بوكو حرام وأجيال العنف الجديدة: بين الإرهاب المحلي والعابر للأوطان

يتسم تنظيم بوكو حرام بكونه من أخطر التنظيمات الجهادية التي لمع نجمها بسرعة عالميا بسبب وحشيتها وممارستها التي لا تمتثل لأبسط مقومات الإنسانية. وحشية جعلته محل أنظار المحللين والباحثين الذين يحاولون الوقوف على أهم نقاط قوته والأسباب التي أسهمت في انتشاره بتلك السرعة، والأخرى التي تحُول دون القضاء عليه إلى حدّ الآن.
الاثنين 2015/07/13
صدمة النيجيريين من عملية خطف الفتيات مازالت قائمة رغم مرور عام على الفاجعة

يطرح صعود تنظيم “بوكو حرام” السريع إلى الواجهة غموضا حول طبيعته الجهادية وسياق ميلاده ومساره وانتشاراته وتحالفاته، وممارسته لعنف عشوائي تجلّى في حرق قرى بأكملها وارتفاع عدد ضحايا الاغتيال والاختطاف التي تورط فيها إلى حوالي 21.302 شخص، منهم 7174 في ولاية بورنو النيجيرية لوحدها.

ويتسم هذا التنظيم بخصوصية مقارنة بالنسخ الأخرى المنتشرة حول العالم من أجيال العنف الجديدة، فهو يصنف من بين أخطر التنظيمات التي تتوفر على خطاب ديني شعبوي، وشبكات واسعة، وآليات تجنيد، وتمويل وتخف، وتكتيكات قتالية، وكل ما يلزم التنظيمات الجهادية في عمليات المواجهة في إطار حرب العصابات وسياسات الاستنزاف. ولا غرابة إذا كانت نيجيريا وتشاد والكاميرون والنيجر معا تواجه صعوبات كبيرة في تحجيم خطر هذه الحركة التي ربطت مصيرها بـ“داعش” وبنسخ تنظيماته في كلّ من ليبيا وتونس والجزائر ومصر ودول ساحل الصحراء.

الإطار الفكري والتنظيمي

انكشف مسار تنظيم “بوكو حرام” الوظيفي وهيكله التنظيمي منذ عام 2002 في ولاية بورنو (أقصى شمال شرق نيجيريا)، حيث قام باستقطاب دعوي يستهوي كسب العواطف والقلوب في تربة اجتماعية مهمشة وفقيرة ومحرومة، ثم تحوّل تدريجيا إلى التنديد بمظالم الحكومة المركزية لتأليب السكان عليها، ومن ثمة، الترويج إلى أنّ البديل الشرعي هو تطبيق الشريعة الإسلامية، سعيا منه لكسب الدعم من مسلمي نيجيريا.

وعلى المستوى التنظيمي، شكل محمد يوسف، زعيمه الروحي، مجلس شورى يتكون من 12 عضوا تحت رئاسته، وهو بمثابة مجلس تنفيذي، كما استطاع أن يحظى برعاية من، بوجي فوا، وزير الشؤون الدينية في ولاية بورنو حينها (2008-2003)، وكان جل أتباعه في البداية عبارة عن تلامذة يلتفون حول حلقات دروسه في مسجد إنديمي في مدينة مايدوغوري عاصمة ولاية بورنو، وكان من أبرز قياداته أبو بكر شيكاو وممان نور، ثم بابا غانا إسماعيل كواليجما الملقب “ابو سمية” الذي شارك في الهجوم على مكاتب الأمم المتحدة في أبوجا في عام 2011، وكذلك أمينو تسحين إلمي الذي أسس جماعة “طالبان” في قرى يوبا بالقرب من حدود النيجر في 2003.

20 ألف مقاتل تابع لبوكو حرام سنة 2015 حسب المركز الألماني للاستراتيجيات في برلين

وفضلا عن ذلك، استند التنظيم على هرمية مكونة من أمراء المقاطعات، وقيادات عسكرية، ومساعدين، مما يجعله أقرب إلى هرمية دولة “الخلافة” الحالية في العراق وسوريا. لكن بعد تصفية زعيمه في العام 2009، انشطرت الحركة إلى مجموعات صغيرة، بحيث وجد أبو بكر شيكاو صعوبة بالغة في فرض سلطته على جناح “الجهاد الأممي”، الذي يقوده كل من ممان نور وخالد البرناوي، اللّذين اختلفا معه في تبني أولوية “الجهاد القريب” وقتال المسلمين في نيجيريا، بينما كان شيكاو يريد التوسيع من الجهاد في كل مناطق الهوسا التي تقع شمال غرب نيجيريا، وقد اتّخذ من “التعليم الأجنبي حرام” (بوكو حرام) اسما جديدا للحركة وأصبح قائدها، مما شكل انعطافا في تحولها إلى منظمة إرهابية.

وقد استطاع التنظيم في عام 2014 أن يصعد إلى واجهة الأحداث على الرغم من الانقسامات التي طالته، وأن ينتعش في ظل وضعية سياسية مأزومة في شمال نيجيريا، فيما اتبع سياسة “الأرض المحروقة”، والاستيلاء على ممتلكات القرى والبلدات الصغيرة بالقوة، كما حصل في بلدة توربان غيدا على نهر كومادوغو الفاصل بين النيجر ونيجيريا في 17 فبراير 2015، ثم قام بتأسيس إمارة “غوزا”، القريبة من الحدود الكاميرونية، مسقط رأس، إبراهيم تادا نغالييك، أحد أبرز المقربين لمحمد يوسف، وأطلق عليها اسما جديدا هو “بيت الحكمة”، بيد أنّ ثمّة غموضا واضحا يلف بالمناطق التي تخضع لإدارة الحركة، وهي ممنوعة على الصحفيين.

وبالمقابل، أعلنت الحكومة النيجيرية حالة طوارئ في ثلاث مناطق، سعيا منها لاسترداد سلطتها من المتمردين، وبين شهري يناير ويوليو 2012، عمّمت حالة طوارئ في 15 قرية سيطرت عليها الحركة، ومنذ ماي 2013 تم توسيع حالة الطوارئ لكي تشمل ثلاث ولايات في شمال شرق نيجيريا؛ بورنو، يوبا وأداماوا.

واستطاعت الحركة تجنيد شباب يتحلق حول تجمعات “فتوة” (يطلق عليها فادا)، واستعانت بعصابات “إيكوموغ” التي تمّ تجنيدها سابقا لمساندة علي مودو شريف، حاكم ولاية بورنو للفوز في الانتخابات الجهوية في 2003 و2007. كما استطاعت تجنيد صيادين في بحيرة تشاد الذين قاموا بنشر شريط مصور لقتل مربيي أغنام قادمين من تشاد في سبتمبر 2014، وشاركوا بقوة في الهجوم على دماسق وغيدام في نيجيريا في نوفمبر وديسمبر 2014، ثم قاموا بتفجير انتحاري في سوق ديفَا في النيجر في شهر يناير 2015 انتقاما للضرر الذي لحق بهم.

ويتميز التنظيم كذلك بقدرته على توظيف الانتماءات القبلية والعشائرية وعلاقات النسب والدم في الانتقام من القوات العسكرية، واستغلال التهميش المسلط على شباب كانوري في ولايتي بورنو ويوب، مما دفع أعدادا كبيرة منهم للالتحاق بصفوف الحركة بحثا عن الحماية ورد الاعتبار وفرض الاحترام، أو خوفا من حملات انتقام الجيش عندما يتهم أقرباءهم بالانتماء إلى حركة بوكو حرام.

وعلى الرغم من القمع الشديد الذي سلط على الحركة في 2009، وتعرض مجلس الشورى إلى هجوم ساحق في عام 2013، أدى إلى مقتل قياداته مثل حبيبو يوسف السلفي، وأبو بكر يولا الملقب “أبوجهاد”، ومومودو باما، ومحمد زنغيزنا المسؤول الرئيسي عن التفجيرات الانتحارية، فإن الحركة فتحت أبوابها لقطاع طرق من تشاد ومن دارفور، وأغرتهم بمغامرات الإغارة والكسب السريع تحت قيادة أبو بكر شيكاو.

ونظرا لتوسع الحركة في القيام بانتقامات عشوائية وجنونية في محيطها الجغرافي، تشكل تحالف إقليمي في بداية 2015، يحاول تضييق الخناق عليها من جميع الحدود، وتشارك فيه قوات تشادية ونيجيرية وكاميرونية في الشمال والشرق من ناحية، فيما تضطلع القوات النيجيرية بمتابعة فلوله في الغرب والجنوب من ناحية أخرى.

لكن الحركة فاجأت كل المراقبين بقدرتها على القيام بعمليات في الكاميرون والنيجر، ثم أخيرا بتفجيرات انتحارية في قلب العاصمة التشادية في يونيو 2015.

الحاضنة ومصادر التمويل

الثابت أنّ استمرار حركة عنف متمردة وتمتعها بمقومات البقاء والتأقلم، لا يكفيها مجرد تكفير من لا يعتنق فكرها أو من يُعاديها سرا أو جهارا، فغالبا ما تلجأ كل تنظيمات العنف المسلح الإسلامية إلى ترويج تصور نظري وتصور فعلي على مسرح الأحداث، وخاصة من خلال تجنيد المهمشين والناقمين والشباب الضائع. أما على المستوى النظري، فهي تبذل جهودا في نشر ثقافة رافضة تستهوي عقول الشباب باللجوء إلى اختزال التوحيد في الثورة ضد السلطات الدنيوية وتصويرها مغتصبة لشرع وحاكمية الله، وبالتالي لا يجوز لها موالاة المجتمعات وعلى رأسها الأنظمة الكافرة.

بات بوسع التنظيم أن يشن هجمات على نطاق جغرافي واسع في الكاميرون والنيجر وتشاد بعد عام 2013

لذلك، لا يمكن تجاهل الديناميات الاجتماعية التي تفرز فيروسات العنف الجهادي، وتعمل على استشرائها في جسد المجتمع لنشر أورام خبيثة تصيبه في مقتل، وخاصة في ظلّ وجود قرابة 300 ألف مواطن نيجيري تلقوا بطريقة أو بأخرى تعاليم كانت تنقل لهم عبر تلفزيون ولاية بورنو، أو بسبب توزيعها في المساجد والأسواق عبر أقراص مضغوطة أو أقراص ممغنطة، ويضاف إلى ذلك ما بين 3000 و5000 طالب تلقوا دروسا على يد زعيمه الروحي. أّما على مستوى الأجهزة الأمنية النيجيرية، فهي قدرت عدد مقاتلي الحركة ما بين 500 و1000 مقاتل في 2012، ثم وصلوا إلى 4 آلاف في 2013، وفي العام الموالي، رجحت بلوغهم إلى حوالي 10 آلاف مقاتل، فيما يقدر المركز الألماني للاستراتيجيات في برلين بأن عددهم وصل في عام 2015 إلى 20 ألف مقاتل، وهو ما يعني أن كل التدابير التي اتخذتها السلطات النيجيرية باءت بالفشل.

ويتضح أنه منذ إعلان حالة الطوارئ في عام 2012، ارتفعت هجمات التنظيم كما وكيفا، بل ازدادت منذ عام 2013 بشكل ملحوظ، وبات بوسع التنظيم شن هجمات على نطاق جغرافي واسع في الكاميرون والنيجر وتشاد في عامي 2014 و2015، وأن يمتد إلى الحدود النيجيرية الليبية والتنسيق مع كبار شخصيات الجماعات الإسلامية في الصحراء الفاصلة بين النيجر وليبيا، مما يضع على المحك استراتيجية هذه البلدان في مواجهته، حيث استطاع تجديد مجلس الشورى التابع له، فيما استفاد من عنف قوات الأمن النيجيرية وتجاوزاتها، واستثمرها لصالحه باستثارة امتعاض السكان لثنيهم عن التعاون معها.

وقد استغل حصار الحكومة على منطقة ديفّا ومنعها بيع أسماك بحيرة تشاد، لكي يدفع الصيادين والمزارعين للالتحاق به للحصول على موارد مالية تؤمن لهم العيش، بعدما انسدت أبواب الهجرة إلى ليبيا، وتمّ إقفال الحدود بين نيجيريا والنيجر في عام 2012، فضلا عن إغلاق أسواق شمال ولاية بورنو التي أدت إلى شلل اقتصادي تام في منطقة ديفّا. إذ كان من اللافت للنظر لجوء الحكومة النيجيرية السابقة إلى انتقامات رهيبة، حيث قامت بإغراق المزارع بفتح مياه سد تيغا، وهو ما نجم عنه تدمير محاصيلهم كما حدث في 2010 و2011، مما يكشف عن التخبط الكبير في الرؤية، فضلا عن ضعف التنسيق بين قوات نيجيريا وتشاد والكاميرون والنيجر.

التنظيم المتطرف أحرق قرى بأكملها

لجأ تنظيم “بوكو حرام” في البداية إلى نهب مستودعات سلاح وذخيرة الجيش النيجيري، ثم شراء أسلحة من سوق التهريب. وبالقياس إلى طبيعة الهجومات التي يقوم بها مقاتلوه، فهم يستعملون الدراجات النارية المسروقة من مستودعات دماسك بالقرب من حدود النيجر أو السيارات رباعية الدفع ومدرعات تم الاستيلاء عليها.

ومن المعروف أيضا أنّ التنظيم يجمع في السابق هبات في المساجد ومساعدة رجال أعمال وتجار محليين في شمال البلاد أو من النيجر، مما مكن محمد يوسف من جمع حوالي نصف مليون يورو، واستثمارها في مقاولات صغيرة، شملت قطاعات الزراعة و التجارة والنقل عبر الاستثمار في مشروع الدراجات الشهيرة باسم “أوكادا” أو “اشابا”، والتي ما زالت تدر دخلا قارا على ورثته إلى حدّ الآن. كما حصل تنظيمه على عدة مساعدات مالية من طرف الطبقة السياسية المحلية. وكان من المعروف تعاطف علي مودو شريف، حاكم الولاية المثير للجدل مع التنظيم، طمعا في الحصول على أصوات أنصاره في الانتخابات الجهوية. أما في الولايات الثماني الأخرى، فكان حكامها يفضلون دفع إتاوات للحركة لتجنب وقوع هجومات عليهم. كما استباح تنظيم” بوكو حرام” مهاجمة البنوك بحجة أنها تستعمل الربا، ثم حصل على تعويضات من الدولة، حيث قدم الرئيس أوبسنجو الأسبق في سبتمبر 2011، حوالي 100 مليون نايرا (حوالي نصف مليون يورو) إلى ضحايا قمع الجيش، شملت 35 بالمئة منها عائلة محمد يوسف، وحوالي 40 بلمئة بالنسبة لصهره، و25 بالمئة لورثة بوجي فو، وزير الشؤون الدينية في الولاية سابقا.

وبعد إعلان التنظيم عن مبايعته للبغدادي، فتحت أمامه إمكانية كبرى للتنسيق مع شبكاته والتعاون مع تنظيماته المحلية في تهريب الأسلحة، والتحكم في طرق تهريب البشر، وفرض ضرائب على تجارة المخدرات مع شبكات دواعش ليبيا وأنصار الشريعة في الحدود التونسية وجند الخلافة في الجزائر وتنظيم “المرابطون” في شمال مالي وتشاد وفلوله في النيجر، حيث تبقى العقوبات المالية دون أي أثر يذكر، ومجرد عبث يمارس في حقّ تنظيم لا يمتلك أعضاؤه أي حسابات بنكية، مما يوحي بأن انتصاراته العسكرية ترجع في كثير من أسبابها إلى تخبط السياسة النيجيرية.

باحث جامعي في مركز أنظمة الفكر المعاصر بجامعة السوربون

6