بومبيو يتراجع عن فتح الملف الفلسطيني خلال زيارته للمغرب

وزير الخارجية الأميركي ناقش مع نظيره المغربي العلاقات الثنائية بين البلدين بالإضافة إلى مواضيع مكافحة الإرهاب في أفريقيا.
السبت 2019/12/07
تعثّر المحادثات

الرباط – تفاجأ مراقبون ومهتمون بالشؤون الأميركية- المغربية، بالتغيير في أجندة وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، الذي لم يمكث بالمغرب سوى أقل من أربع وعشرين ساعة، بعدما كان من المقرر أن يمكث يومين، وإلغاء اللقاء الذي كان منتظرا أن يجمعه بالعاهل المغربي الملك محمد السادس.

وكان وزير الخارجية الأميركي وصل إلى العاصمة الرباط مساء الخميس، عقد على إثر ذلك مباحثات مع نظيره ناصر بوريطة ومع رئيس الحكومة سعدالدين العثماني والمدير العام للأمن الوطني والمخابرات الداخلية عبداللطيف الحموشي.

وتضمن برنامج زيارة بومبيو إلى المغرب استقبالا من طرف العاهل المغربي عند وصوله إلى الرباط. لكن هذا الاستقبال لم يتم، ويقول مراقبون إن سبب إلغاء اللقاء هو أن بومبيو فشل في فتح الملف الفلسطيني أثناء زيارته للمملكة.

ولاحظ محمد الزهراوي، أستاذ العلاقات الدولية، أنه “من خلال عدم استقبال الملك محمد السادس لبومبيو، يوجه بذلك رسالة مباشرة إلى إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، مفادها أن المملكة ترفض الانخراط في أية تسوية تكون على حساب القضية الفلسطينية، وأن قضية الصحراء لا ولن تكون ورقة مساومة أو تفاوض”.

وكان مقررا أن تدوم زيارة بومبيو إلى المغرب يومين، لكن حصل تغيير من طرف الجانب الأميركي.

ورغم تبرير مصادر من داخل الخارجية الأميركية لهذا التغيير بالأحداث المتسارعة في ما يتعلق بعلاقة الكونغرس بإدارة ترامب، إلا أن مراقبين اعتبروا أن أجندة بومبيو لم تكن متوافقة مع مبادئ الرباط في مسألة الصراع الإسرائيلي الفلسطيني بشكل محدد.

وفي الشهر الماضي أعلن بومبيو أن الولايات المتحدة لم تعد تعتبر بالضرورة المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية “غير قانونية”، وهو موقف لا يتفق معه المجتمع الدولي.

وتحدثت بعض المصادر الدبلوماسية عن نوع من الضغوط الأميركية على المغرب من أجل توقيع اتفاق مع إسرائيل، لكن المسؤولين المغاربة والأميركيين تحاشوا الخوض في هذا الملف خصوصا أن بيان الخارجية الأميركية وتصريحات ناصر بوريطة حول لقائه مع بومبيو لم يتطرقا إلى القضية الفلسطينية أو العلاقات مع إسرائيل.

وجاءت الزيارة الخاطفة وفق سياق خاص يرتبط أساسا بالتقارب بين البلدين في الآونة الأخيرة بعد ثلاث سنوات من الفتور مع إدارة ترامب، ورغم حرص البلدين على التنسيق في عدد من الملفات الأمنية إلا أن الزهراوي اعتبر أن “أجندة الطرفين بدت متباعدة وغير متجانسة إزاء العديد من الملفات، خاصة الملف الفلسطيني”.

وقبل زيارة بومبيو إلى الرباط كان العاهل المغربي قد بعث رسالة إلى الشيخ نيانغ، رئيس اللجنة المعنية بممارسة الشعب الفلسطيني لحقوقه غير القابلة للتصرف، بمناسبة اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني، والذي يتم تخليده في 29 نوفمبر من كل سنة.

وأكد من خلالها الملك محمد السادس” أنه بعد سنوات من تعثر العملية السلمية، وتوقف المفاوضات بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، واللجوء إلى إجراءات غير قانونية وأحادية الجانب في الأراضي الفلسطينية المحتلة، من حقنا أن نتساءل عن مصير حل الدولتين، باعتباره الخيار الاستراتيجي الأنسب، الذي أقره المجتمع الدولي كحل دائم وعادل لهذا الصراع”.

وشدد العاهل المغربي على أن “أية جهود لإعادة إحياء عملية السلام، لا يمكنها أن تحقق أهدافها إلا بوضع حد للسياسة الاستيطانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة”.

تغيير المسار
تغيير المسار

ورغم الدور الذي يلعبه المغرب في النزاع الإسرائيلي الفلسطيني منذ عقود، إلا أنه لا تربطه بإسرائيل علاقات دبلوماسية رسمية.

وكان العاهل المغربي ألغى في عام 2017، مشاركته في قمة لدول غرب أفريقيا لتجنب لقاء بنيامين نتنياهو.

وينظر المغرب بريبة شديدة إلى اللقاء، الذي أجراه بومبيو مع نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي الأربعاء في العاصمة البرتغالية لشبونة، قبيل قدومه إلى الرباط.

وتأتي شكوك المغرب بعد تصريحات لمسؤولين إسرائيليين أشاروا من خلالها إلى أن “تل أبيب تأمل أن تكون زيارة بومبيو إلى المغرب فاتحة لإقامة علاقات دبلوماسية مع هذا البلد، خلال الأيام القليلة المقبلة”.

وقالت مصادر دبلوماسية لـ”العرب” إن “هذه التصريحات لها حمولة سياسية رغم أنها تأتي في سياق انتخابي داخل إسرائيل يريد من خلالها نتنياهو تلميع صورته أمام الناخبين هناك، خصوصا اليهود المغاربة”.

وأكد هؤلاء أن “المغرب مستقل في قراراته الدبلوماسية والسياسية وغير مرهون لأي أجندة لا تخدم مصالحه العليا خصوصا في الملف الفلسطيني”.

ورغم عدم استقباله من طرف العاهل المغربي أشار بومبيو، في تصريح صحافي، إلى أن اللقاءات مع المسؤولين المغاربة حققت تقدما، موردا أن “لدينا علاقة رائعة بين بلدينا، آمل أن يكون شعبانا أكثر أمانا في كلا البلدين”.

وناقش وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو ونظيره المغربي ناصر بوريطة العلاقات الثنائية بين البلدين بالإضافة إلى مواضيع مكافحة الإرهاب في أفريقيا.

وأوضح ناصر بوريطة أن الزيارة الأولى من نوعها لوزير الخارجية الأميركي إلى المغرب وإلى المنطقة هي زيارة “تأكيدية للدينامية الإيجابية التي تعرفها العلاقات الثنائية، بإرادة من الملك محمد السادس، وهي الدينامية التي أبانتها زيارة المستشارين الخاصين جريد كوشنير وإيفانكا ترامب”.

وتوقفت الخارجية الأميركية، في بيان صدر الخميس، عند “الشراكة القوية” والروابط العريقة التي تجمع الرباط وواشنطن، في مختلف المجالات التي تم تعزيزها أكثر بإبرام اتفاق التبادل الحر سنة 2006 وإطلاق الحوار الاستراتيجي سنة 2012، إلى جانب تأكيدها على أن المغرب يظل شريكا في العديد من القضايا الأمنية، مسلطة الضوء على التعاون العسكري الوثيق بين البلدين من خلال التمرينات العسكرية المشتركة وبرامج التدريب.

وأشار بوريطة إلى أن اللقاء ناقش أيضا “الجهود المشتركة لمكافحة الإرهاب في أفريقيا من خلال تعزيز قدرة الأجهزة الأمنية في المنطقة، خاصة بواسطة وضع منصة مشتركة للتعاون في المجال الأمني”.

والتقى المسؤول الأميركي بالمدير العام للأمن الوطني، عبداللطيف الحموشي، بمقر المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، (الاستخبارات الداخلية) بحضور عدد من مسؤولي المديرية ومسؤولين أميركيين، وهو اللقاء الذي قالت مصادر لـ”العرب” إنه “كان مطولا، تمت فيه مناقشة قضايا الإرهاب ومتعلقات الأمن الحيوية بين البلدين”.

ويؤشر لقاء الحموشي بوزير الخارجية، باعتبار الحموشي وصيا على جهاز الاستخبارات الداخلية، على أن “المملكة ترغب في الحفاظ على التنسيق الأمني مع واشنطن وفق مستويات معينة رغم الاختلاف في بعض الملفات ذات الطبيعة الجيوسياسية”، حسب تعبير محمد الزهراوي.

4