بومل في إسرائيل وأكاذيب منظومة الممانعة

في خضم التداول الإعلامي لاستلام إسرائيل رفات جنديها، ونشر الصحافة الإسرائيلية أنباء عن قرب استعادة رفات الجاسوس الإسرائيلي إيلي كوهين، يغيب أي اعتبار في منظومة الممانعة للشهداء الفلسطينيين.
الخميس 2019/04/25
تنسيق مسبق ومحكم

عشرون رفاتا، نبش من مقبرة الشهداء في مخيم اليرموك بدمشق، جرى فحصها من قبل معهد تل أبيب للطب الشرعي، أخرج من بينها رفات الرقيب الإسرائيلي زخاريا بومل، كما أعلن في الرابع من أبريل الجاري، لنُفاجأ عقب أسبوعين بأن رفات الجاسوس الإسرائيلي الشهير إيلي كوهين في طريقه إلى “إسرائيل” وفق ما أعلنت صحيفة “جيروزاليم بوست”.

وفي خضم الإنجاز الإسرائيلي واستعداد دولة الاحتلال للاحتفاء بالزهور والأناشيد بعودة “أبطالها” يغيب الحديث عن التسعة عشر رفاتا الآخرين، والتي تعود حتما لشهداء فلسطينيين استشهدوا في مراحل متعددة من الثورة الفلسطينية، فهم ليسوا محورا لأي قضيّة في ذهنية النظام السوري الذي أجاد على مدى عقوده الأربعة، تثبيت نفسه كقائد لمحور “الممانعة”، المفهوم البديل للمقاومة بما هي فعل، لينتقل اليوم إلى خط المساومة العلنية وتقديم كل ما لا يمتلك في سبيلها من مفاهيم وطنية وإنسانية وتراث وشهداء، لم تعد تلزم كعدة للمتاجرة في زمنه العلني الجديد، حيث بات واضحا أن أولويته فيه، حماية عرش الأسد ومواقع طغمته الحاكمة.

ليس في ذهنية النظام في سوريا، أي أهميّة لرفات الشهداء ولا مقبرتهم التي قصفها بالصواريخ، خلال حربه على تنظيم داعش في مخيّم اليرموك التي بدأت في 18 أبريل واستمرت حتى أواسط مايو 2018، دون أي مسوغ عسكري يبرر ذلك، لتفصح صفقة تسليم رفات بومل عن الهدف من ذلك الاستهداف، فخلط الرفات وطمس شواهد القبور والعبث بهندسة المقبرة، قد تساعد في إخفاء جريمة سرقة رفات الشهداء للاستدلال على الجندي الإسرائيلي، إلا أن ذلك لم يخف تقديم رفات الشهداء لإسرائيل والتي كشفتها الاستخبارات الصهيونية ذاتها.

البحث عن رفات مدفونة منذ أكثر من 37 عاما، جرت في جو من الهدوء
البحث عن رفات مدفونة منذ أكثر من 37 عاما، جرت في جو من الهدوء

فبعد هذه الفضيحة، لا شكّ أن العديد من الفصائل الفلسطينية والمثقفين والإعلاميين المرتبطين بنظام الأسد، سيخوضون في لعبة التبرير ويمارسون البهلوانيات اللغوية لانتشال النظام من براثن مستنقعه الأخلاقي والوظيفي، ويصمّون آذانهم عن تساؤلات أبناء مخيم اليرموك عن مصير رفات شهدائهم، وسيحمّلون جهات أخرى المسؤوليّة كما فعل عقب الإعلان عن الصفقة، المسؤول في تنظيم الجبهة الشعبية-القيادة العامة أنور رجا، الذي اتهم المسلحين الذين سيطروا على مخيم اليرموك، بالبحث عن رفات الجندي الإسرائيلي وتهريبها خارج البلاد، قبل أن تُدحض أقاويله بتصريحات الرئيس الروسي ذاته الذي أكّد مشاركة الجيش السوري بالبحث عن رفات الجندي، بالإضافة إلى التفاصيل التي كشفتها الصحافة العبرية والمتحدث باسم وزارة الدفاع الروسية إيغور كوناشينكوف على حد سواء.

صحيفة “يديعوت أحرنوت” كانت قد أكدت أن عملية استخباراتية استمرت لعامين بالتنسيق مع الجانب الروسي، للبحث عن الرفات، إلا أنها توقفت عقب إسقاط الطائرة الروسية في سبتمبر 2018، لتُستأنف عقب طلب إسرائيلي المساعدة المباشرة من الجيش الروسي، لتبدأ النتائج بالظهور خلال الأشهر الثلاثة الماضية وفق ما كشف المتحدث باسم وزارة الدفاع الروسية، حيث تمكنت قوات خاصة روسية من إحضار الرفات من ضمن 20 عينة من منطقة كان يسيطر عليها تنظيم داعش، أي مخيم اليرموك جنوب دمشق.

العملية قد أُنجزت في أواخر مارس وفق المتحدث الروسي، أي عقب مضي نحو 10 أشهر على دخول الجيش السوري وخلفائه من الفصائل الفلسطينية المحسوبة تاريخيا على معسكره، كتنظيم الجبهة الشعبية-القيادة العامة، وبعض الميليشيات المُستحدثة، وسيطرتها على مخيّم اليرموك ومقبرة شهدائه في 21 من مايو العام الماضي، وشروعها في حملات منظمة عنوانها تنظيف وترميم المقبرة، بمشاركة مؤسسات مجتمع مدني محلية تأخذ تصاريح عملها من أجهزة المخابرات والجيش السوريين.

فعملية البحث عن رفات مدفونة منذ أكثر من 37 عاما، لا بد أن تجري في جو من الهدوء والسيطرة والإحكام الأمني، لا في ظل معمعة حرب مع مسلحي داعش، فلا بد أنها بدأت مع أولى حملات تنظيف المخيم، في يونيو 2018، تحت إشراف الجيش السوري ما يتيح للفرق الخاصة الروسيّة العمل بالدقة المطلوبة لحل هذا اللغز المعقّد، وبمساعدة مجموعات على دراية بتفاصيل المقبرة وترتيبها الهندسي، ولديها معلومات عن رفات الجندي بشكل خاص.

في خضم هذا التداول الإعلامي لاستلام إسرائيل رفات جنديها، ونشر الصحافة الإسرائيليّة أنباء أولية عن قرب استعادة رفات الجاسوس الإسرائيلي الشهير إيلي كوهين الذي أعدمته دمشق عام 1965، يغيب أي اعتبار في منظومة الممانعة وفصائلها، للشهداء الفلسطينيين ورفاتهم، ولكرامات ذويهم وأبناء شعبهم، فإسرائيل تستعد لتكريم رفات جنودها وسيكون بإمكان أقرباء بومل وضع الزهور على قبره، كما قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في معرض تعبيره عن مسرّته بالإنجاز، بينما يهان الشهداء الفلسطينيون من بني جلدتهم في عصر الممانعة.. من المسؤول؟

8