بومدين.. ونعمة الموت المبكِّر

بعد أربعين سنة من رحيل بومدين، لا يزال الصراع من أجل السلطة مستمدا من خلافات الماضي.
الخميس 2018/12/27
خلافات تعيد نفسها

كلما حلّت نهاية شهر ديسمبر من كل عام، وعلى مدار أربعين سنة خلت، يتذكر الجزائريون الرئيس الراحل هواري بومدين، الذي توفي في 27 ديسمبر 1978. تأخذ الذكرى حيّزا كبيرا في وسائل الإعلام. ويتحدث من بقي من رفاقه، أو من عاصر فترة حكمه، مسؤولا أو محكوما، عن خصال الراحل. لكن يغيب في شهادات معظمهم أي اعتراف بارتكاب أخطاء منه أو منهم.

ويبدو أن المناسبة تفرض طقوسها الفرحيّة مع أنها ذات صلة بأوجاع الرحيل، فيصبح الحديث عنه أقرب إلى الروحانيات، وهذا عكس أيام السنة الأخرى حين يتركز الحديث عن أوضاع الجزائر جميعها، كيف كانت في فترة حكمه، وكيف انتهت اليوم.

تكون الإجابات جاهزة، تحمل المدح أو الذم، حتى أن تيارات بعينها، وخاصة الأحزاب الدينية، وأخرى ذات توجهات ليبرالية، ترى فيه مقدمة لحال الجزائر وأزماتها في الوقت الراهن، على اعتبار أن الرئيس الحالي عبدالعزيز بوتفليقة، من جماعته ويحمل نفس التوجهات، وهذا ليس صحيحا، كما أثبتت الوقائع والمعطيات في العهدات الأربع من حكم بوتفليقة.

على العموم، لا يزال الجزائريون في حكمهم عن حسنات النظام وسيئاته، اجتهادات الصائبة والخاطئة، مشاريعه الحقيقية والوهمية، استراتيجياته الفاشلة والناجحة، يتّخذون من التاريخ مدخلا ومطية وحكما. على هذا الأساس يجذبهم الماضي إليه على حساب الحاضر، بغض النظر إن كان ذلك زهوا بالانتصارات، أو نكرنا للفشل، أو حتى خوفا من هزائم محتملة في ملفات بعينها. وفي عداء بعض السياسيين، والأحزاب الإسلامية والليبرالية، ومن ولاهمها من منظرين ومثقفين لنهج الرئيس هوراي بومدين، يتم الإصطدام بثلاث حقائق كبرى: عجزهم وفشلهم أمام “المنجز البومديني”، المادي منه والمعنوي، الذي تركه بعد رحيله، ويستمر اليوم شاهدا على بدايات ظهور دولة وطنية مستقلة قوية، والموقف الشعبي العام لجهة اعتبار هواري بومدين، صانع عزة الجزائر ومجدها وقوتها في جميع المجالات، والمحقق لمكانتها أقليميا وعربيا، وتعلق الأجيال الجديدة به، حتّى أن الذين كانوا شبابا عند وفاته ومعادين له، يحنون اليوم بشوق إلى فترة حكمه، وهذا أعاد ظهور زعامته على حساب السياسيين الحاليين.

وتشير الحقائق السابقة، إن تمّ التسليم بها، إلى أنه وبعد أربعين سنة من رحيل بومدين، لا يزال الصراع من أجل السلطة مستمدا من خلافات الماضي، وكأن الجزائر، وهي مقبلة عن انتخابات رئاسية في الثلث الأول من العام المقبل (2019)، لا تزال تلملم ما بقي من شتات ذاكرة لمجد تحقق، الفرق الوحيد هو أن بقاء بومدين في السلطة عام 1978 كان مطلب شعب وقوة جيش وسيطرة حزب واحد، أما ترشح بوتفليقة، لفترة خامسة، فيمثل سخط شعب وانشغال جيش وفوضى أحزاب، مع انعدام كلي للفساد السياسي والمالي في عهد بومدين وحدوث عكس ذلك في عهود بوتفليقة على ما حقق من منجزات، غطى عنها استغلال المقربين لوضعه الصحي، علما بأنه عمّر أكثر من بومدين في السلطة.

مع ذلك، فإن البعض يرى أن من غير الإنصاف الحكم بين فترتي بومدين وبوتفليقة لاختلاف المعطيات، وتطور الأحداث محليا وعالميا. وهذا صحيح إلى حد بعيد. وما يهمنا هنا هو الحديث عن عمر رؤساء الجزائر، فقد توفي بومدين عن عمر قارب 46 عاما، وعمَّر في الحكم رئيسا للجزائر لمدة 13 عاما، وأصبح بعد التصحيح الثوري ـ أو الانقلاب ـ على الزعيم أحمد بن بلة الرئيس الثاني للجزائر، ولو بقي على قيد الحياة ربما عمّر في الحكم إلى الآن. ما يجعلنا تحت حكم لرئيس يبلغ من العمر86 عاما. ولكان اليوم محل  كراهية، ومن المحتمل أن ينظر إليه من زاوية محلية ودولية باعتباره الدكتاتور الأكبر والأقدم في الحكم، حتى لو تمكن من جعل الجزائر جنة الفردوس على وجه الأرض، لأنه سيكون حكم أكثر من 53 سنة.

ولكان مصيره اليوم، مثل أمثاله من قادة عرب خلال السنوات الماضية، إما معدوما مثل صدام حسين، وإما مقتولا مثل معمر القذافي، أو علي عبدالله صالح، وإما مسجونا أو محكوما عليه مثل محمد حسني مبارك، وإما هاربا مثل زين العابدين بن علي، وإما باقيا في السلطة بتكلفة بشرية ومادية باهظة مثل بشار الأسد، وإما مريضا، متسببا في انهيار الوضع السياسي لبلاده على غرار رفيقه في الدرب الرئيس الحالي للجزائر عبدالعزيز بوتفليقة.

مع أن البعض، وعلى خلفيّة ما قام به، يعتقد أنه لو بقي على قيد الحاة لكان حال الجزائر اليوم أفضل بكثير، وقد يحمل هذا جانبا من الحقيقة. لكن، من منطلق الحب واعتباره قائدا وفيا لشعبه وأمته، فإننا نرى أن هواري بومدين نجا من نهاية مؤلمة نراها اليوم أقرب إلى الواقعية، فكان موته في سن مبكّرة من عمره السياسي، نعمة له، أقلها أن وفاته حافظت على وجوده المعنوي لعقود، وربما لقرون، في قلوب الأجيال.

ولنا في تجربة عبدالعزيز بوتفليقة المثل، حيث لم يبلغ إلا 81 عاما، ومع هذا فإنه لا يذكر عند الكثير من الجزائريين إلا من خلال الدعاء له بالشفاء. وهم في ذلك يدعون لشفاء الجزائر على خلفية مرضها في السنين الأخيرة من حكمه. مع أن بوتفليقة قدَّم الكثير للجزائر من عمر المراهقة إلى عمر الشيخوخة.

ومن ينسى ذلك يعد جاحدا لدوره وناكرا لأفعاله، ومؤيدا للذين يستغلون وجوده في السلطة، إما لاستمرارهم في الحكم ببقائه على حالته الصحية الراهنة، أو للوصول إلى الحكم من خلال إبعاده بحجة المرض، دون طرح أي برنامج سياسي، ومن أدرانا، لعل فترة بوتفليقة على ما فيها من نقائص ستكون أرحم بكثير مما سيأتي بعهدها؟

6