن القول أن تاريخ الجزائر لمدة 17 سنة تقريبا أي منذ 1945 وإلى غاية 1962، يمثل الذاكرة القريبة المشتركة مع الفرنسيين، وهي ذاكرة دماء وذاكرة إبادة جماعية للشعب الجزائري، تضاف إليها ذاكرة الاستعمار الاستيطاني الفرنسي الأوروبي البالغ 115 سنة، فأي الذاكرتين أولى بالحديث عنها وكلاهما تمثل عذابات فرنسا للجزائريين؟

لذلك أثار اندهاشي قول جان مارك تودشيني في حواره لوكالة الأنباء الجزائرية “زيارتي تندرج ضمن مسعى الصداقة والاحترام، والسهر على مواصلة التطرق إلى ذاكرتنا المشتركة بهدوء ووضوح حتى نتوجه معا نحو المستقبل”، ذلك لأن بداية تصحيح العلاقة التاريخية بين الجزائر وفرنسا تبدأ من اعتراف هذه الأخيرة ليس بجرائمها فقط، وإنما بالانسحاب الكلي اليوم وليس غدا من الفضاء الجزائري الأفريقي، خاصة في مالي وليبيا.

لقد سبق للدولة الفرنسية إن اعترفت بشكل غير مباشر عن بعض من جرائمها، وذلك في خطاب ألقاه الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند في 20 ديسمبر 2012 أمام البرلمان الجزائري، فقد قال إن “مجازر سطيف وقالمة وخراطة ستظل راسخة في ذاكرة الجزائريين وكذا الفرنسيين”، كما اعترف في نفس الخطاب “بالمعاناة التي تسبب فيها الاستعمار الفرنسي للشعب الجزائري”، وأشار إلى أن الجزائر خضعت خلال فترة الاستعمار الفرنسي إلى نظام ظالم ووحشي.. وهذا النظام يحمل اسما هو الاستعمار”، لكن كل الاعترافات السابقة لم تقدم اعتذارا إلى الشعب الجزائري.

لقد تابعت المطالبة الجزائرية لفرنسا بالاعتذار عن جرائمها لسنوات، وجالست كثيرا من القيادات السياسية المكلفة أو المهتمة بالملف، وإلى غاية الآن لم أعرف الهدف الحقيقي من الاعتذار، ذلك لأن الجزائر حصلت على استقلالها بالقوة منذ أكثر من خمسة عقود، وهو أمر أكبر من الاعتذار، لذلك فالمطالبة به تنقص من قيمة الثورة وتجعل الجزائر رهينة الإرادة السياسية الفرنسية، وأرجّح أن يكون الهدف منه تمكين المجموعات الجزائرية الموالية لفرنسا، التي تقود الآن الجزائر، ومنها من يحمل جنسيتها.

من غير المعقول أن تظل الجزائر أسيرة الماضي الفرنسي وعذاباته، ولكن ليس مقبولا أن تتحول بعد عقود من الاستقلال إلى دولة تختصر وجودها في اعتراف فرنسا بجرائمها، ولا أن تنسى تاريخ فرنسا الدموي فيها، ولا يشغلها ذلك الماضي عن أفعال فرنسا الراهنة المتناقضة مع المصالح الجزائرية في فرنسا.

مهما يكن فإنه ليس من مصلحة الدولة الجزائرية ولا الشعب الجزائري اعتذار فرنسا عن جرائمها، وهذا على عكس قيادات جزائرية موجودة في الحكم تراهن على مد جسور فوق التاريخ، وهي مجموعة فاعلة ومؤثرة نسيت أن بوزيد سعال الذي استشهد في السابع من مايو 1945 سلك طريق التحدي في زمن اليأس، والقوة في زمن الضعف، والصمود في زمن الهزيمة، وذلك حين كان الجزائريون يتخطًّفون من الفرنسيين بالآلاف. أنّى لهم اليوم الحديث عن ذكريات مشتركة دون أن يرون الجزائر صاحبة حق وفضل وعزة؟ّ

لا أدري من أيّ مدارس تخرج الذين يتحدثون اليوم عند دور مشروع لفرنسا في الجزائر ولا كيف عاشوا؟ ولا لأي طبقة ينتمون؟ لكن الذي أعرفه، هو أن الشهيد بوزيد سعال تعلم القراءة في المدرسة القرآنية في مسقط رأسه، وبعد وفاة الأب انتقلت عائلته إلى مدينة سطيف، وهناك اضطرت أمه للعمل في بيوت المستعمرين لإعالة أولادها، وعمل هو برحي القهوة عند أحد المستعمرين رغبة في مساعدة أمه، ثم انخرط في صفوف الكشافة الإسلامية الجزائرية.

في يوم السابع من مايو 1945 قام بوزيد بتعليق العلم الوطني، وفي اليوم التالي نهض باكرا، صلى الفجر، وغير لباسه وارتدى بدلة نظيفة وذهب إلى الحلاق، وبعدها اتجه للمشاركة في المسيرة التي كانت احتفالا بانتصار الحلفاء على النازية والفاشية، والمطالبة بإطلاق سراح المساجين من الوطنيين، وفي المسيرة ظهرت لافتات تحمل شعار”الجزائر حرة”، ”إطلاق سراح مصالي الحاج”، ورفع العلم الوطني لأول مرة، هنا تدخلت الشرطة الفرنسية وتقدم أحد المفتشين وأمر بوزيد برمي العلم لكنه رفض، مما جعل المفتش يخرج مسدسه ويطلق عليه الرصاص، وبمجرد إطلاق النار بدأت النساء تزغردن، وأسرع الجمهور لنقل بوزيد إلى المستشفى، وهناك لفظ أنفاسه الأخيرة.

تحية لـ”بوزيد سعال” وصحبه، فهم رجال الجزائر، ورثهم رجال فرنسا في الجزائر، ورثة غير شرعيين، لكنهم يعتلون أعلى المناصب ويمدون الجسور باتجاه فرنسا، ولا يحزنهم ضياع الأجيال، ولا الذين يغرقون في البحر في رحلة هروب من أرض الاستقلال في قوارب الموت، ما داموا قادرين على الترحيب بقيادات فرنسية في الجزائر، وتشرع لهم الأبواب في فرنسا حين يحلون فيها أبناء بررة أوفياء.

كاتب وصحفي جزائري

9