بوصول بايدن، عباس يعيد اكتشاف أهمية نتنياهو

محاولات فلسطينية لإزالة الحواجز النفسية قبل استئناف المفاوضات مع إسرائيل.
الخميس 2020/12/03
الاختفاء خلف الظروف الاستثنائية

تحمل الدلائل حول احتمال عودة السلطة الفلسطينية وإسرائيل إلى طاولة المفاوضات في طياتها الكثير من التأويلات من حيث توقيتها أو الدوافع التي أدت إليها وذلك بالاستناد على المتغيرات في الولايات المتحدة وحتى التحركات، التي تبذلها مصر وألمانيا في هذا المضمار، في ظل التطورات الحاصلة في الشرق الأوسط بعد اتفاقيات السلام، التي وقعتها عدة دول عربية ضمن إطار “صفقة القرن”.

لندن – تعاطفت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب قبل انتخابات 2016 إلى أبعد الحدود مع إسرائيل كما جرت العادة مع أي مرشح للرئاسة للفوز بالسباق إلى البيت الأبيض، وقد نتجت عن العلاقة الشخصية والأيديولوجية بين جاريد كوشنر، صهر ترامب، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، خطة أميركية تحت اسم “صفقة القرن”.

وبفضل هذه الخطة، أعطت إسرائيل ضوءاً أخضر لضم مساحات واسعة بالضفة الغربية إضافة إلى القدس الشرقية، ما بدد إمكانية دعوات حل الدولتين لإنهاء الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي.

ولكن مع فوز الرئيس المنتخب جو بايدن بانتخابات 2020 يبدو أن الأمور سوف تنقلب رأسا على عقب وربما تؤثر إدارته على “صفقة القرن” حتى يتم التوصل إلى تسوية سياسية شاملة ترضي الطرفين وفق الرؤية الأميركية لهذه القضية، ومن هنا ربط بعض المحللين محاولات إعادة الطرفين إلى طاولة المفاوضات كتحرك استباقي قبل دخول بايدن البيت الأبيض نهاية الشهر المقبل.

ومع ذلك، تتردد أصداء لاستئناف المفاوضات لاسيما وأن مصادر إسرائيلية كشفت أن الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي يسعى إلى استضافة قمة سلام، إسرائيلية فلسطينية، بحضور الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

وفي ظل غياب واضح للحديث عن المفاوضات، في تصريحات المسؤولين الإسرائيليين، فإن مسؤولين فلسطينيين أبدوا استعدادهم للعودة إلى المفاوضات وإن كان بشروط، يتوقع محللون أن يتراجعوا عنها، ما يزيد الغموض حول مستقبل العلاقات بين الطرفين خاصة مع اتفاقيات التطبيع العربية الأخيرة مع إسرائيل.

إشارات إلى بايدن

عودة المفاوضات مع الإسرائيليين باتت وشيكة
عودة المفاوضات مع الإسرائيليين باتت وشيكة

يرى محللون أن السلطة الفلسطينية بعثت برسائل إلى الإدارة الأميركية الجديدة من خلال إعادة مسار العلاقة مع إسرائيل إلى ما كان عليه قبل الـ19 من مايو الماضي، في إشارة إلى الالتزام بالاتفاقيات والمعاهدات المشتركة، ما يعني أن عودة المفاوضات مع الإسرائيليين باتت وشيكة بعد أن توقفت لست سنوات.

وبصرف النظر عن قدوم إدارة أميركية جديدة ستكون لها سياسة مختلفة عن سياسة ترامب على الأرجح في هذا الملف، لكن ثمة أسبابا سياسية ومالية دفعت السلطة إلى إعادة العلاقات مع إسرائيل التي مارست كل أساليب الضغط حتى تتحقق غاياتها.

ففي العاشر من نوفمبر الماضي، أبدى عباس، استعداده “لفتح صفحة جديدة من أجل السلام والأمن والاستقرار إلى الجميع في منطقتنا والعالم”، وبعد أسبوع منذ ذلك أعرب رئيس الوزراء الفلسطيني محمد اشتية عن أمله في أن تدعم الإدارة الأميركية الجديدة حل الدولتين.

نعمان عمرو: هناك قنوات اتصال متبادلة بين السلطة الفلسطينية وواشنطن
نعمان عمرو: هناك قنوات اتصال متبادلة بين السلطة الفلسطينية وواشنطن

وفي مؤشر على أن ثمة احتمالات كبيرة لعودة المفاوضات حوّلت إسرائيل الأربعاء أكثر من مليار دولار، تشكل مستحقات مالية للفلسطينيين ناجمة عن عائدات ضرائب، في أول إجراء ملموس بعد أسبوعين على عودة التنسيق الأمني بين الجانبين بعد وقفه قبل سبعة أشهر احتجاجا على مخطط إسرائيلي يستهدف ضم نحو ثلث مساحة الضفة الغربية المحتلة.

والتنسيق بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي ذو شقين أمني ومدني، وهو أحد إفرازات اتفاق أوسلو، الموقع بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل في 1993، وقد مرت تلك المسألة بمراحل متقلبة كثيرة خلال العقدين الماضيين.

ورغم أن القاهرة تبدي التزاما سياسيا بنزع فتيل التوتر وجمع الطرفين على طاولة واحدة لحل نقاط الخلاف العالقة بما فيها إطلاق سراح معتقلين قدامى ووقف الاستيطان، أبدت ألمانيا استعدادها لعقد اجتماع لمجموعة ميونخ التي تضم ألمانيا وفرنسا ومصر والأردن وتشارك فيه فلسطين وإسرائيل.

ويقول المحلل السياسي نعمان عمرو إن الضغوط على السلطة الفلسطينية والوعود الأميركية بإنهاء الحصار المالي على السلطة قد تعيد السلطة إلى المفاوضات، مشيرا في حديث مع الأناضول إلى وجود رسائل متبادلة ووعود بفتح مكتب منظمة التحرير في واشنطن وإعادة المساعدات الأميركية، وتحفيز الدول العربية على مساعدة السلطة.

وكان أمين سر اللجنة المركزية لحركة فتح جبريل الرجوب قد أكد أن مسؤولين من الحزب الديمقراطي الأميركي، تواصلوا مع القيادة الفلسطينية قبيل الانتخابات، وأكد لهم الجانب الفلسطيني أن قرارات الشرعية الدولية هي أساس أي علاقة مستقبلية مع الإدارة الأميركية.

وعمل ترامب منذ توليه رئاسة البيت الأبيض مطلع 2017، على قطع تدريجي للمساعدات المالية عن الفلسطينيين، وأغلق مكتب منظمة التحرير بواشنطن، وحساباتها المصرفية، ليتطور الوضع إلى قطع السلطة الفلسطينية لاتصالاتها مع إدارته بعد إعلانه القدس المحتلة عاصمة لإسرائيل.

ولذلك، يتوقع عمرو، استئناف الولايات المتحدة مساعيها لإعادة المفاوضات بعد المئة يوم الأولى من ولاية بايدن، أي خلال مارس القادم، وربما دعوة الرئيس الفلسطيني إلى البيت الأبيض.

تحركات عقيمة

العودة إلى مرحلة ما قبل ترامب
العودة إلى مرحلة ما قبل ترامب

لن يمحو بايدن كل التغييرات التي أجراها ترامب على المستوى السياسي مثل الاعتراف بالقدس عاصمةً لإسرائيل، إلا أنه وعد بإعادة إحياء العلاقات مع القيادة الفلسطينية وتوفير المساعدات للفلسطينيين، وهو مؤشر على أن هناك بصيص من الأمل لحل هذه القضية رغم التحركات والمفاوضات العقيمة.

وتسبق مواقف الساكن الجديد للبيت الأبيض من إسرائيل تنصيبه بشكل رسمي، فبايدن يقف في وجه الضمّ، وليس من المرجح أن يشجّع على بناء المستوطنات، وسيعارض على الأرجح عمليات انتهاك حقوق الفلسطينيين تماما كما فعل عندما كان نائبا للرئيس السابق باراك اوباما.

ومع أنه لا أحد يعلم كيف ستكون عليه الأمور في المستقبل، غير أن أستاذ العلوم السياسية، بالجامعة العربية الأميركية أيمن يوسف يتوقع عودة المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية بعد ستة أشهر من تدشين إدارة بايدن، ويدعّم رأيه بمجموعة أسباب، من بينها تغيّر الإدارة الأميركية الأمر الذي سيشعر معه الجانب الفلسطيني بتغير حقيقي في سياسيات الإدارة الجديدة.

أيمن يوسف: التطبيع العربي قد يدفع الفلسطينيين إلى مفاوضات بلا نتائج
أيمن يوسف: التطبيع العربي قد يدفع الفلسطينيين إلى مفاوضات بلا نتائج

ويشير يوسف إلى أن التطبيع العربي، كعامل ضغط، قد يدفع القيادة الفلسطينية إلى الهرولة نحو مفاوضات بلا نتائج أو قيمة أو أهمية. ووقعت كل من الإمارات والبحرين مع إسرائيل منتصف سبتمبر الماضي اتفاقيتين لتطبيع العلاقات بالبيت الأبيض، فيما أعلن السودان موافقة مبدئية على المضي في خطوة مماثلة مع تل أبيب.

في المقابل، يرى أستاذ الإعلام بجامعة القدس، محمود فطافطة، أن غياب الحديث عن المفاوضات من الجانب الإسرائيلي يعكس عدم إيمان تل أبيب بها.

ويقول إن إسرائيل تستخدم المفاوضات كأداة لتمرير قضم مساحات واسعة من الأرض، وتمرير قرارات وإجراءات، لافتا إلى أن “الضعيف هو الذي يسعى إلى المفاوضات”، لكنه لم يستبعد بعض الميزات البسيطة وغير الاستراتيجية التي ستقدم للسلطة حتى تعود إلى المفاوضات.

ويتوقف يوسف عند المطلب الفلسطيني بتدويل الرعاية لعملية السلام وأن تجري تحت مظلة دولية، ففي الـ25 من سبتمبر الماضي، طالب عباس الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، البدء بخطوات عملية لعقد مؤتمر دولي للسلام، مطلع 2021، لإنجاز حل الدولتين، وإنهاء الاحتلال، وتحقيق استقلال الدولة الفلسطينية بعاصمتها القدس الشرقية.

وتصب الترجيحات في أن يتمسك الجانب الفلسطيني بالإطار الدولي الجامع للمفاوضات، لكن في النهاية “سنجد أنفسنا أمام إطار ثلاثي: فلسطيني – أميركي – إسرائيلي، وربما تتدخل بعض الدول العربية المطبعة، إضافة إلى مصر والأردن”، وفق ما يراه المحلل السياسي يوسف.

ويستبعد البعض إنهاء الرعاية الأميركية الاحتكارية لعملية السلام فالديمقراطيون والجمهوريون لا يقبلون شركاء معهم في رعايتهم للمفاوضات. ويرى نعمان عمرو أن الرباعية الدولية مستسلمة للنفوذ الأميركي بينما لا تجد روسيا كقوة دولية مصلحة في أن تقاتل من أجل الفلسطينيين.

وتشكّلت اللجنة الرباعية الدولية في العام 2002، وتضم الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة وروسيا، ومهمتها تسهيل العقبات التي تعترض عملية السلام.

7