بوناطيرو مرشح رئاسي مزمن يستشرف الزلازل ويعالج كورونا

بوناطيرو يعد واحداً من أكبر مقتنصي الفرص والاستحقاقات الكبرى للفت انتباه الرأي العام في الجزائر ويزعم أنه اخترع دواء لوباء كورونا.
الخميس 2020/04/09
يستميت في الدفاع عن أفكاره حتى وإن كانت غريبة

حاضر في استشراف الزلازل ورصد هلال رمضان، كما في الانتخابات الرئاسية ووباء كورونا. تداخلت شهادة الدكتوراه التي يحملها بأحاديث الدجل والدروشة، فالرجل الذي لا يصرح باسم والدته لخشيته من السحر، يزعم أنه اخترع دواء لوباء كورونا، ويجر بذلك الرأي العام إلى مرحب ومستخفّ، وحتى إلى محذر من أن يكون جزءا من لعبة لإلهاء الناس عن القضايا الحقيقية في المجتمع.

لوط بوناطيرو أستاذ الفلك والفيزياء المثير للجدل في الجزائر، يعد واحداً من أكبر مقتنصي الفرص والاستحقاقات الكبرى للفت انتباه الرأي العام ودفعه إلى سجالات عديدة، فقد أصبح مرادفا للظواهر المناخية والطبيعية ومترصدا وفيا لأهلة شهر رمضان، وفي كل مرة يشذ عن الإجماع بحجة اجتهادات علمية لم يقنع بها حتى رفاقه، بالمركز الوطني لرصد الزلازل في ضاحية بوزريعة في العاصمة.كان بالإمكان إدراج اهتمام بوناطيرو بالظواهر المناخية والطبيعية، والشذوذ المزمن لتفسيراته في سياق شغف علمي أو هوس شخصي، لكن قد يقترن ذلك بمزاعم لا تصدر عادةً، إلا عن دجالين ومشعوذين، يثير الشكوك في هذه الشخصية التي لا تتورع عن القفز إلى الواجهة في أي استحقاق دون أي حرج.

جرب حظه في في كل انتخابات رئاسية جرت مؤخراً، كغيره من الطامحين لشغل قصر المرادية. لا يتردد في التشهير بالانتساب إلى آل البيت، رغم أن اسمه الشخصي النادر في الجزائر، يبرره بعض العارفين بمسائل النسب بالانحدار من أصول مالطية استوطنت العاصمة الجزائرية في عصور قديمة.

ورغم أنه زاد على ذلك بادعاء ملكيته لـ”عصمة آل البيت”، وبتذكره للحظات ميلاده، ورفضه الإدلاء باسم والدته لأنه يخشى من السحر، إلا أنه اخترق جدار الصمت خلال الأسابيع الأخيرة، بمزاعم جديدة تتحدث عن تركيبه لدواء يقضي على وباء كورونا في بضعة أيام، رغم عجز أكبر المخابر وشركات إنتاج الدواء في العالم لحد الآن، عن وقف تمدد هذا الكائن المجهري الذي أدخل العالم إلى جحوره.

المسلمون والصيام الخاطئ

بوناطيرو لا يتوقف عن الترويج لمبتكراته التي يطلقها، من الساعة الكونية إلى التنبؤ بمختلف الكوارث الطبيعية التي عرفتها الجزائر.
بوناطيرو لا يتوقف عن الترويج لمبتكراته التي يطلقها، من الساعة الكونية إلى التنبؤ بمختلف الكوارث الطبيعية التي عرفتها الجزائر

يقول بوناطيرو إن المسلمين صاموا شهر رمضان بتوقيت خاطئ، إلى غاية السنوات الثلاث الأخيرة من عمر النبي محمد، حين قام بتصحيح الأجندة. وهو يتهم شركة سويسرية بسرقة مشروع الساعة الكونية، إلا أنه لم يرغب بمتابعتها أمام القانون.

يتستر لحد الآن على فريق العمل المكون حسبه من أطباء وباحثين من الجزائر والعراق، ويصر على أن السلطة الوصية تعرقل مشروعه، ويتهم مسؤولي قطاع الصحة بـ”عرقلة طموحه لإنقاذ شعبه والبشرية جمعاء من الوباء الفتاك”، ليضع الرأي العام بين رافض وداعم ومؤيد لعالم كبير وكفاءة معطلة من طرف البيروقراطية. وبين هذا وذاك يجزم البعض بأن الرجل جزء من لعبة لإلهاء الرأي العام عن القضايا الأساسية وجره إلى نقاشات هامشية لا تسمن ولا تغني من جوع.

ولا زالت الجمعية الطبية أو فريق الأطباء الجزائري العراقي، مجهولة لدى الرأي العام، مع أن ضجة مماثلة أثيرت أيضا في بغداد بالموازاة مع ما يجري في الجزائر، إلا أن الكثير لا يتوانون في إدراج الرجل بخانة إفرازات المجتمعات المتخلفة خلال الأزمات الكبرى، فحينما يعجز الأنا الجمعي عن إيجاد الحلول للطوارئ الكبرى، تطفو إلى السطح أفكار وسلوكات الدجل والشعوذة.

ومع ذلك يبقى نموذجا قويا في الاستماتة في الدفاع عن أفكاره حتى وإن كانت غريبة، فلم يتوقف عن الترويج لمختلف التفسيرات التي أطلقها من ساعته الكونية التي تسير عكس عقارب الساعة العادية، إلى غاية دواء كورونا، ومرورا بمختلف الكوارث الطبيعية التي عرفتها الجزائر.

رئاسة الجمهورية الجزائرية لم تهمل مشروع بوناطيرو بل أوعزت إلى الحكومة ومعهد باستور باستقباله والاستماع إليه. وبعد كل تلك الجهود رفض بوناطيرو منح الدواء للمعهد خشية سرقته

واستطاع خلال أسابيع قليلة، أن يضغط على السلط العليا في البلاد، بواسطة الحملة الدعائية والجدلية التي أثارتها مزاعمه باختراع دواء العصر، حيث أوعزت رئاسة الجمهورية للحكومة ولمعهد باستور باستقبال الرجل والاستماع إليه، ولأن لسانه يخونه في تسويق خطاب وأفكار سلسلة ومقنعة في غالب الأحيان، وربما لضعف حجته خرج خالي الوفاض، لكنه رغم ذلك لم يستسلم ويواصل حملة الترويج لـ”اختراعه”.

ويقول إعلامي جزائري في تدوينة له “زارني الصديق بوناطيرو في المكتب بهدف التصعيد في موقفه ضد وزارة الصحة، فقلت له سأقف معك في التصعيد إلى أبعد الحدود، بشرط أن تسكت أنت ويتكلم من تقول إنهم علماء أوبئة عراقيون وجزائريون شاركوك في الاختراع، خاصة أن عددا منهم يقيمون في الجزائر“ ويضيف “طبعا طلبي مرفوض لأن بوناطيرو يعتقد أنه يخفي هؤلاء العلماء بهدف حمايتهم”.

تم الضغط على وزارة الصحة، وتدخل محمد لعقاب المكلف بمهمة في رئاسة الجمهورية، بمبادرة منه فضبط للرجل موعدا مع معهد باستور ووزارة الصحة، باعتبار أنه من حق الرأي العام أن يعرف ما الذي يدور حول مخترع دواء كورونا. وتم الاتفاق على أنه لن يوقف هذا الجدل سوى معهد باستور الشهير.

المعهد الموروث عن الزمن الاستعماري الفرنسي للجزائر يعد واحدا من شبكة معاهد باستور الدولية المختصة في الحماية الصحية ومراقبة الأمراض المعدية والطفيلية على غرار فايروس فقدان المناعة المكتسبة والسل والملاريا والكوليرا، كان قد ذكر على لسان أحد مسؤوليه بأن “اختراع بوناطيرو، لا زال في حاجة إلى المعايير والمراحل العلمية والتجارب قبل أن يصبح أي منتوج دواء”.

تصعيد ضد الدولة

جدار الصمت العلمي الرهيب الذي يعيشه العالم خلال هذه الفترة، يخترقه بوناطيرو بمزاعم تتحدث عن تركيبه لدواء يقضي على وباء كورونا في بضعة أيام، رغم عجز أكبر العلماء والمختبرات وشركات إنتاج الدواء
جدار الصمت العلمي الرهيب الذي يعيشه العالم خلال هذه الفترة، يخترقه بوناطيرو بمزاعم تتحدث عن تركيبه لدواء يقضي على وباء كورونا في بضعة أيام، رغم عجز أكبر العلماء والمختبرات وشركات إنتاج الدواء

وفي نفس الاتجاه ذهب وزير الصحة والسكان عبدالرحمن بن بوزيد، حين صرح بأنه استقبل بوناطيرو، مضيفاً ”قال لي عندي دواء أو لقاح ضد كورونا. وقد سألت بوناطيرو، هل خضع اللقاح للطريقة القانونية العلمية؟ فقال لي عندي أطباء أكدوا نجاعته، وعليه أشرت عليه بالتوجه إلى معهد باستور حيث طلب منه تقديم ملف الدواء، تركيبته الطبيعية والكيميائية خاصة وأنه جديد”.

وأردف الوزير”قلت لبوناطيرو لا يمكننا تجربة الدواء على البشر مباشرة مخافة مضاعفات، يجب معرفة تركيبته أولا، ثم تجربته على الحيوان، لمدة لا تقل عن 10 أيام حتى نرى آثاره الجانبية، وبعد تجربته على الحيوان، يدرس ويقترح على أساتذة وعلماء الطب، وفي حال نجاحه، يتبرع شخص أو مجموعة أشخاص من المرضى لتجربة الدواء عليهم، حيث يخضعون لمراقبة طبية دقيقة وتحاليل يومية، لمعرفة تأثير الدواء عليهم، قبل تجربته على البقية“، ولفت إلى أنه عاود الاتصال ببوناطيرو حول قبوله شروط تجربة اللقاح من عدمها، إلا أنه لم يبد تجاوبا.

ويرى عارفون بشخصية بوناطيرو أن الرجل غريب الأطوار الذي لا ينسجم مع أي من زملائه في مركز رصد الزلازل، يعتبر مثالاً فريدا من نوعه لما يجمع بين المنهاج العلمي وبين أساليب المشعوذين، وفي اللعب الجيد على الأوتار الحساسة لدى فئة عريضة من المجتمع، فيكتسب في كل مرة أنصارا يقدمونه في ثوب الضحية والكفاءة العلمية المعطلة من طرف لوبيات سياسية وإدارية معينة.

صراع مع المجتمع العلمي

يصرح بوناطيرو بكل برودة أعصاب أن دواء كورونا موجود في جيبه، وأنه مستعد لأن يذهب إلى السجن طواعية إذا ثبت عكس ما يقول، وما ينتظره إلا التصديق من طرف السلطات الوصية، رغم أنه لا أحد في الجزائر يعلم امتلاك الرجل أو قدرة الرجل على إنتاج شيء من هذا القبيل.

ويرى الباحث في المخابر الفرنسية والغربية كمال صنهاجي بأن “بوناطيرو مطالب بتقديم تفاصيل العقار المادية والكيميائية للجهات المختصة، ثم الخضوع للتحاليل المخبرية ثم السريرية، قبل الحديث عن امتلاك عقار لعلاج أي وباء”، وهي المقاربة التي طالبته بها السلطات الصحية ومخبر باستور، لكنه لا زال يمانع في الامتثال للمنهاج الطبي العلمي.

وكان أستاذ الفيزياء النظرية بجامعة قسنطينة ورئيس جمعية الشعرى لعلوم الفلك البروفيسور جمال ميموني، أكثر قسوة على بوناطيرو، في نظرية مركزية الأرض ووصفها بـ”الفضيحة العلمية“ وذكر في تصريح له بأنه ”في الوقت الذي يحتفل فيه العالم بقرن من الاكتشافات وتأسيس الاتحاد الدولي للفلك، يطل علينا صوت من المجتمع العلمي يفند أربعة قرون من التقدم العلمي، وهو للغرابة خريج جامعة فرنسية مرموقة وأستاذ بجامعة جزائرية، وهو ما يمثل برأيي فضيحة علمية حيث يضلل أشخاصا سذجا بشهادته التي حصل عليها في الفيزياء الفلكية من جامعة فرنسية مرموقة“.

 وأكد أن بوناطيرو “لم يأت بنظرية لكنه أبدى مناصرته لنظريات بالية لأرسطو وبطليموس وغيرهما، تم دحضها منذ قرون، إذ أنه من الناحية الرصدية لا يوجد أي فرق بين دوران الشمس والكواكب حول الأرض أو العكس، لكن من الناحية الفيزيائية هناك فرق شاسع، إذ أن

دوران كوكب كبير بحجم الشمس حول كوكب صغير بحجم الأرض مرفوض علميا“. وشدد على أنه قد ”يعتقد البعض أن هناك مشكلة بين ميموني وبوناطيرو، وهذا خطأ لأن المشكلة ليست بيني وبينه، بل بين بوناطيرو والمجتمع العلمي في العالم لأنه غير سوي علميا، وكلامه أو تصريحاته كلها شاذة وغير مقبولة”.

معارك بوناطيرو مع المجتمع العلمي، ليست وليدة مزاعم اختراع عقار كورونا، وإنما تعود إلى زمن سابق، لكن مبدأه الراسخ في التبشير بأفكاره يبدو أنه نجح هذه الأيام في مجتمع لا زال يبجل الشعوذة أو لعله يتمسك بقشة للنجاة من نهر الفشل الشامل، فيما تتسابق كبريات الشركات والمخابر للانفراد بعقار قد يكون كلمة سر لعالم ما بعد كورونا.

12