بوفار وبيكوشيه.. الحمق الفلوبيري

الأحد 2013/11/03
مشهد من مسرحية \"بوفار وبيكوشيه\" التي تعرض حاليا في مسرح لوسرنير بباريس

برغم ظهور جيل جديد من المؤلفين، مثل فلوريان زيلّر وياسمين ريزا وسيلفان مينياك، لا يزال المسرح في فرنسا يعتمد على الأعمال الكلاسيكية، فرنسية كانت أو عالمية، قريبة العهد أو ضاربة في القِدم، مثلما يعتمد على نصوص أدبية سردية لكبار الكتاب يقع إعدادها مسرحيا، كـ"البؤساء" لفكتور هوغو و"جرمينال" لإيميل زولا و"العلاقات الخطرة" لدو لاكلوس، وأخيرا وليس آخرا رواية "بوفار وبيكوشيه" لفلوبير التي تعرض الآن في مسرح لوسرنير بباريس.

"بوفار وبيكوشيه" هو آخر ما كتب غوستاف فلوبير (1821 - 1880)، وهو عمل مبتور مات صاحبه قبل إنهائه، ونشر بعد وفاته بعام. ورغم ذلك عدّه النقاد أثرا أدبيا متميزا لا يقل قيمة عن "مدام بوفاري". ذلك أن المؤلف بذل في إنشائه جهدا كبيرا، فما بين نيته التي أطلع عليها صديقته جورج ساند عام 1872 وبين وفاته وانقطاعه نهائيا عن كتابته، كان فلوبير قد جمّع عددا هائلا من الوثائق، قيل إنها بلغت ألفا وخمسمائة كتاب، وكان ينوي إضافة عنوان فرعي إلى العنوان الأصلي "موسوعة الغباء الإنساني"، لأن مصنّفه يقدم نموذجين لا يعدمان معرفة ولا ثقافة، ولكن سلوكهما المشوب بالاضطراب والارتباك، وخطابهما المحكوم بالتردد والتناقض، وفشلهما في كل عمل يأتيانه، تنبئ عن نصيب من الغباء المتأصل. وتغدو الصورة مثيرة للضحك حين يجهل الطرفان أصل البلاء ويعزوان الشرور كلها إلى الغير. الطريف أنهما يندفعان لمعرفة كل شيء، وتجريب كل شيء، ولكنهما يعجزان دائما عن فهم ما يواجههما فهما صحيحا، فيُمنَيان بالفشل، دون أن يقرّا بأن ذلك ناجم عن سوء تقدير منهما.

تتمحور الرواية إذن حول رجلين يدعيان بوفار وبيكوشيه حديثي عهد بالتقاعد، التقيا صدفة واكتشفا أنهما متماثلان في كل شيء، سواء في العمل الذي كانا يمارسانه أو في محاور الاهتمام، فاختارا أن يعيشا جنبا إلى جنب في ضيعة بأحد أرياف مقاطعة الكلفادوس، ليستثمرا تركة موروثة في تغيير مجرى حياتهما، أو ما تبقى منها.

هناك يجربان شتى أنواع الفلاحة بإخفاق كبير، فيحولان وجهتهما إلى العلوم وفروعها، ثم إلى الأدب وأجناسه، والفلسفه ومجالاتها، والسياسة وميادينها، والأديان وطوائفها، والتربية ونظرياتها، وحتى الأثريات والتاريخ والفن المعماري... لم يتركا مجالا إلا جرباه، دون أن يفلحا في أيّ منها.

وبعد أن يصيبهما تراكم الخيبات باليأس، يعودان إلى سالف عملهما، كنسّاخين عاديين.

والسؤال الذي يطرح نفسه هو كيف السبيل إلى تحويل عمل ضخم أفنى صاحبَه ( باعتراف فلوبير نفسه ) إلى عمل مسرحي؟ وما هي الوجهة التي سيتخذها والعمل كما قلنا غير مكتمل؟ إذ من الصعب التكهن بنية الكاتب ومعرفة ما إذا كان يسخر من هذين الشخصين اللذين يدعيان العلم والمعرفة فيما التجربة تثبت العكس، أم أنه كان ينوي تقديمهما في ثوب بطلين معاصرين يبشران بالبطل السلبي كما هو الشأن في القرن العشرين مع "بردامو" للفرنسي سيلين و"جوزيف ك" للتشيكي كافكا.

استطاع المخرج فنسان كولان أن يجد توازنا بين الجملة الفلوبيرية الأنيقة المشوبة بسخرية طفيفة وبين الخطاب المنطوق في حوار الشخصيتين، الجالستين جنبا إلى جنب، كل أمام ميكروفون، من خلال تسجيل صوتي لراوية من خارج الركح تنهض بالسرد، وبعض المؤثرات الصوتية الأخرى الشبيهة بما يجري في استوديو إذاعي، ونكتشف أن بوفار وبيكوشيه ليسا غبيين تماما بقدر ما هما مفرطان في طموح لا حدود له، بشكل يجعل توقهما إلى المستحيل، وهما لا يملكان وسائل تحقيقه، منتهى الغباء. المشلكة أنهما ينسبان الغباء إلى الآخر ، وينفيانه عن نفسيهما، مؤكدَين بالتناوب على بساطة تفكير ذلك الآخر في قولهما : "لن يزول الغباء أبدا !" فهما يتهمان الجنس البشري بعيوبهما بشكل يكاد يجعلهما مثار الازدراء والسخرية، ولكن براءة طبعهما، وتعطشهما إلى المعرفة، وسعيهما نحو المطلق، تقربهما من المتفرج أكثر مما تنفره. صحيح أنهما يخطئان على الدوام ويعجزان عن تجاوز تناقضاتهما، ولكن لهما أجر الاجتهاد على الأقل.

في هذا النص نقد للأحكام المسبقة بشتى أنواعها، واستعراض لأمثلة من غرور البشر، وسبر لأعماق النفس الإنسانية، جاءت كلها في مقاربة صائبة كيفما قلبتها، سردا أو مسرحا أو عملا تلفزيونيا ( سبق عرضه على إحدى القنوات الفرنسية )، تحمل مع معانيها الأدبية السامية نظرة فلسفية عميقة وشحنة ساخرة تنفذ إلى المتفرج بيسر، وتنتزع منه ضحكته.

يقول فلوبير : "الضحك هو مزج الاستخفاف بالتفهم، وتلك لعمري أسمى طريقة لرؤية الحياة."

باريس في 3 جويلية 2013

14