بوكو حرام.. تنظيم إرهابي سليل منابر الدعاة والانقسامات العرقية

الجمعة 2017/10/20
بوكو حرام سبب الأزمة ونتيجتها في نفس الوقت

يرى الباحث محمد عبدالكريم، في دراسته التي حملت عنوان “بوكو حرام من الجماعة إلى الولاية” أن التفسير الأكثر شيوعًا لظهور بوكو حرام هو انتشار الفقر والتخلف في شمال نيجيريا، وخاصة في الشمال الشرقي. غير أن هذا التفسير يواجه عدة انتقادات منها أن بوكو حرام نفسها في معظم الفيديوهات والبيانات لا تؤكد كثيرًا على القضايا الاقتصادية، كما أن هذا التفسير لا يقوم عند الدفع بعدم وجود حركات مماثلة في مناطق فقيرة للغاية من نيجيريا.

ومن جهة أخرى أشار عبدالكريم في كتابه الصادر عن دار العربي للنشر، إلى رؤية البعض أن حركة بوكو حرام ظهرت نتيجة تدفق سوسيو- اقتصادي صاحب عملية الانتقال الديمقراطي (في العام 1999) وكذلك نتائج عقود من سوء الإدارة الناتج عن الحكم العسكري والفساد. كما أن بوكو حرام نفسها في حالة تدفق مستمر وكانت تتكيّف دائما مع الظروف المتغيرة وهو الأمر الذي تعكسه طرق عملها وعضويتها.

وأوضح الباحث أن بوكو حرام لم تكن حركة عنف في بدايتها، كما أنها لم تكن عند مرحلة انتقالها في ما بين 2009 و2010 من الحجم حتى تشكل تهديدًا وطنيًا، وأدت قدرة الحركة على استخدام الوضع المهترئ لمؤسسات الدولة النيجيرية لتقديم نفسها على أنها تهديد كبير ذو قدرة فائقة، وإثارة شكوك حول طبيعة صلاتها الدولية.

وكشف أن جماعة بوكو حرام في الأصل تشكلت من مجموعة من الطلاب الذين تخلوا عن الدراسة، وأقاموا قاعدة جماعتهم في قرية كاناما بولاية يوبه شمال شرقي نيجيريا على الحدود مع النيجر.

وتستخدم تسمية “بوكو حرام” للإشارة إلى التعليم الغربي بكل مشتقاته وجميع الأشياء المصاحبة له والناتجة عن المرحلة الاستعمارية في نيجيريا حيث كان معظم الذين يدعون إلى التعليم الغربي من البعثات التبشيرية المسيحية، وقد استخدم هؤلاء مدارسهم في مراحل متأخرة للدعوة إلى المسيحية بين المسلمين، وعليه فقد نظر البعض إلى التعليم الغربي باعتباره ردة عن الإسلام، وذهب البعض للقول إن كلمة بوكو هي تحريف لكلمة “كتاب” بالإنكليزية.

بوكو حرام تمارس ما اصطلح عليه بالإسلام السلفي والذي تعتبره الجماعة يبغض التعليم الغربي والعمل في الحكومة

وفي هذه الإطار يرى محمد عبدالكريم إلى أن أيديولوجية بوكو حرام متعمقة في ممارسة ما اصطلح عليه بالإسلام السلفي والذي تعتبره الجماعة يبغض التعليم الغربي والعمل في الحكومة. ويفسر ذلك سبب اشتهار الجماعة باسم بوكو حرام، وبأيّ حال فإن البيان المنسوب للمعلم ساني عمر القائم بأعمال زعيم الجماعة والصادر في أغسطس 2009 رفض هذا الوصف قائلا “لا تعني بوكو حرام بأي حال أن التعليم الغربي حرام كما تواصل وسائل الإعلام الملحدة الادعاء” وتفضل الجماعة أن يطلق عليها اسم جماعة أهل السنة للدعوة والجهاد.

ودائما وبالاستناد إلى دراسة عبدالكريم، فإنه وخلال سنوات الدكتاتورية العسكرية في نيجيريا فإن القضايا الملحة مثل انتهاكات حقوق الإنسان، وتفشي الظلم، والتهميش، عملت كقوة موحدة للمجموعات الدينية المختلفة. وكان للمسيحيين والمسلمين عدو مشترك يواجهونه؛ إذا أرادوا التحرر من القبضة الحديدية للدكتاتوريات العسكرية.

وبأي حال فقد كانت سلسلة القيادة العسكرية قادرة على إثارة العنف المرتبط بالدين. وعقب الموت المفاجئ لآخر طاغية عسكري نيجيري وهو ساني أباتشا في عام 1998، فإن أوليسجون أوباسانجو، وهو عسكري سابق، فاز بالانتخابات الرئاسية وأصبح حاكمًا ديمقراطيًا للبلاد. ولسوء الحظ فإن الديمقراطية الناشئة صاحبتها سنوات من التوترات الدينية التي تم قمعها لكنها تراكمت في النهاية في الحالة النفسية الجماعية للكثير من النيجيريين. وبهذا المعنى فإن غير المنتمين للجماعة اعتبروا كفارا أو فاسقين.

وشدد الباحث على أنه من المضلل الاعتقاد أن نيجيريا كانت دون مشكلات دينية قبل العقود الأخيرة. فقد كانت هناك، ولمدة قرون منذ دخول الإسلام ثم المسيحية إلى الإقليم الذي أصبح لاحقًا نيجيريا الحديثة، توترات بخصوص تفسيرات مفهوم العلاقة بين الدين والدولة

ونبّه إلى الأسباب التي جعلت قيام بوكو حرام يلاقى تأييدًا واسعًا، ولخصها في ما خلفه تطبيق الشريعة الإسلامية في ولاية زمفرا من طموح الشباب في تنفيذ ذلك بولاياتهم بشكل كلي وليس جزئيًا كما فعلت الكثير من الولايات وكذلك روح الانتقام التي أبدتها الأقلية المسيحية بشن هجمات في المناطق التي طبقت الشريعة الإسلامية، حيث مارست القتل وإحراق البيوت والمساجد والمراكز التجارية دون إدانة من لهم يد في إشعالها بعد إجراء التحقيقات. ولا شك أن هذه الجماعة حين عرضت نفسها كمدافع عن الإسلام والمسلمين ضدّ هذه الهجمة الوحشية فإنها وجدت نفوسًا متعاطفة متآزرة معها، وخاصة من قبل بسطاء المسلمين.

أسباب كثيرة أخرى تجعل جماعة بوكو حرام تلاقي تأييدا منها أن ما شهده شمال نيجيريا من صحوة دعوية تتسم بالتشدد والخروج عن المنهج الإسلامي الوسطي، وقد كانت منابر الدعاة تهتز دائمًا بالمحاضرات التي تدعو إلى البطولة والجهاد، فيهتف بعضهم بهتافات القاعدة، وكذلك تردي الوضع الاقتصادي وانتشار البطالة والفساد وغياب العدالة الاجتماعية، وتفشي الأمية والجهل بين أفراد الشعب، فأكثر من 50 في المئة من شعب نيجيريا يعيشون في الجهل دينيا وثقافيا حتى صارت المنابر يعلوها الشباب الذين ليست لديهم مؤهلات علمية إلا شهادة الثانوية، بل وليس دونهم من يستفتيهم البسطاء فيفتونهم بغير علم ويتعالون على العلماء.

السبب الذي لا يمكن تجاهله وراء تغول بوكو حرام، هو توظيف الانقسامات العرقية والطائفية من جانب بعض السياسيين من أجل الوصول إلى السلطة، وهو ما يعطي الفرصة للتيارات الدينية المتطرفة كي تنشط بقوة، على أساس أنها تدافع عن دينها وعقيدتها أو منطقتها، مثال ذلك ما حدث في ولاية نسراوا سنة 2008، من إغلاق المسيحيين الشارع الكبير من عاصمة الولاية إلى أبوجا وإخراج المسلمين من المواصلات وقتلهم ليس إلا إظهارا لغضب المرشح المنافس للمسلم الحاج “عبدالله علي أكوي”.

13