بوكر 2017.. العراق السارد

الخميس 2017/01/19

قبل أيام أعلنت اللجنة المنظمة لجائزة الرواية العربية في أبوظبي (البوكر) أسماء الروائيين العرب المرشحين للقائمة الطويلة لهذه الجائزة وعددهم ستة عشر روائياً من مختلف البلدان العربية، وكانت حصة العراق من كمية السرد المشاركة ثمينة جداً بفوز خمسة روائيين هم: سعد محمد رحيم واسماعيل فهد اسماعيل وسنان أنطوان وعلي غدير وزهير الهيتي، والأهم من ذلك بتقديراتنا هو فوز دار نشر ناشئة بروايتين مرشحتين من طرفها، ونعني بذلك دار نشر سطور التي أولت عنايتها بالسرد العراقي طباعةً وتوزيعاً واهتماماً وبالتالي انتقاءً عبر لجنة مصغّرة من الروائيين والنقاد الذين تستشيرهم الدار في غالب الأحيان.

بعملية حسابية بسيطة فإن السرد العراقي استحوذ على (ربع + واحد) من الجائزة في القائمة الطويلة وهي نسبة كبيرة بين المشاركين، كما استحوذت دار نشر سطور على نسبة جيدة بفوزها بروايتين، وهي الدار الوحيدة التي حظيت بهذا الاستحواذ أمام دور نشر عربية رصينة لم تحصل على مثل هذه النتيجة، وبالتالي يستحق السرد العراقي الذي ضخّ كمياتٍ كبيرة من الروايات في السنوات الأخيرة مثل هذه النتائج المشرفة، ويشير إلى عافية سردية بالرغم من ملاحظاتنا المتكررة على الكثير من النماذج الروائية الجديدة، مثلما أن دار سطور الناشئة أثبتت مصداقية باختياراتها الناجحة وقبل هذا بترصين طبعها السردي.

الروايات الخمس تكاد تتشابه في بنيتها السردية ومعالجاتها الفكرية، فكلها تنطلق من أرضية العراق بعد 2003، وكلها تفحص الواقع الجديد بمنظار تختلف سعة رؤيته من مؤلف إلى آخَر، بمعنى مقدار هضم الواقع المتشكل بنيوياً في ظروفه الجديدة التي تختلف من سارد إلى سارد ومن عينٍ إلى عين، فرواية سعد محمد رحيم، وقد حاز هذه السنة جائزة كتارا القطرية أيضاً، تعتمد على نسقية التحقيق في قضية مقتل فنان عن طريق الخطأ في ظروف حرب طائفية ملتبسة، تحت وطأة خراب شامل يعم المدينة بطريقة فيها من الحبكة البوليسية ما هو ممتع بالفعل، ومثله سنان أنطوان الذي يستلهم الماضي العراقي مقارنة بحاضره الممسوخ عبر شخصيات متعددة في مجموع رواياته عن هذا الخراب الذي أوجدته الحرب ليكتب عن المكان في جدليته الزمنية التي فارقها الكاتب، وهو يستعيدها طوعاً في مواجهة الحاضر الذي غيرت الحرب معالمه كثيرا.

ولا يختلف علي غدير، وهو شاب وهذه أول رواية له، حينما يكتب عن زمنية العراق وتاريخيته المتعاقبة ويُدين فيه محطات التعاقب في وجوه الدكتاتور من زوايا مختلفة بطريقة فيها قدرة على رصد الكثير من مجريات الواقع العراقي في ظروفه المختلفة. أما زهير الهيتي، وهو وجه روائي جديد أيضاً، فيستعيد قسوة الحرب العراقية – الإيرانية من خلال شخصية مجنون معادِلاً فيها صوراً تشكيلية اختارها عن قصد لديمومة الأسى في الرواية التي تتحدث عن الإشكاليات الطائفية الممجوجة التي وجد المجتمع العراقي نفسه فيها من دون إرادته ولا تحضير مسبقا لها، وبالتالي فإن الروايات الأربع بمجملها شكلت مشهداً واسعاً لقضية الحرب في العراق ومعطياتها السلبية وما آلت الأوضاع إليه في بانوراما واضحة الملامح لخراب وطني لا يمكن إخفاؤه.

هذه العينات السردية المختارة التي استحوذت على بوكر 2017 هي من “المتشابهات” السردية التي حفلت بها الرواية العراقية في كمّها الكبير، وبات واضحاً أن موضوعة الحرب وتداعياتها المخيفة هما اللتان تشغلان الرؤية السردية العراقية الآخذة في الانتشار عربياً لتكون إحدى ملامح هذه الفترة المظلمة في قسوتها وسوادها وإشكالياتها المجتمعية الجسيمة.

القائمة البوكرية الطويلة بأسمائها الستة عشر هي ممخضة أكثر من 150 رواية عربية تنافست مع لجنة تحكيم نسوية خفيفة الظل أعطت للعراق السردي استحقاقه الطبيعي في هذه الدورة وسننتظر مَن يرشح من إناء البوكر إلى القائمة القصيرة قريباً.

كاتب من العراق

14