بوصلة الناخب البحريني تتجه صوب الوطنية وترفض المقاطعة الطائفية

السبت 2014/11/22
السلطات البحرينية تؤكد التزامها بإنجاح الموعد الانتخابي

المنامة- تنطلق اليوم عملية الاقتراع في الانتخابات النيابية والبلدية، بالبحرين. ويتنافس 419 مرشحا على مقاعد البرلمان والمجالس البلدية، وسط إصرار شعبي وتأكيد حكومي على ضرورة إنجاح هذا الاستحقاق الانتخابي الوطني للقطع مع محاولات بث الاضطراب في البلاد والمضي قدما في طريق الحوار الوطني، الذي يهدف إلى احتواء الخلافات مع المعارضة وإنهاء الأزمة السياسية.

تنظم البحرين اليوم السبت انتخاباتها النيابية والبلدية الأولى منذ انطلاق الاضطرابات سنة 2011، وسط إصرار حكومي وشعبي على أن تمثّل هذه الانتخابات فارقة في المسار الإصلاحي في المملكة الخليجية؛ وتكون ردّا قويّا على محاولات إفشال هذا المسار.

يأتي هذا الاستحقاق الوطني، وهو الأول منذ أحداث فبراير 2011، والرابع منذ انطلاق المشروع الإصلاحي في البلاد، ليكون تأكيدا صريحا من البحرينيين على أن انتخابات 22 نوفمبر تجسّد موقفا شعبيا أكثر حيوية يصر على التغيير الحقيقي ويثبت أن بوصلة الناخب البحريني تتجه صوب الوطنية وترفض المقاطعة الطائفية، التي تموّلها أجندة إيرانية. إذ لم يعد خافيا على أحد الدور الذي تلعبه إيران في المنطقة، والذي انكشف بعد تطوّر الوضع في سوريا والعراق، وأيضا بعد سياسة الرفض القاطع لكلّ مبادرة تتقدّم بها حكومة البحرين للتحاور مع المعارضة.


لماذا البحرين؟


تعتبر البحرين تحديدا حالة دقيقة وخاصة بالنسبة إلى إيران، التي حاولت استغلال أحداث “الربيع العربي” التي اندلعت في 2011 وتطبيقها على الوضع في البحرين، من خلال تجييش المعارضة، الموالية لها، ونشر الميليشيات في جارتها التي تقع على بعد 124 كيلومترا فقط عبر الخليج من إيران.

ويندرج التآمر الإيراني على البحرين ضمن استراتيجية شاملة هدفها السعي إلى الهيمنة على منطقة الخليج، عبر الأجهزة الاستخبارية والحرس الثوري الإيراني والمراكز الثقافية والجمعيات المختلفة التي ترعاها طهران في البحرين ولبنان وغزة بواسطة وكلائها كحزب الله وحماس.

وأكّدت العديد من الدراسات الدولية وتقارير خبراء استراتيجيون، من خارج البحرين، صحّة ما يقال عن الدور الإيراني في محاولة ضرب استقرار البحرين، وأن الأحداث، منذ 14 فبراير 2011، تشير إلى تحرك مدروس وثابت التوجه، من قبل المعارضة التي كان أغلبها يمارس نشاطه من خارج البحرين، ثم استفاد من العملية الإصلاحية، وعاد لينشط في الداخل ضدّ البحرين.

من هذه الشهادات، ما جاء في دراسة للباحث المصري أحمد فهمي، (صدرت في 2012)، تقول إن “الكثيرين من عامة الناس في عالمنا الإسلامي يعتقدون أن الحراك الجاري في البحرين ثورة شعبية يراد بها تحقيق مظالم المدنيين، ويتباكى الكثيرون على ما يجري مدافعين عن حقوق الإنسان وحقوق المواطنين وحريتهم في تحقيق مطالبهم.

المجتمع الأهلي البحريني جوهر المشروع الإصلاحي
المنامة – أكد عدد من الخبراء والمحللين السياسيين أن الانتخابات النيابية والبلدية التي تجري اليوم في البحرين تعكس مدى تطور المشروع الإصلاحي في المملكة، معتبرين أن هذا المشروع كان وما زال يمثل علامة فارقة في مسيرة الازدهار التي شملت القطاعات كافة، التنموية منها والسياسية، وبرهانا ساطعا على ما يمكن أن تقدمه المملكة لأبنائها في مسيرتهم نحو مزيد من التقدم والتطور والنماء.

وشدّد الخبراء على أن المجتمع الأهلي والمواطن البحريني، سواء كان ناخبا أو مرشحا، يمثّلان الرهان في الانتخابات باعتبارهما الوحيدين القادرين على أن يضعا مصلحة الوطن نصب أعينهما.

في هذا الشأن، أكد أستاذ العلوم السياسية في جامعة العلوم التطبيقية بمملكة البحرين راشد أحمد إسماعيل، أن “المشروع الديمقراطي في البحرين هدف إلى توسيع نطاق الحريات العامة وتعزيز المساواة والعدالة الاجتماعية من خلال تعديل مواد الدستور وإصدار العديد من القوانين التي تنظم ممارسة العملية السياسية في البحرين”.

من جانبه، أكد مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية بمركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة أشرف محمد كشك أن “حرص البحرين على إجراء الانتخابات البرلمانية للمرة الرابعة يعكس اهتمام الحكومة بالعمل ضمن مؤسسات الدولة الدستورية باعتبارها القنوات الشرعية للعمل السياسي على غرار كافة الدول الديمقراطية، وذلك بعيدا عن أي ممارسات أخرى”.

وما سبق ذكره، يمكن أن يتحقّق بشكل يسير في البحرين التي تتمتّع بمكتسب مهم يتمثل في مجتمعها الأهلي الذي يتميز بأنه أحد المجتمعات الأكثر تطورا في الخليج، إذ كانت البحرين هي البلد الخليجي الأول الذي ظهرت فيه نقابات عمالية والبلد الثاني في إصدار جريدة (بعد المملكة العربية السعودية) والأول الذي نشأت فيه جمعية نسائية أهلية بصفة رسمية. هذا إضافة إلى وجود نواد سياسية واجتماعية نشطت كثيرا في الخمسينات والستينات من القرن الماضي. لكن هذا المجتمع الأهلي تضرر في السنوات الثلاث الأخيرة نتيجة محاولات إيران، الجارة الإقليمية، ذات المطامع التاريخية، بثّ الفوضى بين صفوف المجتمع البحريني.

وتشير دراسة صدرت مؤخّرا، عن المعهد الملكي البريطاني للدراسات الدولية، (تشاتام هاوس) أنه يمكن للمجتمع الأهلي البحريني أن يقوم بدور مهم في ما يجري حاليا. ورغم “الانقسامات” التي سببتها الاضطرابات مازال لدى كثير من البحرينيين القدرة على رؤية الوضع السياسي من وجهات نظر متعددة ولديهم أصدقاء وأفراد عائلة من الجانبين. لهذا يعبّر الكثير من البحرينيين عن الأمل في التوصل إلى أرضية مشتركة، وليس أقلها إعطاء الأولوية للمصالح البحرينية فوق مصالح القوى الإقليمية والدولية.

لكن ما يتجاهله هؤلاء أن هذا الحراك هو جزء من خرق تنظيمي كبير تسعى إيران إلى زيادة قوته لتحويله إلى ثورة شيعية في هذه الأرض العربية”.

وتظهر المعلومات المنشورة في الدراسة “أبعاد المؤامرة الإيرانية التي تحاك منذ عقود ضدّ منطقة شرق الخليج العربي، والمحاولات الفاشلة لتحقيق السيطرة على البحرين وإقامة البحرين الكبرى كما تصفها مراجعهم الفكرية والمذهبية”.

ويتوقّف أحمد فهمي في أحد فصول الدراسة عند “ثورة الخميني عام 1979، فمنذ ذلك التاريخ أصبحت إيران تخطط لمشروع شيعي كبير في الخليج العربي كانت نواته الرئيسية البحرين وأخذت تدعم هذا المشروع بالسلاح والتدريب والمال، كما سعت إلى توظيف المجتمعات الشيعية في الشرق العربي مثل حزب الله والحوثيين عسكريا، وشيعة العراق والكويت اقتصاديا، من أجل خدمة أهداف ذلك المشروع”.


ماهي أبعاد المؤامرة الإيرانية؟


تتوافق معطيات دراسة أحمد فهمي مع ما ذهب إليه تحليل لماثيو ليفيت، مدير برنامج ستاين لمكافحة الإرهاب والاستخبارات في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، والذي يؤكّد بدوره أنه، وفي أعقاب ثورة الخميني، بدأت إيران برعاية الأعمال الإرهابية في العديد من البلدان كوسيلة لتصدير ثورتها وتعزيز مصالحها الاستراتيجية. ويشير تقرير صادر عن وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية حول الإرهاب المدعوم من طهران إلى أن البحرين كانت “مستهدفة بمؤامرة إرهابية”.

ويشير ماثيو إلى أن طهران تدعم منذ زمن جماعات مثل “حزب الله” و”حزب الدعوة” في البحرين.

ومن الجماعات التابعة لإيران والتي تسعى إلى بث الفوضى داخل البحرين، خصوصا عبر الايقاع بالشباب، يذكر ماثيو ليفت، إلى جانب تنظيم “حزب الله البحريني”، ثلاث جماعات رئيسية ظهرت بعد 2011، وهي:

◄ “سرايا الأشتر”، مدرجة كجماعة إرهابية من قبل المنامة، وكانت قد أصدرت أول بيان لها في أبريل 2013؛ ومنذ ذلك الحين تبنّت عشرين تفجيرا ضد أفراد قوات الأمن. ووفقا للمحلل فيليب سميث، أعلنت مسؤوليتها عن التفجير الذي وقع في 3 مارس والذي أسفر عن مقتل ثلاثة من رجال الشرطة، من بينهم ضابط إماراتي كان تابعا للقوات التي نشرتها السعودية والإمارات ابتداء من عام 2011 لمساعدة السلطات البحرينية في الحفاظ على النظام.

◄ “سرايا المقاومة الشعبية”، ادعت أيضا مسؤوليتها عن الهجوم الذي وقع في الثالث من مارس وأُدرجت فيما بعد كجماعة إرهابية. وتقوم بتنفيذ العمليات منذ أغسطس 2012 كما أنها مرتبطة علنيا بـ”ائتلاف شباب ثورة 14 فبراير” – وهي جماعة احتجاج مناهضة للحكومة.

ووفقا لسميث، تصنّف “سرايا المقاومة الشعبية” مقاتليها على أنهم جهاديون وقد فجّرت حتى الآن عبوتين ناسفتين في مركز تجاري بحريني؛ وأفادت التقارير أنها تستخدم أيضا قنابل لاستهداف “البنك الوطني” في البلاد، ومحطة للكهرباء. بالإضافة إلى ذلك، تدّعي الجماعة أنها استخدمت سيارات ملغومة في العاصمة لاستهداف المطار وقوى الأمن الداخلي، وأنها فجرت عبوة ناسفة بالقرب من القاعدة البحرية الأميركية في البحرين، التي هي بمثابة مقر الأسطول الخامس.

◄ “سرايا المختار”، ظهرت في سبتمبر 2013، وتبنت عددا من الهجمات ضد قوات الأمن البحرينية، بما في ذلك الهجمات بالعبوات الناسفة، رغم أن المنامة لم تدرجها بعد كمنظمة إرهابية. ووفقا لسميث، تحافظ الجماعة على حضور قوي على شبكة الإنترنت وهي تتبنى علنا أهدافا إقليمية. ما حدث من اعتداءات واضطرابات في البحرين لم يأت من فراغ بل من جذور تأصلت في العقل الطائفي.

المعادلة السياسية الناجحة تستوجب المشاركة في الانتخابات مع الاختيار الصحيح


ماهي أهمية الانتخابات؟


سجّل خلال الأيام الماضية، وبالتزامن مع موعد الانتخابات البرلمانية والبلدية، تعدّد الضغوط على البحرين وصدور بعضها من داخل البلاد على ألسنة نشطاء يصفون أنفسهم بالمعارضين والحقوقيين، وبعضها الآخر من إيران عن طريق إعلامها المناوئ للبحرين وبمشاركة بعض الأصوات العربية المعروف عنها ارتباطها بطهران.

وقبل أقلّ من أسبوعين على الانتخابات البحرينية، يتكشّف مرّة أخرى حجم الهجمة التي تتعرّض لها المملكة كجزء من المشروع الإيراني القائم على الاستثمار في إثارة الغرائز المذهبية.

وكان ملفتا في هذا المجال التصعيد الإيراني تجاه البحرين المتمثّل في دعوة “الوفاق” إلى مقاطعة الانتخابات. وقد تحدّث مراقبون عن محاولة من “الوفاق”، وهو تيّار مذهبي بالأساس، تطبيق نموذج الحوثيين في اليمن على البحرين.

يدرك البحرينيون أن ما تشهده بلادهم من تهيدادت واضطرابات، مردّها مؤامرات خارجية قد تكون ساهمت في تضخّمها عوائق داخلية، تقع في أي مجتمع.

لذلك ومن هذا المنطق يأتي حرص المواطن البحريني على تطوير تجربته وتجربة بلاده الديمقراطية من أجل تفادي هذه العوائق التي تتغذّى منها الأيادي المخرّبة. ولعلّ أكبر دليل على هذا الحرص، إقباله اليوم على المشاركة في للانتخابات باعتبارها واجبا وطنيا لا يمكن التخلف عنه.

ولا خلاف في أن المساهمة بفاعلية في الارتقاء بالمشروع الإصلاحي البحريني من خلال المشاركة في الانتخابات تعكس حقيقتين مهمتين، إحداها تتعلق بتأكيد التمسك الوطني بالآليات السلمية والمؤسسات الدستورية كخيار لا تراجع عنه، والدفع ثانيا بعجلة التنمية الاقتصادية الوطنية بعيدا عن التوترات والتجاذبات التي تشق المجتمع وتفرق كلمته وتقطع مع محاولات إعاقة المشروع الإصلاحي في البحرين.

7