بوصلة الأزهر تهتز في مواجهة المد الشيعي

لا تزال إيران تحاول اختراق مؤسسة الأزهر من خلال إحداث جيوب ناشطة وتجنيد أسماء مؤثرة تتولى الترويج للمذهب الشيعي، وتأتي هذه المحاولات في أغلبها عبر الدعوة للتقريب بين المذاهب، وهو مدخل يبدو بريئا في ظاهره، لكنه يخفي غايات سياسية.
الاثنين 2016/10/03
مضى العصر الذهبي للتدخل الإيراني في مصر

القاهرة – برز دور الأزهر مهمّا في هذه المرحلة المصيرية، كمنبر لقيادة مقاومة الأمة لهجمات التطرف والغلوّ والتكفير، وموجات الغزو والاختراق الشيعي.

من البديهي أن تعتمد غالبية الأمة الإسلامية على الأزهر، وتضعه في مقدمة قواها الناعمة لصدّ هجمات الاختراق المذهبي في التاريخ، والموظفة لأغراض سياسية وتوسعية وجيو- استراتيجية.

لكن حدث اهتزاز لبوصلة الأزهر في الفترة الأخيرة أثّر على أدائه وفاعليته في توقيت حساس من الحرب المذهبية والأيديولوجية الدائرة، بسبب تصريحات وفتاوى -خارج السياق- للبعض من علمائه.

أفتى أحمد كريمة الأكاديمي بجامعة الأزهر مؤخرا، بأن قتلى الحوثيين في اليمن شهداء، بينما قتلى السعوديين والإماراتيين ليسوا كذلك، بل وصل إلى حدّ وصفهم بـ"البغاة".

وسبق أن ظهر كريمة على فضائية "المنار" التابعة لحزب الله اللبناني، فانحاز لرواية الشيعة التاريخية حول ما يسمونه باغتصاب الخلافة من علي بن أبي طالب، متوّجا هذا النشاط بعقد مؤتمر لما يطلق عليه "التقريب بين المذاهب" بمشاركة ناشطين شيعة.

من البديهي أن تعتمد غالبية الدول العربية والإسلامية على الأزهر، وتضعه في مقدمة قواها الناعمة لصد أشرس هجمات الاختراق المذهبي في التاريخ

وقال أزهريون لـ"العرب" إنه لا يوجد تيار شيعي بالأزهر، لكن توجد قلة متشددة داخل المكوّن الصوفي تدعم فكرة التقريب، ويرون في الوحدة الصوفية- الشيعية أداة لتحجيم التيار السلفي، وهذا ما أكده نبيل عبدالجواد، مبعوث الأزهر السابق إلى إندونيسيا.

وأشار لـ"العرب" إلى أنهم أشخاص معدودون لا يمثلون إلا أنفسهم، فضلا عن قلة من المنتفعين ممن سافروا إلى طهران، وحصلوا على البعض من المزايا المادية، مقابل تحقيق الغرض الإيراني بإظهار الأزهر لعامة المسلمين منسجما مع الطرح الشيعي، ما يسهل مهمة المبشرين الشيعة.

تصنّف التيارات داخل الأزهر إلى سني سلفي -وهو التيار الغالب- وصوفي أشعري، وهو التيار الذي سعى رموزه لجعله مكونا رئيسيا من مكونات الأزهر التي تشمل "أشعرية العقيدة، ومذهبية الفقه، وأخلاق التصوف".

وقال حسين القاضي الباحث في الشؤون الإسلامية لـ"العرب" إن التيار السلفي هو الغالب داخل الأزهر، في مقابل نسبة لا تتجاوز الـ10 بالمئة موزعة على توجهات صوفية وأشعرية، ونسب ضئيلة موزعة بين متأثرين وعاملين ضمن تنظيمات الإسلام السياسي، وهؤلاء تم تحجيمهم وتقييد نشاطهم، بالإضافة إلى قلة من المتأثرين بخطابات الجماعات الجهادية والتكفيرية.

وهناك توجه علماني داخل الأزهر، يقوده سعد الدين الهلالي أستاذ الفقه المقارن وأفراد معه يعدون على أصابع اليد الواحدة، وليس لهم تأثير داخل المؤسسة سوى الظهور في البعض من وسائل الإعلام.

وحتى العام 1920، كان من ضمن شروط تولي مشيخة الأزهر، أن يكون المرشح عالما من علماء الحديث، واشتهر التيار السلفي منذ نشأة حركته، وكياناته المستقلة عن المؤسسة الدينية الرسمية في بداية عشرينات القرن الماضي، بتخصص رموزه في هذا العلم الذي يعدّ بمثابة حائط الصدّ العلمي في مواجهة الانحرافات الفكرية والعقدية.

من هنا تبدو غالبية علماء الأزهر لديهم قدرات وإمكانيات علمية يجابهون بها محاولات نشر المذهب الشيعي، والأزهر صاحب سبق في هذا الميدان منذ وقوف علمائه، أمثال الشيخ عبداللطيف السبكي ومحمد عرفة وحسنين مخلوف وغيرهم، لمشاريع التقريب وكشف أغراضها الحقيقية.

إيران تخطط للتأثير على مصر، عبر التقرب من تنظيمات سنية للاستفادة من جماهيريتها، ونشر المذهب الشيعي

وأشار البعض من المنتسبين للأزهر إلى أن الإجراءات التي اتخذتها جامعة الأزهر، بشأن كريمة عندما منعته من الظهور الإعلامي وعدم الإدلاء بما يخالف منهج ورؤى الأزهر، وهددت بإحالته على مجلس التأديب، غير كافية لضبط بوصلة الأزهر للقيام بمسؤولياته التاريخية في الدفاع عن ثوابت الأمة وأوطانها.

وصار من الضروري إحداث توازن بين مكوّنات الأزهر الفكرية، وهذا يقتضي منح المكوّن السلفي دورا إلى جانب المكوّن الصوفي الأشعري، ما من شأنه أن يحقق التكامل المنشود بين جهود تيار يهتم بالروحانيات وتهذيب الأخلاق وترقية العقول، وتيار علمي حديث يمتلك قدرات دحض الشبهات، وفضح البدع والانحرافات الفكرية والعقدية.

أصبح مطلوب الآن ودون تأخير، النظر في قرار دراسة الطلاب الشيعة بالأزهر، وإعادة تقييم مشروع التقريب بين المذاهب، على ضوء المستجدات، حيث ظهر هذا المشروع قبل التوحش الإيراني على العرب بعقود، ولو كان رواده ومن دعوا إليه حاضرين اليوم، لتغيّرت مواقفهم. وأكد محمد جاد الزغبي، الباحث في شؤون المذاهب لـ"العرب" أن إيران تخطط للتأثير على مصر، من خلال نشر التشيع بأساليب عديدة، منها التقرب من تنظيمات سنية للاستفادة من جماهيريتها، مثل الإخوان، أو باختراق الطرق الصوفية ونشر المذهب الشيعي من خلال أنشطتها بصورة سرية.

والأخطر، على الإطلاق، محاولات الشيعة الدائمة لاختراق الأزهر، وممارسة التزييف والخداع لإظهار المؤسسة الدينية السنية الأكبر في العالم وكأنها مقرة بأفكارهم ومعترفة بمذهبهم.

يعاني الشيعة في مصر حاليا أزمة ركود وعزلة، بعد أن نعموا بالبعض من الحريات عقب ثورة 25 يناير 2011، وطالبوا بتأسيس حزب، وبتمثيلهم في لجان الدستور، وكانوا قد ظلوا حبيسي الأضرحة والموالد الشعبية والنشاط الخفي داخل الوحدات السكنية، واليوم بعد ضبط السيولة الأيديولوجية بوجه عام صارت هناك قيود على حركتهم بالمحافظات المختلفة.

وتظل الممانعة الشعبية هي الأهم، بعد أن فضحت أحداث السنوات الماضية خداع الشعارات الكاذبة، ووضحت حقيقة المشاريع التي يحارب حزب الله من أجلها، وترجمت مشاهد تخريب الدول العربية، وتفكيك جيوشها وقتل وتهجير شعوبها، إلى مشاعر سخط، ورفض للتيارات التي أسهمت ممارساتها في الدفع إلى هذا المصير.

وحتى يخرج الشيعة من هذا الركود، استدعوا مبررات لإدخال إيران في المنطقة، بزعم كونهم يواجهون تكفيرا سلفيا ومدّا "وهابيا" بمصر، معتمدين على توظيف البعض من المنتسبين للأزهر تحت دعاوى التقريب.

13