بوفون الرائع مرة أخرى

الأحد 2016/09/11

الحديث عن الرائع جيانلويجي بوفون لا ينتهي، والإشادة به قد لا تتوقف حتى لو جاء الوقت الذي يتوقف فيه عن ممارسة كرة القدم.

هو "أيقونة" خالدة سيحفظها تاريخ الكرة الإيطالية والعالمية إلى أمد بعيد، وطبعا فإن جدارة الحارس الإيطالي لنادي يوفنتوس “السيدة العجوز″، لا تقتصر على الجانب الرياضي فحسب، بل لكونه قدوة بأتم معنى الكلمة، قدوة في كل شيء سواء في ميادين الكرة أو خارجها أو في سلوكه وأخلاقه ومواقفه التي لا يرقى إليها أيّ شك أو اختلاف.

بوفون الحارس الجامح والمتألق على الدوام لم يكتسب شهرة واسعة ومحبة الملايين من عشاق الساحرة المستديرة من إنجازاته البطولية مع اليوفي والمنتخب الإيطالي فقط، بل بفضل تلك الروح الدافئة والضاحكة دوما، والأكثر من ذلك من علاقاته المتينة والوطيدة مع كل المحيطين به حتى ولو كانوا منافسين له.

بوفون صاحب الثامنة والثلاثين ربيعا قدّم نفسه منذ سنوات طويلة في ثوب يليق به، هو ثوب الرياضي الخلوق الذي يقبل قواعد اللعبة، ففي النجاح والتّتويج والفرحة تجده أول من ينسب هذا النجاح لغيره من زملائه ومدربيه، وتجده أيضا أول من يبادر إلى مواساة الفريق الخاسر، وكم من مباراة حاسمة برز خلالها بوفون بهذه الأخلاق الرفيعة والروح الرياضية العالية، أما في حالة الخسارة فإنه لا يتورّع عن تهنئة المنافس دون ضجر أو تأفف.

هو هكذا هذا الحارس المتألق دوما، ولعل علاقته المتميزة مع عدد كبير من اللاعبين المنافسين والذين لم يلعب معهم أبدا تؤكد ذلك، أليس هو من هرول في كل مرة لمعانقة صديقه كاسياس الحارس السابق لريال مدريد ومنتخب أسبانيا؟ بل وفعل ذلك مع العديد من الحراس مثل الهولندي فان دير سار والألماني مانويل نوير، أليس هو من بات صديقا مقربا لأغلب نجوم اللعبة في العالم؟ بل إن الجميع يحرصون على التقاط صور تذكارية معه في نهاية كل مباراة، ليس لأنه نجم عالمي فحسب، بل لكونه لاعبا يفرض كل الاحترام والتقدير والإشادة والتنويه.

آخر ما فعله الحارس الأسطوري في إيطاليا كان بمناسبة مباراة ودية جمعت منتخب بلاده بمنتخب فرنسا وديا، في تلك المواجهة قامت بعض الجماهير الفرنسية بإطلاق صافرات أثناء عزف النشيد الوطني الفرنسي، الأمر الذي أزعج الجميع وأحرج الطليان، لكن بوفون بشخصيته القيادية و”الكاريزما” التي يتمتع بها ومكانته في قلوب كل الإيطاليين أنقذ الموقف ونجح بمفرده في أن يغيّر سلوك هذه الجماهير بحركة واحدة وطلب واحد، يا الله، من يقدر على أن يكون في مكانة بوفون؟

موقف رائع ومؤثر وقويّ نال به مرة أخرى الإعجاب والشكر والإشادة، وجاء هذه المرة من وسائل الإعلام الفرنسية، بل من الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند نفسه، والذي أجبره بوفون على تقديم التحية له والثناء على تصرفاته وروحه الرياضية الاستثنائية.

الثناء على حارس بارما سابقا لم يقتصر على الفرنسيين فحسب من كل الرياضيين في العالم، ورغم أنه يندر أن يحظى لاعب بإجماع الكل، إلاّ أن بوفون فعلها، إذ لا يختلف اثنان مهما كان انتماؤهما على أن بوفون أحد أفضل الحراس في العالم وفي تاريخ الكرة الإيطالية والعالمية، والأهم من ذلك أنه من أكثر الرياضيين أدبا ورفعة أخلاق، وأشدهم دفاعا عن مواقف إنسانية كونية راقية.

وبما أن للوفاء عناوين كثيرة، فإن من بينها قلب جيجي بوفون الذي ترك في فؤاده متسعا كافيا لناديه الأول بارما، إذ يحرص في كل مناسبة يقع خلالها ذكر هذا النادي أن يبين مدى حبه للنادي الذي قدمه للعالم وجعله يلعب لفائدة المنتخب الإيطالي، في قلب بوفون “الكبير” بقعة كبيرة مخصصة لناديه الحالي اليوفي، الذي لم يغيره رغم كثرة الإغراءات واستمرارها، بقي معه وسانده ولعب معه في السراء والضراء ولم يرض أن يسير على نهج العديد من اللاعبين ويغير الألوان سنة سقوط اليوفي إلى الدرجة الثانية، ولديه أيضا مكان كبير لمنتخب بلاده الذي يلعب معه منذ أكثر من حوالي عشرين عاما دون كلل أو ملل.

وبما أن لكل لاعب رائع واستثنائي مكانة خاصة واستثنائية، فإنه ما انفك يحصل على الجوائز والتتويجات ويفتك الاعتراف من الجميع بكونه حارسا موهوبا ومرموق المكانة، وكانت آخر التتويجات حصوله على المركز الأول في استفتاء الاتحاد الأوروبي لجائزة أفضل حارس في تاريخ دوري أبطال أوروبا متقدما على حراس عمالقة مثل الألماني أوليفير كان والأسباني إيكر كاسياس.

ألم نقل إن بوفون الرائع يفتكّ في كل مرة وفي كل مناسبة الإعجاب والتقدير، ويفرض على الجميع دوما الحديث عنه، فالحديث عنه لا ينتهي.

كاتب صحافي تونسي

23