بوكيمون غو تفتح الباب لتقنية جديدة بعد غزوها العالم

السبت 2016/07/16
الواقع المعزز عالم آخر يختلف عن العالم الافتراضي

إسطنبول - يثير الانتشار الواسع للعبة بوكيمون غو هذه الأيام على الهواتف الذكية في عدد كبير من دول العالم، أسئلة مثيرة تتجاوز فكرة اللعب من أجل المتعة، لتصل إلى محاولة تفسير علاقة المستخدمين بكل ما ينتمي إلى العالم الافتراضي أو الواقع المعزّز، بوصفهما الصيغتان اللتان تتقدم من خلالهما التقنيات الإلكترونية الحديثة في العقل البشري، وبما يجعلها حاضرة ليس في الاستخدامات المحدودة المعتادة عبر التطبيقات، بل في صميم التفكير بعالمنا المستقبلي.

بوكيمون غو، وبالتعريف المختصر هي النسخة الأولى المخصصة للهواتف الذكية من لعبة بوكيمون الشهيرة. وقد تم طرح أول تصوّر للعبة بشكلها الحالي من قبل ساتورو إواتا المدير التنفيذي لشركة نينتندو اليابانية الرائدة على مستوى العالم في مجال الألعاب الإلكترونية، والذي توفّي العام الماضي، قبل أن يتم الإعلان عن اللعبة، بسبب خضوعه لعملية جراحية لاستئصال ورم في القناة الصفراوية لم تكلل بالنجاح.

تم إطلاق اللعبة رسمياً في بداية شهر يوليو الحالي من قبل شركتي نينتندو ونيانتيك عبر تطبيق للهواتف الذكية يتم تحميله من خلال غوغل بلاي لمستخدمي نظام أندرويد، وآب ستور لمستخدمي نظام آي أو إس، في ثلاثة بلدان هي أستراليا ونيوزلاندا والولايات المتحدة الأميركية.

لكن عمليات تنزيل التطبيق خرجت عن السيطرة حيث قام الملايين من المستخدمين بمحاولة الحصول على التطبيق عبر الاحتيال على تحديد مكان دخول المستخدم. حيث تجاوزت زيارات تطبيق هذه اللعبة من خارج أميركا في 5 يوليو 600 ألف زيارة، لتتجاوز 4 ملايين زيارة في اليوم التالي.

هذا الأمر أدى إلى حدوث مشكلة في خوادم التحميل، برزت من خلال رسائل خطأ ظهرت للمستخدمين أثناء التحميل وخلال وقت لعبها أيضاً، ما جعل شركة نيانتيك التابعة لغوغل تقرر تأجيل إطلاق اللعبة في أوروبا، وفي عدة بقاع من العالم، حتى توفر الإمكانيات لضمان تشغيل اللعبة والاستمتاع بها بشكل صحيح، وعدم مواجهة المستخدمين أيّ مشكلات. وفي هذا الصدد قال جون هانك الرئيس التنفيذي لشركة نيانتيك إنه توقع نجاح اللعبة واهتمام المستخدمين بها ولكنه لم يتوقع هذا الهوس الجنوني بها.

تفوق اللعبة

أشارت الأرقام التي أظهرتها بيانات صادرة عن شركة الأبحاث والإحصائيات سميلار ويب إلى تفوق اللعبة من حيث عدد مرات التثبيت التي قام بها مُستخدمو أجهزة أندرويد في الولايات المُتحدة الأميركية على عدد مرات تثبيت تطبيق التعارف تيندر. وذلك خلال يومين فقط من إطلاق اللعبة بشكل رسمي في أميركا.

تنزيلات بوكيمون غو خرجت عن السيطرة، حين قام الملايين من المستخدمين بمحاولة الحصول على التطبيق عبر الاحتيال على تحديد مكان دخول المستخدم. فتجاوزت زيارات تطبيق هذه اللعبة من خارج أميركا في 5 يوليو 600 ألف زيارة، لتتجاوز 4 ملايين زيارة في اليوم التالي، ما أدى إلى حدوث مشكلة في خوادم التحميل، برزت من خلال رسائل خطأ ظهرت للمستخدمين أثناء التحميل وخلال وقت لعبها أيضا

وتم تثبيت اللعبة على ما نسبته 5.16 بالمئة من مُجمل هواتف أندرويد العاملة في الولايات المتحدة الأميركية، وتزيد هذه النسبة بمقدار 2 بالمئة عن عدد الهواتف التي تحتوي على تطبيق تيندر الخاص بالتعارف. كما أظهرت الأرقام أن المُستخدمين الذين لعبوا بوكيمون غو في الولايات المتحدة، سجلوا معدلاً زمنياً أعلى بالمقارنة مع المعدل الذي يتم فيه استعمال تطبيقات أخرى يومياً مثل تطبيق المراسلة واتس أب، وتطبيقا مشاركة الصور والفيديو أنستغرام وسناب شات.

الهوس الطفولي بالبحث عن الأسرار، لم يعد مجرد تفصيل في ذاكرة أولئك الذين عاشوا هذه الحالة في طفولتهم، بل إنه بات مسألة حاضرة في عوالم أطفال شعوب العالم منذ أن قام مصمم الألعاب الإلكترونية الياباني ساتوشي تاجيري بوضع فكرة لعبة بوكيمون التي أطلقتها شركة نينتندو في العام 1995، حيث حققت انتشاراً واسعاً، لتتحول بعد سنتين إلى مسلسل كارتوني للأطفال، ولتتالى بعدها عمليات استثمار شخصيات اللعبة في التلفزيون وفي السينما.

الفكرة الصغيرة في رأس ساتوشي مصمم اللعبة كانت تنطلق من حياته الشخصية، فقد عاش في إحدى ضواحي طوكيو، وكان يلهو في طفولته عبر جمع الحشرات من الطبيعة المحيطة بمكان سكنه. ولكن التطور العمراني قضى على هذه الغابات، ما جعله يشعر بالحزن على عدم قدرة الأطفال من الأجيال الجديدة على ممارسة نفس هوايته، فقرر أن يصنع بديلاً لهم عن ذلك الواقع الحقيقي، الذي بات جزءاً من الذاكرة بعد فنائه.

قام ساتوشي بتصميم لعبة بوكيمون التي تنبني على فرضية أن العالم تغزوه أعداد كبيرة من حشرات قادمة من الفضاء تحمل أشكالاً غريبة، وأن على الإنسان القيام بالتقاط هذه الكائنات والسيطرة عليها، وإدخالها في منافسات مع اللاعبين.

انتشار اللعبة بين الأطفال عبر جهاز غيم بوي، بالإضافة إلى السلاسل التلفزيونية والأفلام، والنسخ المحدثة منها، والإقبال الدائم عليها، أبقى لها مساحة مرموقة في سوق الألعاب الإلكترونية، فقد وصلت إلى نسختها السادسة وأصبح عدد البوكيمونات في هذا الجيل 718 بوكيمونا.

وقد ظلت هذه اللعبة بعيدة عن عالم الهواتف الذكية تبعاً لسياسة نينتندو التي بقيت خارج سوق المنافسة في هذا القطاع حتى عام 2015، عندما أعلنت عن تغيير استراتيجيتها وتوجّهها إلى الدخول فيه بعد تحالفها مع شركة “دي إي إن إيه” المتخصصة بالهواتف الذكية.

عملية الدمج التي يصنعها الواقع المعزز، تذهب إلى كسر الواقع الافتراضي التقليدي، والبناء على الواقع الحقيقي، أي أنها تميل وبشكل واضح إلى بناء علاقة تفاعلية من نمط ما بين الاثنين.

وبدأت الشركة بضخ أول منتجاتها في الشهر الثالث من هذا العام 2016 عبر لعبتها الاجتماعية ميتومو التي اعتمدت فيها على نمط العلاقات السائدة في شبكات التواصل الاجتماعي، ولا سيما تفاعل المستخدم مع شبكة أصدقائه. ولكن إطلاق الشركة للعبة بوكيمون غو، التي تستعيد من خلالها إرث اللعبة الشهيرة عبر تقنيات جديدة، شكّل بداية حقيقية مختلفة لتواجدها في هذا القطاع، حيث تقول الأرقام إن قيمة أسهمها ارتفعت بعد انتشار اللعبة بمقدار 10 بالمئة مضيفة إلى قيمتها السوقية مبلغ سبعة مليارات ونصف المليار دولار.

وبحسب وكالة رويترز فإن شهية شركة نينتندو قد انفتحت، إذ وعدت المستخدمين بإطلاق أربع ألعاب أخرى على الهواتف المحمولة خلال العام المالي الحالي، الذي ينتهي بنهاية مارس المقبل.

بنيت اللعبة في نسختها الراهنة على نفس الجذر الذي عرفه العالم في نسخها السابقة، أي صيد البوكيمون، ولكن هذه النسخة ليست مجرد لعبة إلكترونية عادية. بل إنها صنعت من خلال إضافات مهمّة تقوم على دمج العالم الافتراضي بالواقع الحقيقي، وهو ما اصطلح على تسميته بالواقع المعزز، الذي يختلف عن العالم الافتراضي، فبينما يقوم هذا الأخير على جعل المستخدم منفصلاً عن الواقع الحقيقي الذي يعيش فيه، عبر خلق عالم مواز له يتواجد عبر الأجهزة التقنية، يذهب الواقع المعزز على ضخ العناصر الافتراضية في العالم الواقعي ذاته الذي يعيشه المستخدم. ولكن كيف يحدث هذا في لعبة بوكيمون غو؟

عناصر الواقع المعزز

يقوم المستخدم بتنزيل التطبيق على جهازه الذكي، حيث يطلب منه الموافقة على استخدام الكاميرا، بالإضافة إلى خدمة تحديد الموقع، وحال الموافقة على ذلك فإن آلية اللعبة تقوم على تجوال اللاعب في خرائط المكان الذي يعيش فيه هو ذاته، حيث سيتمكن من مشاهدة البوكيمون في بعض الأمكنة التي يمر فيها، وحال مشاهدته لها من خلال الكاميرا، فإن عليه رميها بالكرات الحمراء من أجل السيطرة عليها.

وبناء على هذا المخطط الأولي للعب، يمكن إدراك عملية الدمج التي يصنعها الواقع المعزز، فهي تذهب إلى كسر الواقع الافتراضي التقليدي، والبناء على الواقع الحقيقي، أي أنا تميل وبشكل واضح إلى بناء علاقة تفاعلية من نمط ما بين الاثنين.

بوكيمون وذهنية التحريم
الانتشار الراهن للعبة بوكيمون غو يعيد إلى الأذهان تلك الضجة التي أثيرت حول اللعبة ومسلسلات الكرتون الخاصة بها في بدايات الألفية الجديدة، والتي كانت فتاوى التحريم هي البطل الرئيس فيها، فقد أصدر عدد من علماء الدين في المنطقة العربية آنذاك فتاوى حرمت اللعبة مستندين في ذلك إلى ما رأوا فيها من وجود “القمار والميسر” و“تبنيها لنظرية النشوء والارتقاء” بالإضافة إلى “اشتمالها على رموز وشعارات لديانات ومنظمات منحرفة”. ولكن هل ستصمد هذه الفتاوى في أيامنا هذه أمام هوس المستخدمين؟

وقد أثبتت الأخبار المنقولة عن تجارب المستخدمين في الأيام السابقة أن هؤلاء اندفعوا وبشكل كامل إلى الاستجابة لمتطلبات اللعبة، ولا سيما تلك الخاصة بالتجوال في المكان، ولكن هذا السياق الجديد في نمط الألعاب يبدو غير مسبوق، لا من جهة المستخدمين، ولا من جهة العالم الواقعي ذاته.

وقد أوضحت بعض الأخبار عن حوادث سببتها اللعبة أن هوس البحث عن البوكيمون سيؤدي إلى بعض الحوادث الخطيرة غير المتوقعة، كقيام عصابات من قطاع الطرق في ولاية ميزوري الأميركية استخدام بعض ميزات اللعبة الخاصة بتحديد الموقع الجغرافي للإيقاع ببعض المهووسين بصيد البوكيمون والاعتداء عليهم بهدف سلبهم ما يملكون. وكذلك قيام البعض باقتحام أمكنة محظورة بعد أن توصلوا إلى وجود بوكيمون فيها، وغير ذلك من الحوادث التي تم الحديث عنها طيلة الأيام السابقة.

هل العالم مستعد

وقد كان لانتشار اللعبة في مصر خلال الأيام السابقة مفاعيل واضحة في الإعلام المصري، حيث نشر البعض نصائح للاعبي البوكيمون غو، تدعوهم لاتخاذ أقصى درجات الحيطة والحذر حيال احتمال وجود البوكيمون في مقرّات أمنية، ما سيؤدي إلى اعتقال اللاعبين في حال اقتربوا منها أثناء عملية الصيد، وبالتأكيد لم يخلُ المشهد المصري من إطلاق النكات التي تسخر من هوس اللاعبين بهذه اللعبة الجديدة، وهو ما يمكن متابعته عبر البحث من خلال هاشتاغ اللعبة على شبكة تويتر.

لكن وبعد متابعة كل هذه التفاصيل يبقى السؤال قائماً حول أسباب الهوس الكبير باللعبة. الباحث التقني أنس معراوي الذي بادر إلى إصدار دليل كامل لكيفية لعب بوكيمون غو، أجاب “العرب” عن هذا الأمر بالقول “الهوس ببوكيمون غو يعود لسببين، الأول يعود إلى الشهرة الكبيرة التي حققتها سلسلة البوكيمون عندما انتشرت كمسلسل كرتوني، والسبب الثاني يأتي من اعتمادها على تقنية الواقع المُعزّز التي تربط العالم الحقيقي بالعالم الافتراضي، وهذا النوع من التكنولوجيا أتى مناسباً تماماً لفكرة اللعبة التي تعتمد على صيد البوكيمونات وتجميعها على أرض الواقع، فعلى اللاعب أن يمشي مسافات طويلة ليبحث عن البوكيمونات ويتبع سلسلة الإجراءات المطلوبة للنجاح في اللعب”.

ورغم أن العديد من المتابعين حاولوا تقديم تفسيرات تتعلق بظاهرة العدوى بين المستخدمين، والتي ترتبط بالدعاية والتسويق، إلا أن فكرة الواقع المعزّز تبدو هي الأكثر دقة، خاصة وأن عموم المستخدمين الذين يعيشون في العالم الافتراضي من خلال تطبيقات هواتفهم الذكية، يجدون أنفسهم وللمرة الأولى في حالة تدمج بين عالمهم الطبيعي الواقعي وبين العالم الافتراضي، ضمن صيغة ممتعة ومحفزة مبنية على التنافسية، ولكن هل استعدّت دول العالم لمثل هذه الظاهرة؟ وهل يمكن للقوانين والأنظمة التي تركز على السلامة العامة أن تحافظ على حياة المستخدمين الذين سيقومون بالبحث عن البوكيمونات واللحاق بها في أمكنة خطرة وغريبة؟ وبالأصل هل لاحظ مصممو اللعبة أن الخرائط التي سيتحرك بها اللاعبون وهي خرائط حركتهم في أمكنتهم، لا تسمح لهم دائماً بأن يتحركوا بحرية كاملة؟

مازال الوقت مبكراً لتقديم الإجابات طالما أن جميع من يستخدمون بوكيمون غو مازالوا في صدمة مغامرة الصيد.

14