بوغبا تمهل قليلا

الأحد 2016/05/01

أربع سنوات أو أقل بقليل مرت على انتقال الفتى الفرنسي بول بوغبا إلى نادي اليوفتنوس الإيطالي العريق قادما من فريق لا يقل عراقة وهو مانشستر يونايتد، أربع سنوات فقط كانت كافية وزيادة كي يبرهن هذا “الغزال” الأسمر أنه أحد فلتات زمانه وأبرز نجوم الكرة العالمية في الظرف الراهن.

سنوات قليلة مرت بسرعة، لكنها مكنت بوغبا ابن الثالثة والعشرين ربيعا أن يسطر اسمه بأحرف بيضاء ناصعة مع اليوفي الإيطالي، وكذلك مع منتخب بلاده فرنسا.

لقد عض السير أليكس فارغيسون المدرب السابق لمانشستر يونايتد أصابعه ندما بعد أن ترك “الغزال الشارد” يفر من بين يديه ويغادر قلعة “الأولترافورد” بسرعة، بعد أن عانى الفريق كثيرا كي يضمه إلى صفوفه عندما كان طفلا يداعب الكرة مع فريقه الأمّ نادي لوهافر الفرنسي.

انطلاقة بوغبا في عالم كرة القدم وتحديدا منذ انضمامه إلى فريق السيدة العجوز كانت بسرعة السهم، فهذا الفتى اليافع والفارع في طوله اهتدى في سن التاسعة عشرة إلى عالم الشهرة والنجومية والإبداع، ففي فريق ضمّ عند قدومه زمرة من اللاعبين الموهوبين والرائعين لم يكن من السهل اختراق المجال والمنافسة على مكان دائم ضمن الأساسيين، بيد أن بوغبا كسر القاعدة وثبّت أقدامه بنجاح ساحق أبهر الجميع وجعله يكون أحد أفضل المواهب الصاعدة في الكرة العالمية.

لهذا الفتى المتقد حماسا وتوقا للرقي والإبداع قصة طريفة، فعندما كان لاعبا شابا في صفوف نادي لوهافر الفرنسي، كان “الخطّاب على الباب” مثلما يقول المثل الشعبي التونسي أكثر ممّا يحتمله عمره الصغير، بوغبا في تلك الفترة وهو الفتى في سن السادسة عشرة لم يكن يرغب في البداية أن يترك ناديه، بل حلم أن يواصل اللعب معه إلى غاية الاعتزال، لم يكن يدرك أنه سيكون نجما رائعا لا يجود به الزمان إلاّ لماما.

ومع ذلك، تغيرت المعادلة بسرعة بعد أن أحاط به والده وأقنعه بأن باب المجد لن يكون أبدا في لوهافر النادي الصغير، وفعلا عدّل بوغبا موقفه وغيّر قناعاته لينتقل وسط ضجيج صاخب إلى ناد كبير، وهو مانشستر يونايتد.

وبما أن هذا الفتى المشاغب والمشاكس والحالم دوما، اكتسب ثقافة جديدة في سن مبكرة بفضل وصيّة أبيه، وهي ثقافة تعتمد على حتمية التوق إلى الأفضل، فإنه لم يرض بأن يكون في الصفوف الخلفية، بل استعجل النجاح فاختار الهروب في أول فرصة من “معتقل” مانشستر ويتجه مباشرة صوب إيطاليا، وتحديدا إلى مدينة تورينو، حيث يوجد الفريق الإيطالي الأقوى يوفنتوس.

عام يتلوه عام وبوغبا يعانق الإبداع والتألق، وبات الجميع يتحدث عنه سواء في إيطاليا، حيث مدحه ديلبييرو وبيرلو كثيرا، أو في فرنسا، حيث قال عنه ميشيل بلاتيني إنه “الأيقونة” الجديدة في فرنسا، أو في إنكلترا بعد أن اجتهد فارغيسون حتى يجد التبريرات لنفسه بعد أن ساهم في خروج هذا اللاعب من مانشستر يونايتد.

الحكاية ربما بدأت للتو في مسيرة بوغبا، فأربع سنوات من النجاح مع اليوفي لا تكفي، وربما آن الوقت كي يركض الغزال الأسمر في أرض أكثر رحابة.

آخر الأخبار تؤكد أن بوغبا أصبح منذ سنوات مطمع جميع الفرق الكبرى في أوروبا مثل الريال وبرشلونة وبايرن ميونيخ وباريس سان جرمان، فالكل مستعد لدفع الغالي والنفيس من أجل ضم هذه الجوهرة السمراء.

وبما أن اليوفي يريد تحسين وضعه المالي فإنه قد يرضخ في نهاية المطاف لهذه الإغراءات القادمة من كل صوب وحدب، فضلا عن رغبة اللاعب نفسه في خوض تحدّ جديد، فإن نهاية الموسم الحالي قد تأتي بالجديد في مسيرة هذا اللاعب المرشح لأن يكون أغلى لاعب في العالم.

وفي المقابل، على بوغبا الفتى الحالم دوما، أن يعرف أين يضع قدمه، إذ يتعين عليه أن يحسن الاختيار أولا، وأن لا يسقط في فخ الغرور ثانيا، وهذا الأهم.

فتصريحات هذا اللاعب مؤخرا، تؤكد أن بوغبا كبر كثيرا وبدأ ينظر إلى نفسه على أنه أحد الأساطير إلى درجة أنه صرح بأنه يريد أن يصبح أفضل من بيليه ومارادونا وكل من سبقوه من اللاعبين الأفذاذ الذين حفظهم التاريخ، بوغبا قال أيضا إن لديه كل المؤهلات التي تجعله الأفضل والأحسن في تاريخ الكرة، وما عليه سوى العمل أكثر في المستقبل.

كلام كبير قاله هذا النجم الفرنسي، فيه الكثير من الاعتداد بالنفس، لكن يحمل أيضا بذرة الغرور وربما الغطرسة، وعدوّ كل شخص متألق وناجح هو الغرور الذي قد يقضي على صاحبه في رمشة عين.

عليك يا بوغبا أن تتخذ التواضع شعارك الأول، عليك أن تكون طامحا راغبا دوما في تحسين مستواك، ولا تقل إنك بلغت المجد، عليك أن تتمهل قليلا وتمشي الهوينى، وتختار كيف تضع خطواتك، فالطريق يبدو طويلا للغاية، ونجوميتك مهما كبرت فإنها ربما لم تبلغ بعد نجومية أبناء جيلك مثل ميسي ورونالدو.

كاتب صحافي تونسي

23