بوصلة ضائعة في منصات التواصل

لا شك أن مسارات استخدام هذه المنصات التواصلية تتشابك وتتعقد يوما بعد يوم بما يشبه البوصلة الضائعة.
الثلاثاء 2018/03/27
استخدامات تختلف حسب الاهتمامات

غالبا ما أثير موضوع استخدام منصات التواصل الاجتماعي على أساس أنه جزء من متغيّرات الزمن الرقمي الذي نعيشه وتاليا كان هنالك نوع من التقليد، أن يتبع البعض خطى البعض الآخر في التعاطي مع الموجة. لهذا لم يكن مستغربا مثلا أن تمتلك منصة تويتر شعبية كبيرة في بلد عربي دون أن تمتلكها في بلد آخر وكذلك الحال مع الوسائط والمنصات الرقمية الأخرى.

وإذا علمنا مثلا أن عدد مستخدمي منصة فيسبوك في العالم العربي قد تجاوز الـ160 مليون مستخدم في زيادة متواصلة تتعاظم مع انتشار شبكة الإنترنت وتيسير استخدامها، وإذا كان ما يقرب من 40 في المئة من مستخدمي هذه المنصة يعتقدون أنها الوسيط المناسب لمعرفة الأخبار والمستجدات في العديد من المجالات فإن الوضع في العالم العربي أقل من ذلك بكثير بحسب استطلاعات معتبرة.

المستخدمون العرب عندهم استخدامات مختلفة لهذه المنصات، وهنالك انقسام حاد و جدال واستخدام نمطي وحتى مناطقي وتحزبّات يكشف عنها المستخدمون.

والحاصل أن الأزمات والصراعات التي يعيشها العالم العربي قد انعكست على استخدام هذه المنصات التي تحوّلت إلى منابر سجالية في بعض الأحيان.

في المقابل فإن استخدامات إعلانية وتجارية محضة كانت هذه المنصات تحرص على انتعاشها صارت هي الأخرى تحتل مساحة من اهتمام المتلقين العرب لا سيما وأن منصة فيسبوك مثلا تجني المليارات من الدولارات سنويا حصاد الإعلان التجاري فيها.

وقد صار شائعا في العالم العربي نشر إعلانات تجارية في فيسبوك وهو تحوّل غير مسبوق في إدراك حقيقة انتشار هذه الوسيلة الاتصالية النافذة والتي تخاطب الملايين من المتلقين في العالم العربي.

إذا تبدو إشكالية استخدام المنصات الرقمية تتراوح ما بين الاهتمامات الشخصية المباشرة والتفاعل مع الأقربين وبين التفاعل مع الإعلان التجاري والعروض المتنوعة التي تنشر في ثنايا فيسبوك مثلا.

في المقابل هنالك استخدام آخر يتمثل في التعبير عن الموقف من السياسات الحكومية، إذ تكتظ صفحات منصات التواصل الاجتماعي بسجالات لا تنتهي بصدد الموقف من الحكومات وظروف العيش والبطالة والعنوسة والفشل السياسي وغير ذلك.

والكثير من المستخدمين يرون في هذه المنصات منابر للتعبير عن مواقفهم السياسية وقناعاتهم الفكرية، بل إن هنالك من ينشر المطوّلات في هذا الباب مما يُخرج تلك المنصات عن وظائفها الأساسية.

وفي وسط ذلك اتسعت مساحات الاحتمال في صدقية ما يُنشر وما يقال أو يشاع في منصات التواصل الاجتماعي وهو اضطراب يتسع ليشمل كما هائلا من الأخبار المزيفة والكاذبة والمفبركة.

بالأمس مثلا تم نشر صور مسيرة نسائية في بلد عربي لكن الناشرين حرّفوا اليافطات المرفوعة والتي يفترض أنها تطالب بحقوق المرأة الأساسية والحد من ظاهرة العنف ضد المرأة إلى مطالب أخرى استفزازية وبعضها خادش للحياء وذلك بواسطة فوتوشوب.

هذا مثال بسيط لمشكلات شتى صارت هذه الوسائط الاتصالية تعجّ بها من طرف مستخدمين استسهلوا كل شيء وتاليا تفشى استسهال ما ينشر لسبب بسيط أنه مضمون من دون رقيب. وإذا مضينا في قصة الاستخدام غير المنضبط لهذه المنصات فإن ظاهرة التحرش التي تنتشر في العديد من البلدان العربية قد انتقلت عدواها من الشارع إلى الرسائل الشخصية التي تتلقاها نساء تارة بقصد التعارف وتارة بقصد التحرش بمعناه المباشر.

لا شك أن مسارات استخدام هذه المنصات التواصلية تتشابك وتتعقد يوما بعد يوم بما يشبه البوصلة الضائعة مع زيادة أعداد المستخدمين ومع استسهال النشر في تلك المنصات التي تتيح معارف وفوائد في نفس الوقت الذي تتيحه من لهو مجرد وضياع للوقت وبث أفكار خاطئة وإشاعات وأخبار مفبركة.

18