بوغبا يحنّ إلى حضن السيدة

هي حقيقة أصبحت تتضح ملامحها يوما بعد يوم، فبوغبا الغائب عن الملاعب منذ فترة طويلة بات بحاجة إلى التغيير، ومثله فإن يونايتد بات بحاجة إلى أكثر من بوغبا كي يتبدل وضعه.
الأحد 2020/02/16
بصمة غائبة

خسر الفرنسي بول بوغبا الرهان، خسر مثلما فعل ذلك سابقا أليكسيس وإبراهيموفيتش ولوكاكو، بوغبا لم يعد بمقدوره أن يقدم يد العون لمانشستر يونايتد، لم يعد حلقة الوصل بين التألق التاريخي في الماضي والتطلع إلى واقع أفضل في المستقبل.

ربما يصح القول إن الخلل لا يكمن أساسا في قدرات بوغبا وغيره من هؤلاء اللاعبين الذين مروا على “مسرح الأحلام” دون النهوض بالفريق من جديد، بل هو “شرخ” كبير للغاية حدث في جنبات “معقل الشياطين” وبات إصلاحه أشبه بمهمة مستحيلة.

بوغبا كابد في بداياته الكروية عندما برز مع نادي لوهافر الفرنسي قبل أن ينتقل إلى الدوري الإنجليزي، فمرّ بمانشستر يونايتد لكنه لم يقدر في تلك الحقبة على ترك إرث كبير، لم ينجح في فرض بصمته وإظهار قدراته، ربما بسبب صغر سنه لم يكن مؤهلا كي يحقق النجاح سريعا.

غادر “الغزال” الفرنسي مكرها نحو أفق أرحب، انتقل سنة 2012 إلى نادي يوفنتوس، وبدأ مرحلة جديدة. ففي الدوري الإيطالي تفتقت موهبته وبرزت مهاراته، وانطلق مثل السهم الجارح لا ينوي شيئا سوى إسعاد أنصار فريقه وضرب كل الخصوم في مقتل.

موسم تلو آخر، و”الغزال” الشارد يقدم أفضل العروض وأمتع اللوحات الكروية مع “السيدة العجوز”، حتى تحوّل إلى نجم النجوم، وأصبح لاعبا عالميا يضاهي في تأثيره مع اليوفي تأثير كبار اللاعبين مثل ميسي ورونالدو.

قضى بوغبا ما يزيد عن أربعة مواسم مع اليوفي حقق خلالها إنجازات رائعة ومتميزة، كان بحق لاعبا استثنائيا، بل هو صمام الأمان في الفريق وصاحب القدرات الخارقة التي تغيّر كل الأمور في اليوفي، كلما تعطلت بقية المكونات.

طيلة هذه الفترة الذهبية في إيطاليا كان النجم الفرنسي حلما ومطمعا لكل الأندية القوية الأخرى. إدارة برشلونة عقدت العزم على التعاقد معه، ومثلها فعلت إدارة ريال مدريد، كما كان هدفا رئيسا لباريس سان جرمان، لكن كل هذا لم يكن كافيا للاستحواذ على “الصيد الثمين” والظفر بتوقيع “الغزال”.

وحده يونايتد من برع في هذا المجال وكسب الرهان، لقد تمكن من إقناع بوغبا وكذلك إدارة اليوفي كي يعيد بوغبا من جديد إلى “مسرح الأحلام”، فعاد هذا اللاعب لإنهاء حلمه القديم الذي لم يكتمل.

عاد بمبلغ مالي قياسي، عاد وفي جعبته تجربة رائعة وقدرات بدنية مذهلة وموهبة فذة، عاد إلى مانشستر علّه يساعده على استعادة هيبته المفقودة منذ رحيل السير أليكس فيرغسون.

لكن بعد مرور ثلاثة مواسم لا شيء من هذا القبيل حصل، لم ينجح يونايتد في استعادة كبريائه الغائب، ولم ينجح أيضا بوغبا في أن يقدم نفسه في دور الملاك المنقذ والمخلّص.

لم يكن من السهل أبدا أن تعود الأمور في الفريق مثلما كانت في السابق، فشيء ثمين ونادر للغاية كسر في “معقل الشياطين الحمر” منذ رحيل فيرغسون، ومهما كان عدد اللاعبين الأفذاذ الذين يقع التعاقد معهم فإن الزلزال الذي قسم “المعقل” إلى نصفين قد يتطلب سنوات طويلة لإعادة هيكلته من جديد.

من الثابت أن يونايتد لم يخسر وحده الرهان، بل أيضا بوغبا خسر بدوره، بعد أن أعيته “الجراح” وأثقلت الإصابات خطاه، وما يعيش على وقعه الآن يؤكد أنه لم يعد بالمرة ذلك “الجواد الرابح” القادر على إعادة ترتيب البيت.

هي حقيقة أصبحت تتضح ملامحها يوما بعد يوم، فبوغبا الغائب عن الملاعب منذ فترة طويلة بات بحاجة إلى التغيير، ومثله فإن يونايتد بات بحاجة إلى أكثر من بوغبا كي يتبدل وضعه.

والفراق يبدو حلاّ مطروحا بشدة وملحّا أكثر من أي وقت مضى. ربما في الموسمين الأخيرين كان بوغبا مرشحا للخروج وخوض تجربة جديدة خاصة وأن ريال مدريد طلب ودّه في أكثر من مناسبة، لكن في كل مرة تتمسك إدارة النادي بخدماته.

لكن في هذا الموسم، تغيّرت الأمور وإدارة اليونايتد أضحت مستعدة للتفريط في بوغبا الذي لم يكن سعيدا بالمرة طيلة هذه التجربة. لقد أدرك الجميع أن اللاعب الفرنسي لم تعد لديه أي رغبة في البقاء طويلا، وهاجسه الآن هو الخروج من “الأتون” نحو مكان أكثر اعتدالا وأمنا.

هي حقيقة بدأت تتكشف خيوطها يوما بعد يوم، والتصريح الأخير لمينو رايولا وكيل بول بوغبا يؤيد هذا المعطى عندما صرّح بأن فرضية مغادرة اللاعب لفريقه الحالي باتت مطروحة بشدة في ظل عدم ممانعة إدارة يونايتد في مناقشة العروض المقدمة بشأن هذا اللاعب.

بالتوازي مع ذلك وقع الحديث عن فرضية عودته إلى اليوفي، ذلك الفريق الذي عرف معه بوغبا المجد والتوهج، ذلك النادي الذي نجح في ترويض “الغزال الشارد”.

23