بوعلي ياسين المفكر السوري المسحور بالشعب

الأحد 2014/05/04
كتاباته أثرت في وعي جيل بأكمله

لقّبه أصدقاؤه في عزّ شبابه بـ «بوعلي ياسين»، على أنّ «ياسين» اسمه الأول الحقيقي، و«بوعلي» اسم الفتوّة.

أسمته والدته عدنان، وبقي حتّى سن الخامسة أو السادسة لا يعرف له اسماً غيره، فلمّا دخل المدرسة صاروا ينادونه باسم ياسين، فلا يردّ عليهم، لذلك استدعت المدرسة والده ونبّهته إلى هذا الإشكال، فأصدر أمره بإلغاء اسم عدنان من الأسرة، لأنّ أُسَر المشايخ ـ باعتبار والده شيخاً ـ كانت تختار أسماء أبنائها من ضمن مجموعة محددّة من الأسماء الدّينية، مراعين أن ينسجم الاسم مع لقب «شيخ»، مثلاً: الشيخ ياسين اسم مناسب الشيخ عدنان اسم غير لائق، إلا أن ياسين لم يصبح شيخاً دينياً بل ربما شيخاً ثقافياً، مع أن شجرة العائلة تنتهي بنسبة من جهة والده إلى الأمير المكزون السنجاري، أي أنّ سلالته سلالة شيوخ، لكنّ «المشايخ» عموماً لم يكونوا بالنسبة إلى بوعلي سوى مصدر للتندّر والتفكّه اللّطيف، لا سيما بكتابه السيري “عين الزهور”.

عاش بوعلي ياسين معتقداً أن مهمته أن يَكْوي ويشفي النّاس، بنيران كتاباته، من الجَرَب النّفسي الثقافي، كيف لا، وهو الذي فتح عينيه للمرّة الأولى، ورأى النّور، في قرية عين الجرب التي تبعد 22 كم عن مدينة اللاذقية السورية باتّجاه الشمال، وسُمّيت هكذا لأن فيها ـ كما يقول أهلها ـ عين ماء تشفي من الجَرَب. لم تكن هذه القرية أكثر من مزرعة صغيرة أسّسها والد جدّه، وتقع على سفح يطلّ على نهر الكبير الشّمالي من جهتي الشّمال والغرب، في هذا النّهر، كانت النّساء يغسلن ثيابهن وأطفالهن في الشّهور الدّافئة، وفي محيط الضّيعة ثمة غابة صغيرة من السنديان والبلّوط وبعض الأشجار الأخرى، يتوسّطها مقام يسمّى “مقام الخضر”، وفي قلب الغابة مقبرة لذكور العائلة، حيث لم يكن يُسمح بدفن النساء في هذا المكان المقدس الذي راح يسمّى «غابة الخضر»، وإن حدثت حالة واحدة فقط، ودُفنت امرأة، فإنها حالة لن تتكرّر. هذه القرية بوصفها نهر ذاكرته الأولى، الذي فاض وتفرّع إلى أفكار، وكُتب، ومشاريع، سمّاها في سيرته الضاحكة: “عين الزهور”. الاسم ذاته أطلقه على مكتبة أنشأها لتكون ـ عبثاً ـ دار نشر.

ونتيجة عمل والده العسكري فقد تنقّل وعاش في معظم المدن السورية، وهذا الأمر جعله وأخواته وإخوته يشعرون بأنهم غرباء على الدوام، وجعل أمّه تحمل مسؤولية الأب ومسؤولية الأم.

تربية الراهبات الصّارمة


الخروج الأول من مدينة اللاذقية كان إلى حلب حتى العام 1950، في السنة الأولى لإقامته هناك دخل مدرسة خاصة تعادل الآن رياض الأطفال، يذكر فيها “تهديد الراهبات بمسح آذان الأطفال بالزيت وإرسالهم إلى القبو، حيث تأتي الفئران لتلحس الزيت من آذانهم”، هنا كره التعلّم! لكنه تعلّم ـ فيما بعد ـ كثيراً، وعلّم غيره.

احتجاجه الأول

في حماة وعى “الحرية المسؤولة للذكر”، واستغرب كيف يرتدي الذكور الثياب نفسها إلى أن تهترئ تماماً، بينما تغيّر الأنثى دوماً ثيابها، وحين أبدى الطفل ياسين احتجاجه على التفرقة في اللباس بينه وبين أخته، قالوا له: “هي بنت، أتريد أن تكون بنتاً؟”. هنا وعى الشرخ الاجتماعي بين الأنثى والذكر. وتعليقاً على الحادثة يقول: “هكذا باكراً تجري تهيئة الذكر لتحمّل المسؤولية في المستقبل، مسؤولية الأسرة ومن ثمة مسؤولية المجتمع على هذا التفاوت”. لكنه لم ينس أن يناصر المرأة ويكتب الكثير حولها، ويقوم بسلسلة أبحاث عنها، فكتب “أزمة المرأة في المجتمع الذكوري العربي” عام 1992، وأهدى الكتاب إلى أخته حياة.

كتاب بوعلي ياسين "الثالوث المحرم ـ دراسة في الدين والجنس والصراع الطبقي" الذي صدر في العام 1973، أثار دوياً في الوسط الثقافي، وهزّ وعي جيل بأكمله، ومُنع تداوله ليس في سوريا فحسب، بل في معظم البلاد العربية، فصار الممنوع مرغوباً، ومتداولاً في السر

في هذا الكتاب يقول: “أحياناً تبدو لي المرأة العربية في موقفها تجاه الصراع الاجتماعي من أجل تحررها كأنها حسناء تجلس على منصّة، متفرّجة على قتال رجلين يتنافسان على الفوز بها. وهاهي الآن تتفاجأ بمن يدعوها لأن تنزل بنفسها إلى الساحة، وتقاتل في سبيل حقوقها، ليس مع النساء ضد الرجال، ولا مع الرجال ضد النساء، بل مع الاتجاه الذي يريدها فاعلة في المجتمع، ضد الاتجاه الظلامي الذي يريد إعادتها إلى/ أو إبقاءها في عصر الحريم. لكن، لعلها ما زالت مستمتعة بدور الحسناء المتفرّجة، ترى من الطبيعي أن يناضل فريق من الرجال بالنيابة عنها”.

وفي القنيطرة (1955ـ 1958) تعلم معنى التسامح الديني والمذهبي، وسلّحته هذه المدينة ضدّ التعصّب الطائفي والقبليّ والقومي، فانتمى إلى بساطة الحياة وحريتها.

مس أوروبا

في قرية صغيرة ساحرة على أقدام الألب من ولاية بافاريا التي عاصمتها ميونخ، تعلّم بوعلي ياسين اللغة الألمانية بمعهد غوته، ثم انتقل ليدرس العلوم الاقتصادية في جامعة بون.

في اليوم التالي لوصوله إلى بون لم يوفق إلى غرفة مفروشة يستأجرها، وبعد أن بحث عنه أصدقاؤه طويلاً، وجدوه يسكن في مكان عجيب: ثمة سفينة سياحية تدعى “مِسْ أوروبا”، ترسو على شاطئ الراين في بون بعد انقضاء الموسم السياحي، تُستخدم كملهى ليلي للرقص والشراب، وتؤجّر مقصوراتها لمن ضاقت بهم اليابسة. هناك على متن “مِسْ أوروبا” سكن بوعلي لمدة عشرة أيام، ريثما اهتدى إلى غرفة على اليابسة.

في تلك الجامعة صادف أحد أساتذته الألمان المعادي للاشتراكية، فتبلورت لدى بوعلي أسُسَ تفكيره وطريقته في النّظر إلى الأشياء والعالم: “كان ـ أي ذلك الأستاذ ـ بالنسبة إليّ ـ عملياً من حيث أراد هو العكس ـ الداعية الرأسمالي الذي هداني إلى الاشتراكية العلمية”. فقرأها عبر كارل ماركس مباشرة باللغة الألمانية.

وعندما وجد أنّهم في تلك الجامعة لا يدرّسونهم علم الاقتصاد، بل علم اقتصاد طبقتهم الرأسمالية كما يقول: “أعطِ لقيصر ما لقيصر لا أكثر ولا أقل”، انتسب في الوقت المتبقّي أواخر 1962 إلى فرع حزب البعث العربي الاشتراكي في ألمانيا والنمسا التابع للقيادة القومية، في الوقت الذي كان فيه هذا الحزب قد حُلّ في سوريا بسبب الوحدة مع مصر، وكان لياسين قبل ذلك اتّصالات مع بعض شخصيات الحزب ممّن يُعرفون بالقُطريين، وبعد أن صار أميناً للحلقة الحزبية في بون، صار عضواً في قيادة فرع ألمانيا والنمسا، لكن عندما عاد إلى سوريا في زيارة عام 1964، وكان الحزب قد وصل إلى السّلطة السياسية في 8 آذار 1963، ووجد الخلافات الحادّة بين أقطابه، حيث ضم من كان معادياً له قبل استلامه السلطة، وبدأت تسيطر عليه الأجواء الانتهازية من جهة، وغير الرفاقية من جهة أخرى، تركه، ولم ينتسب بعد ذلك لأيّ حزب أو تنظيم سياسي طيلة حياته.

في “الشتودين كولّيغ” المعهد التابع لجامعة بون، أراد بوعلي ياسين معادلة شهادته، فغضبت المدرّسة من الطلاب، واستغربت حين لم يعرفوا ـ الالتباس في اللّفظ ـ أين تقع شبه جزيرة القرم التي تسمّى بالألمانية “كريم”، فأراد بوعلي ياسين ردّ الاعتبار لنفسه ولباقي طلاب، فنهض وسأل المدرّسة، بمنتهى الجدية والحزم: “وهل تعرفين أين تقع آين آلا جاراب (عين الجرب)؟» فامتقعت المعلمة خجلاً، ظانّة أنّ عين الجرب من الحواضر العالميّة المشهورة.

درّس بوعلي ياسين العلوم الاقتصادية في جامعة بون، وعندما وجد أن هذه الجامعة تهيمن عليها العقلية الاقتصادية الأميركية، كان عليه إما التخلي عن دراسة الاقتصاد والانتقال إلى فرع آخر، أو الانتقال إلى جامعة أخرى أقل عرضة للهيمنة الأميركية، فوجد ذلك في جامعة «ماينتس»، وماينتس مدينة جميلة يلتقي فيها الراين والماين، وتقام فيها كل سنة احتفالات كرنفالية ضخمة، فانتقل إليها وعاش فيها ما بين 1965ـ 1969.

الثالوث المحرم

الثالوث المحرم: دراسة في “الدين والجنس والصراع الطبقي” كتاب صدر عام 1973، وأثار دوياً في الوسط الثقافي، وهزّ وعي جيل بأكمله، ومُنع تداوله ليس في سوريا فحسب، بل في معظم البلاد العربية، فصار الممنوع مرغوباً، ومتداولاً في السرّ، ولم ير النور، ولم يتسنّ له الجلوس على رفوف المكتبات إلا في أواخر التسعينات من القرن الماضي، كذلك كتابه «الأدب والأيديولوجيا في سورية» الذي صدر عام 1974، وتسبّب بضجّة كادت تكون “دمويّة”، وكتابه ” عين الزهور ـ سيرة ضاحكة” الذي صدر عام 1994، وأثار ضجّة اجتماعيّة انتهت بتهديد الكاتب بحياته، وأدّت إلى تدخّل السلطات لمنع توزيعه تحت أيّة صيغة كانت، وذلك بعد أن وافقت على طباعته وتداوله.

"عين الزهور" سيرة ذاتية في سياق سيرة أشمل لتحولات المجتمع. خلافاً لمنهجيته الفكرية التي تمضي من الكلّي إلى التفصيلي انطلق بوعلي ياسين هنا من التفصيلي إلى الكلي، فهي سيرة ضاحكة

الفرويدوماركسية

في سوريا ترجم بوعلي ياسين كتاب القرن العشرين المقدّس “الطوطم والتابو”، مؤذناً بانتشار جهنّمي لذينك المصطلحين الأزليين والخالدين، حيث اجتمعت أفكار ماركس وفرويد، وقد كان أبرز ممثلي هذا الاجتماع فيلهلم رايش صاحب الكتاب الذي ترجمه بوعلي ياسين “الماديّة الجدلية والتحليل النفسي”.

أصرّ بوعلي ياسين على كشف الوجه المخفي لقرينه وقدوته وشبيهه ونصفه الآخر للسوريين، ألا وهو الألماني الكبير برتولد بريخت، فترجم له مجموعة قصصية “أوراق من الروزنامة”، ولم يكن بريخت قبل ذلك معروفاً كقاصّ، بل كمسرحي وشاعر، ثم عمل بوعلي ياسين في المصرف السوري من العام 1970 وحتى العام 1976 في دمشق، ثم اللاذقية، ثم نقل إلى مديرية التخطيط حتّى استقال متفرّغاً للكتابة، وكأنه موظف عند مواطنيه وقرّائه، بالرّغم من المصاعب الجمة لشغف الكتابة، من دون أن يحلم بأية جائزة.

عين الزهور: سيرة ضاحكة

قد يكون مبالغةً القول إن بوعلي ياسين قد حاول في “عين الزهور” أن يكتب حكاية خمسين عاماً من سيرة المجتمع السوري، لكن ليس مبالغةً القول إن” عين الزهور” مقاربة مهمة في هذه السيرة كما تبدو في خبرة بوعلي ياسين، واستئناف” منفرد” لكتابة جاحظية عريقة في تراثنا. لمن يريد توثقاً أكبر كان بوعلي ياسين يرى في الصفحات الداخلية للصحف الرسمية مصادر بيانات واتجاهات أساسية في البحث السوسيولوجي- الاقتصادي

في هذه المغامرة أطلق بوعلي ياسين الشعبي، وغاص في العالم السفلي للحياة الاجتماعية، وفي العودة إلى الشعبي عودة إلى المحكي وإلى اللغة الجارية بكل مجازاتها وأمثلتها. بوعلي ابن الثقافة العالمة لكنه في “عين الزهور” ابن إبراز القاع السفلي الحي الجاري. ومكّنه ذلك من تقديم” المبتذل” بشكل جميل. ليس المقصود بالشكل التزيين البلاغي بل البحث في المبتذل نفسه عن حقيقة الحياة الجارية. العودة إلى المحكية هي خرق لنطاقات هيمنة الثقافة العالمة ونمط سيطرتها الاجتماعي المنافق الذي يقابل بين الأخلاقي/ غير الأخلاقي، وبين القيّم/ المبتذل. كسر بوعلي هذه الثنائية، وبالأحرى حطّمها. اللغة المحكية لغة ثقافة ومجتمع. ما يجمع بوعلي ياسين مع الجاحظ هو أن الجاحظ مؤسس البيان العربي أو إبستمولوجية المؤسس أو أصولية بالمعنى العلمي للأصولي أو للأسسي هو أنه لم يقم كبير وزنٍ للتناغم بين الفصاحة والبلاغة. وبوعلي بطبيعة الحال لا يقيم أي وزن لذلك، لكنه أخذ من الجاحظ منهجه العام. فالبلاغة موجودة في الشعبي التلقائي العامي والبسيط واللحظوي، وليس في الصنعة والعمل المتقن والفصيح. الحياة الحقيقية كما أحسها بوعلي ياسين هي فضاء تجربته في” عين الزهور”.

9