بولندا عين جديدة على الشرق الأوسط

الجمعة 2014/05/23
ترغب بولندا في تصدير تجربتها في التحول السياسي إلى دول "الربيع العربي"

القاهرة - سلط المركز الإقليمي للدراسات الاستراتيجية، نقلا عن دراسة للمعهد البولندي للشؤون الدولية، الضوء على بروز دور بولندا ومسار سياستها الخارجية في اتجاه الشرق الأوسط، حيث تحاول الظهور كفاعل مؤثر على الساحة الدولية.

في ظل بروز الولايات المتحدة الأميركية وروسيا كقوتين عظمتين تتصارعان من أجل الاستحواذ على أكبر قدر من النفوذ في العالم، انطلاقا من الشرق الأوسط المنطقة الأكثر توترا على الساحة الدولية، تظهر بولندا البلد السوفيتي سابقا والأوروبي حاليا، في موقع غير بعيد عن تلك الصراعات متخذة مسارا خاصا بها في نظرتها إلى الشرق الأوسط.

لم تتطرق الدراسات إلى الاهتمام البولندي المتصاعد مع القضايا والأزمات السياسية في الشرق الأوسط، خاصة مع توجه أنظار الجميع مؤخرا إلى الترويج لقدوم نذر حرب باردة جديدة بين أميركا وروسيا القطبين المؤثرين على الساحة الدولية مع اشتعال الأزمة في أوكرانيا وروسيا ولعب كل من الطرفين دورا خاصا بمصالحه الاستراتيجية في تلك المناطق.

ويأتي اهتمام بولندا بالشرق الأوسط في إطار مساعيها إلى تحقيق أهدافها على المستوى الدولي ككل، ولا يتعلق بمصالح بولندا في إقليم الشرق الأوسط نفسه، حيث لا تزال الأخيرة محدودة إلى حد كبير، وفق “باتريشيا ساسنال” مديرة قسم دراسات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المعهد البولندي للشؤون الدولية.


التوجه نحو الشرق الأوسط


كانت بولندا تتمتع بعلاقات جيدة جدًّا مع الدول العربية في المرحلة التي سبقت التحول الديمقراطي. لكن التوجه إلى أوروبا وتحقيق الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي ثم حلف الناتو، استغرق السياسة الخارجية البولندية بشكل كامل منذ أوائل التسعينيات من القرن الماضي الذي قلص بشكل كبير علاقاتها بالعالم العربي.

وتشير الباحثة في الدراسة، التي حملت عنوان “بولندا واهتمام جديد بمنطقة الشرق الأوسط”، إلى أن الاهتمام البولندي بالشرق الأوسط بدأ يتصاعد بعد انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي ومشاركتها في حرب العراق عام 2003، حيث بدأت العلاقات البولندية العربية تأخذ منعطفًا جديدًا في اتجاه أكبر من التقارب بعد عام 2004.

ووفق الدراسة فإن اهتمام بولندا بالشرق الأوسط يأتي انطلاقًا من رؤيتها لنفسها كدولة كبيرة ونشطة على الساحة الأوروبية، إلى جانب سعيها إلى تكوين شراكات جديدة على الساحة الدولية لتحقيق أهداف تنويع مصادر الطاقة وجذب الاستثمارات.

أصبح الاقتصاد هو المدخل الرئيسي للعلاقات البولندية بدول غير أوروبية، بما يتضمن تنويع مصادر الطاقة، والبحث عن مصادر للاستثمار الأجنبي خاصةً دول مجلس التعاون الخليجي، وتوسيع مجالها التجاري، حيث تطمح إلى أن تصبح مركزًا للتبادل التجاري بين دول شرق ووسط أوروبا ودول الخليج من جهة، ودورها سياسيا في دعمها للتحولات السياسية ونقل خبراتها عن المراحل الانتقالية إلى دول شمال أفريقيا التي اجتاحتها موجة ما سمي “بالربيع العربي”.

أدركت الحكومة البولندية، أن طبيعة التغيرات السياسة في كل من مصر وتونس تتشابه مع ما مرت به منذ أكثر من عقدين، وتكمن الفكرة في أن بولندا، بوصفها إحدى الدول التي كانت شيوعية وعصفت بها اضطرابات اجتماعية واقتصادية وسياسية ضخمة خلال التسعينات من القرن الماضي، يمكنها مشاركة أفكارها مع القوى السياسية الناشئة في منطقة الشرق الأوسط.

ومع ترؤسها للاتحاد الأوروبي في 2011 عملت وارسو على تعديل سياساتها الخارجية لتستجيب للتحولات في الدول المتوسطية، إلى جانب تعديل أجندة عمل الاتحاد الأوروبي، وتجندت السلطات ومراكز الفكر البولندية، ومنظمات المجتمع المدني للترويج لتجربة التحول الديمقراطي في بولندا، حيث تمت زيارات لكل من مصر وتونس من قبل برلمانيين ورموز بولندية قادت عملية التغيير الديمقراطي، بالإضافة إلى بعض المسؤولين.

وقد لاقت هذه الجهود استجابة من مصر التي أرسلت وفودًا إلى بولندا بهدف إعداد تقارير عن التجربة البولندية وأوجه الاستفادة منها في الحالة المصرية. وقد بات جليًّا أنه على الرغم من اختلاف الحالة المصرية عن مثيلتها البولندية، فإن مصر كانت تحاول أن تستفيد من تجارب دول وسط أوروبا، وهو ما شجع الحكومة البولندية أكثر على المضي قدمًا في هذه المبادرة.

دونالد تاسك: القوى العسكرية لبولندا أجهدت في أفغانستان وقبلها في العراق

تلا ذلك العديد من الزيارات الثنائية المتبادلة، ففي يوليو 2011، زار وزير التنمية الإقليمية التونسي بولندا للتعرُّف على عملية التحول الإقليمي ونتائجه أكثر، وفي سبتمبر من العام نفسه، زار وزير الخارجية المصري وارسو، ثم في أكتوبر، حضر 15 ممثلاً من مصر، وتونس وليبيا عملية الانتخابات البرلمانية البولندية، كما نفذت وزارة الخارجية البولندية برنامجًا تدريبيًّا متخصصًا عن مرحلة التحول الديمقراطي تحت اسم SENSE في نوفمبر 2011، شاركت فيه مجموعة من التونسيين.

أولت الحكومة البولندية تونس اهتمامًا خاصًّا، بناءً على تقدير براغماتي بأن تونس دولة صغيرة، ولذلك فإن تأثير الموارد المحدودة المتاحة سيكون له تأثير أكبر فيها، مقارنةً بقدرة هذه الموارد على التأثير في دولة أكبر مثل مصر، رغم قوة العلاقات التاريخية لبولندا معها.

وجدت بولندا أيضًا أنه يوجد العديد من التشابهات الخاصة بالمرحلة الانتقالية بينها وبين تونس، على سبيل المثال في ما يتعلق بدور النقابات العمالية، وتفتُّت المشهد السياسي، والتوزيع غير العادل للتنمية بين مختلف الأقاليم داخل الدولة.

أما بالنسبة إلى ليبيا، فقد قررت بولندا عدم المشاركة في تدخل الناتو العسكري ضد نظام القذافي، خلافًا لما توقعته دول غربية تأسيسًا على مشاركة بولندا في ما يتعلق بأفغانستان والعراق.

وقد جاء القرار البولندي تنفيذًا للقواعد الجديدة للحكومة البولندية في ما يتعلق بتوظيف القوى الحربية خارج حدودها، وقالت بولندا عضو حلف شمال الأطلسي، الذي أرسل جنودا إلى العراق ونشر 2600 جندي في أفغانستان، “إنه لا مصالح وطنية أو مصالح تتعلق بأمن الحلف معرضة للخطر في ليبيا”، حيث أوضح رئيس الوزراء البولندي دونالد تاسك أن بولندا لن تقوم بأي عمل عسكري إلا في حالة وجود تهديد لعضو من أعضاء حلف الناتو أو للأمن البولندي بشكل مباشر أو غير مباشر.

ووفقًا لرئيس الوزراء البولندي، فإن الطاقات والقوى العسكرية لبولندا قد أُجهِدت بعد مهامها في أفغانستان وقبلها في العراق، ولذا لم يُرحب الشعب البولندي بهذا التدخل، كما أن الحكومة البولندية لم تكن على قناعة بأن هذا التدخل ضروري.

وفي ما يتعلق بالأزمة السورية فقد كانت السياسة الخارجية البولندية متحفظة تجاه تصاعد الأحداث فيها، حيث لم توافق وارسو على قرار الاتحاد الأوروبي برفع الحظر على توريد السلاح إلا في عام 2013، من أجل دعم قوات المعارضة السورية، كما أعلنت أنها لن تشارك في أي عمل عسكري ضد سوريا بعد تفجر أزمة استخدام النظام الأسلحة الكيميائية في 21 أغسطس 2013، وحاولت التوصل إلى حلول دبلوماسية، أقل خطورة وتكلفة.

بولندا تركز موقعها على خارطة العالم بالتوجه نحو الشرق الأوسط وشمال أفريقيا


تغيير في السياسة الخارجية


بما تقدم من معطيات يرى الخبراء أن التطورات التي حدثت في الدول العربية لم تؤد إلا إلى تغيير طفيف في السياسة الخارجية البولندية تجاه العالم العربي، ففي ورقة “أولويات السياسة الخارجية البولندية (2012-2016)”، التي تتكون من 29 صفحة، لم يأتِ ذكر المنطقة إلا في فقرة واحدة وهي:

“نشطت بولندا عقب التحولات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وهي راغبة في مشاركة تجربتها في التحول الديمقراطي مع دول المنطقة، كما تساند الجهود الساعية إلى التحديث والتحول الديمقراطي في كل من تونس ومصر وليبيا. ستستمر بولندا في دعمها جهود المجتمع الدولي الساعية إلى إيجاد حل متكامل للصراع العربي الإسرائيلي، قائم على حل الدولتين، الذي يحظى بموافقة طرفي النزاع، بالإضافة إلى أعضاء اللجنة الرباعية“.

وتخلص الباحثة بالمعهد البولندي للشؤون الدولية إلى أن النقاط الهامة المرتبطة بالسياسة الخارجية لبولندا في الشرق الأوسط تتمحور في أن بولندا تربط عملية التحول في العالم العربي وعلاقتها به بتجربتها السياسية التي عاشتها بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وفي هذا الصدد تعطي بولندا أولوية لدول شمال أفريقيا.

كما أصبح العالم العربي يحتل أولوية في السياسة الخارجية البولندية، مع اهتمام خاص بدول مجلس التعاون الخليجي، التي تسعى بولندا إلى تقوية الراوبط السياسية والاقتصادية معها، وعليه، فإن بولندا لم تصبح لاعبًا مهمًّا فقط على الساحة الأوروبية، بل شريكًا نشطًا أيضًا في منطقة الشرق الأوسط.

6