بوسطة عين الرمانة: الأشياء العميقة لا تريد نسخا عنها

الفنان حسين صولي قدّم النسخة البديلة عن البوسطة إلى قلب ساحة مرآب في بيروت.
الجمعة 2019/12/06
بوسطة عين الرمانة رمز لسبات الذاكرة العميق

هل يُعقل أن لا يكون للأشياء المأساوية بفعل ما عاشته عالم خاص بها، تخزن خلاله بصمت مُهيب ذكرياتها الحميمة في برودة مادتها؟ لا. لا بد أنها تملك عالما غير ذلك الذي نعرفه نحن البشر والمُلتبس أمامنا دوما في أوضح ظهوراته.

إن زار الحصيف الأشياء العميقة، أو حتى نسخها، سيتمكن من التقاط ذبذبات مُتهالكة/ هامسة وكأنها لهامات شبحيّة استوطنت أرجاء الأشياء العميقة التي تئنّ تحت ثقل الصدء، ونمو الحياة العضوية كالأعشاب البرية من حولها وإليها كفعل مواساة وتحد في آن واحد.

غير أن تلك الذبذات لن تفشي للزائر شيئا من ذكرياتها. فهي ملكها وحدها. ستكتفي باختراقه في إعياء وحزن عميق لن يطال مهما عمق، قرارة أهوالها.

"بوسطة الثورة" أكدت بدخولها سريعا إلى واجهة الحاضر، أن الأشياء العميقة تحتاج لوقفات تأمل بعيدا عن المُباشرة

هذه هي المشاعر والأفكار التي أحاول الآن أن أوضحها والتي اختبرتها عندما دخلت منذ أكثر من 14 سنة إلى قلب نسخة مُطابقة و”مُلطّفة” لبوسطة عين الرمانة التي أحضرها فنان التجهيز حسين صولي، الذي قدّم العديد من المعارض الفنية التجهيزية قبل أن يغادر نهائيا لبنان، مثله كمثل الآلاف من جيل الحرب، مُدركة أنها ليست إلاّ نسخة عن رمز اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية، خفّف من حدة مشهدها.

غير أنني لحظة دخولي إليها واطلاعي على المواد التوثيقية “المتضاربة”، التي اعتادها اللبنانيون في محاولاتهم لطمس الحقائق حول الحرب، دخلت في حالة كآبة غريبة.

صور فوتوغرافية للشهداء الذين قضوا فيها وصور عن البوسطة وكتابات وخرائط لمسيرتها المشؤومة وتواريخ وأشياء مرمية، كان من شأنها أن توقف الزمن وتبدّل الجغرافيا لتأخذني إلى عالم موبوء بأفكار انصبت جميعها إلى عبثية تلك الحرب وإلى هول الحقد الذي سكن قلوب اللبنانيين.

ولم تستثن أفكاري تلك كراهية فئة من اللبنانيين آنذاك، وإلى اليوم مجرد الإشارة إلى هوية لبنان “العربية”. كلمة كان التنازع على مصداقيتها سببا مباشرا لاندلاع الحرب ولارتكاب المجازر الفظيعة.

تحت عنوان “كي لا ننسى”، قدّم الفنان حسين صولي النسخة البديلة عن البوسطة إلى قلب ساحة مرآب في بيروت. يومها كانت أبواق سيارات المارة بالقرب منها من الفظاظة ما يكفي لتكون أشبه بشتائم فاجرة تعبر مجاورة لها. مجاورة ومُشيرة أيضا لتلك الأصلية القابعة بصمتها والراكنة في مرقدها بمكان ما مكسوّة بالأعشاب البرية ومصابة باهتراء مُضاعف، لأن اللبنانيين تنكّروا لها وعفوا عن ما مضى وكأن الذي مضى يُمكن تجاهله وخنقه بوثيقة دولية وضعت في إحدى الجوارير فبقي التربص قائما بسلم لبنان وبعروبته، وبهنائه الهش.

أحضر صولي البوسطة التي قال إنه بحث طويلا على شبيهتها حتى عثر عليها ليضعها على بساط أحمر. تململ الفنان آنذاك من ندرة تغطية الإعلام لهذا الحدث. وكيف لا؟ فرمزية الحدث الفني الذي وضعه لم يدق آنذاك باب صُناع الحرب بقبضة مدوّية، وكان الشعب يومها، أي منذ خمسة عشر سنة، غارقا هو الآخر في سبات الذاكرة العميق.

بوسطة أخرى، خلافا لبوسطة حسين صولي، لاقت تغطية إعلامية هائلة رغم أنها حملت جانبا منقوصا ومهما من الحقيقة. أقصد هنا البوسطة التي جرى على تسميتها بـ”بوسطة الثورة” التي قامت بجولة من شمال لبنان إلى جنوبه. بوسطة قالت عنها منى فياض “إنها وجه لبنان المستقبل.. جمعت جميع شرائح الشعب.. وهي نقيض لبوسطة عين الرمانة لأنها شكلت نموذجا للانفتاح والخروج من الطائفية”.

لست من المعجبين بفكرة تشبيه البوسطة هذه ببوسطة عين الرمانة، لأن استبعادهم الهوية العربية للبنان لا يزال جرحا مفتوحا يترتب عنه في الحاضر “الثوري” المباشر انقسامات حادة قادرة بأن تقسم ظهر الثورة.

“بوسطة الثورة” أكدت لي من جديد بدخولها سريعا إلى واجهة الحاضر، أن الأشياء العميقة تحتاج لوقفات تأمل بعيدا عن المُباشرة. الأشياء العميقة ترفض النسخة المخفّفة عنها وتريد إن ذكرت أن تُطال جميع حقائقها التي تتخطى ما حملته بوسطة الثورة بأشواط. تريد أن نكون صادقين وعميقين بحقها وأن نبدأ بالتأمّل في ما قاله يوما أحد الصحافيين “العميقين”، “لا بوسطة عين الرمانة هي البداية، ولا اتفاق الطائف هو النهاية”.

نعم، الأشياء العميقة تريد أن تترك بسلام حتى يحصل التوافق الحقيقي الذي يتربّص به ويخطّط له، بناء على جشع المجتمع الدولي من جهة، وأعداء الداخل من جهة أخرى.

الأشياء العميقة التي منها البوسطة الأصلية لو نطقت لرفضت تشبيهها ببوسطة الثورة “طرية العود” التي خوّنها البعض، وتمنى غيرهم أن تكون فعلا برعاية جهة غربية، وأعاق البعض الآخر وصول مسيرتها إلى صور في جنوب لبنان الواقعة تحت سيطرة حزب الله لأسباب شنيعة تتعلق بارتهان لبنان إلى إيران المعادية للعروبة كمبدأ وانتماء. كل هؤلاء استندوا في مواقفهم على عدم قدرة الأشياء العميقة على أن تشهد وتنطق جاهرة بأحوالها وتاريخها وتحتاج لوسيط عجائبي لكي يُنطقها.

يبقى المعنى لبوسطة الثورة مجتزئا محيلا إياها إلى ركاكة الرمز. ويبقى الفرح العميق أسوة بالأشياء العميقة مؤجلا لحين التحقّق، عندها فقط يستحق اللبنانيون شعارات كـ”تنذكر وما تنعاد” و”امسحها من قلبك كي لا تتكرّر”.

17