"بومليار" يعري سلبيات المجتمع الجزائري في رمضان

مسلسل "بومليار" موجّه لجمهور معيّن من الجزائريين، في سياق سياسة ثقافية منتهجة من قبل السلطة، لتكريس أبعاد الهوية الوطنية.
الخميس 2020/04/02
أبطال مسلسل "أولاد الحلال" يغيبون عن الموسم

أخلطت جائحة كورونا أوراق شركات الإنتاج الفني والدرامي في الجزائر، ممّا يُرشّح الموسم الرمضاني القادم، لأن يكون أفقر المواسم دراميا في البلاد. لاسيما وأن النشاط المتأثّر بعوامل مُثبّطة أخرى خلال السنوات الأخيرة، أضاف إليه الوباء مُشكلات جديدة ليعصف بحسابات المنتجين والقنوات والفاعلين في الحقل الفني، ويلحق خسائر معتبرة بموازنات هؤلاء.

 الجزائر – يُسابق فريق عمل شركة “الفنك الذهبي” للإنتاج الفني والتلفزيوني الزمن، لتجهيز مسلسل “بومليار” (الملياردير)، بغية عرضه على التلفزيون العمومي الجزائري خلال شهر رمضان المُرتقب، ولم تبق أمامه إلّا أيام قليلة للإنهاء من عملية التصوير والشروع في التركيب.

ويأمل فريق إنتاج المسلسل في جزئه الثاني، أن يكون جاهزا للعرض في الموسم المذكور، ليُعوّض بذلك العديد من الأعمال التي تعطّلت تحت طائلة تفشي وباء كورونا المُستجد في البلاد خلال الأسابيع الأخيرة، وهو ما يرشّحه لتصدّر الساحة الدرامية ويملأ الفراغ الذي خلّفته الجائحة.

ويعتبر مسلسل “بومليار”، أحد تجليات ميلاد دراما أمازيغية في الجزائر، التي أخذت تتأسّس تدريجيا خلال السنوات الأخيرة، عبر عدد من الأعمال الدرامية والتلفزيونية الناطقة باللغة الأمازيغية، لتُقدّم بذلك الوجه المُغيّب من الثقافة والتراث البربري إلى المتابعين وجمهور التلفزيون.

ورغم أن العمل موجّه إلى جمهور معيّن من الجزائريين، في سياق سياسة ثقافية منتهجة من قبل السلطة، لتكريس أبعاد الهوية الوطنية، وإبراز المكوّن الأمازيغي في الشخصية الجزائرية. إلّا أن الطابع الاستعراضي للعمل، وأزمة اللغة الأمازيغية الغارقة في تعدّد اللهجات والافتقاد لمرجعية لسانية موحّدة، يبقي مسلسل “بومليار” وغيره من الأعمال رهين العزلة التسويقية، رغم أنه أنتج في محيطه الحقيقي.

نصرالدين السهيلي: الجائحة تلتهم الموسم الدرامي الجزائري، وتسحب مسلسل "بابور اللوح"
نصرالدين السهيلي: الجائحة تلتهم الموسم الدرامي الجزائري، وتسحب مسلسل "بابور اللوح"

ويسهر فريق العمل بقيادة المخرج حكيم رحيم، على تقديم خلفية تراثية وحضارية للمسلسل الذي اختار له منطقة زمورة بمحافظة برج بوعريريج (شرق العاصمة الجزائر) ديكورا لأحداث المسلسل الكوميدي الهادف، لما تتوفّر عليه المنطقة من طابع تراثي ومعماري وموروث سوسيولجي أمازيغي، من أجل تسويق الصورة المغيّبة عن المتلقي لأسباب مختلفة، ولم يتم استغلالها إلّا في بعض الأعمال السينمائية والتلفزيونية الثورية.

وتدور أحداث المسلسل المكوّن من 15 حلقة، حول حياة البطل “الدا امبارك”، الذي يؤدّيه الفنان حكيم قمرود، ويستطيع بشخصيته الاجتماعية وسبره لأغوار المجتمع، في تعرية صفات لئيمة في محيطه الاجتماعي، فقد استطاع في أطوار حياته من اكتشاف صفات النفاق والكذب والابتزاز والحسد والغيرة، وغيرها. لأن المنعرج الحاسم في حياته الشخصية مكّنه من الاطلاع على دور المال في تعرية حقيقة الناس بالقرية التي يعيش فيها.

والدا امبارك الفلاح البسيط الذي يعيش على عرق جبينه في قريته، طالما أخفت عليه الحياة البدوية مكامن الناس، لكن ضربة الحظ التي حوّلته من فلاح بسيط إلى ملياردير، جعلته يطّلع على حقيقة هؤلاء، فالطمع في ماله والرغبة في النيل من ريعه، جعلا الناس يمارسون معه كل الحيل والمكائد، لكن الحيلة لم تكن لتنطلي عليه.

وتبقى بذلك ثقافة الريع والتربّص بالكسب السهل، أحد تجليات الأزمة الاجتماعية التي تضرب مفاصل المجتمع الرسمي والأهلي، فالدا امبارك الذي تحوّل إلى ملياردير بفضل نجاحه في لعبة “الرهان الرياضي”، لم يُؤسّس لميلاد طبقة بورجوازية في القرية، وهو ما يمكن إسقاطه على عموم البلاد، التي فرّخت طبقة من الأثرياء المشبوهين وليس رموزا لطبقة بورجوازية تخلق الثروة للمجتمع وتطوّر مكاسبها كما هو دأب المجتمعات الغربية.

وهو النمط الاجتماعي والثقافي الذي أنتج في الجهة المقابلة طبقة اجتماعية تستهويها الطرق الملتوية والممقوتة في الحصول على المكاسب والمزايا المعيشية، لاعتقاد رسّخته ثقافة الريع على مرّ عقود طويلة، ممّا أفضى إلى اعتماد سُلّم مقلوب للقيم والمعايير، يزيح الوسائل المشروعة ويفسح المجال للممارسات الملتوية حتى ولو كانت على حساب المنظومة الأخلاقية.

مسلسل "بابور اللوح" خارج السباق الرمضاني
مسلسل "بابور اللوح" خارج السباق الرمضاني

وإذا كان “بومليار” قد أفلت من جائحة كورونا، تحت إصرار طاقمه على استكمال الإنتاج حتى في ذروة حالة الهلع وفترتي الحجر الكلي والجزئي المُعلن عنهما في عدد من مدن ومحافظات البلاد، فإن الغموض لا زال يكتنف مصير العديد من الأعمال الدرامية التي كانت مُبرمجة لدخول الموسم الرمضاني.

وكان ينتظر أن يعود نجوم مسلسل “أولاد الحلال” الذي عرضته قناة “الشروق” الخاصة خلال الموسم الماضي، في عمل درامي تحسبا للموسم الجديد بعنوان “بابور اللوح”، ليكون بذلك تتويجا لنقلة نوعية في الدراما الجزائرية، وظهور بصمات الاستعانة بالخبرات العربية.

ومع احتفاظ الشركة المنتجة بنفس الطاقم السابق من الفنانين، وعلى رأسهم المخرج التونسي نصر الدين السهيلي، والبطل عبدالقادر جريو، في حين يغيب عنه الفنان يوسف سحيري، الذي يشغل الآن منصب كاتب دولة للصناعة السينماتوغرافية في حكومة عبدالعزيز جراد. كما كان ينتظر الاستعانة بفنانين آخرين من المغرب، بغية تجسيد التشابه الاجتماعي السائد في ربوع الغرب الجزائري والمغرب، إذ تم ترشيح ضاحية القيطنة بمدينة وهران في غرب البلاد، لتكون مسرحا لتصوير أحداث المسلسل.

ويوحي عنوان العمل الدرامي “بابور اللوح” (قارب الخشب)، إلى تسليط الضوء على ظاهرة “الحرقة” (الهجرة السرية)، التي صنعت مآسي حقيقية للكثير من العائلات في الجزائر وفي دول المنطقة عموما، خاصة في شمال أفريقيا، وتحوّلت إلى إدانة مباشرة للنخب الحاكمة، حيث انتهى المطاف بأبنائها إلى الفرار من أوطانهم على قوارب الموت، والذين كثيرا ما انتهوا إلى غذاء للسمك في حوض المتوسط.

16