بياتريس أندريه سالفيني: ما يجري للآثار في العراق والشام تطهير ثقافي

الجمعة 2015/04/03
بياتريس أندريه سالفيني في منزلها بباريس

باريس - في هذا الحوار الذي خصت به مجلة “الجديد”، تتحدث بياتريس سالفيني عن المعالم الأثرية والتحف الفنية التي دمرت من قبل الإرهاب والتي تعتبر خسارة فكرية وحضارية وثقافية لن تعوّض على مدى العصور، والتي تمتد إلى الحقبتين الآشورية والبارثية، وتعود إلى ما قبل الميلاد تقريبا بنحو 3000 سنة، أي بين 2700 و3000 ق.م. منذ عصر الإمبراطورية الآشورية، كما شرحت سالفيني التي تعرفت على التماثيل التي دمرها الإرهاب، في متحف الموصل وهو من أروع المتاحف في العراق، مشيرة إلى تمثال الثور الآشوري الضخم المجنح والشهير بجسم ثور ورأس إنسان. والذي كان في الحضارة الآشورية حارسا لقصور ومعابد ممالك الإمبراطورية الآشورية، وقطع أخرى استقدمت إلى المتحف من الموقع الأثري “نمرود” الواقع في محيط الموصل والذي هو من بقايا العاصمة الآشورية القديمة، حيث تمتد معالم المدينة الضخمة وأطلالها شاهقة في السماء، وفي تحدّ للطبيعة والإنسان.

المديرة السابقة لدائرة الآثار الشرقية في متحف اللوفر والتراث المحافظ عموما، اعتبرت أن تدمير هذه المعالم الحضارية هو كارثة بكل ما تحمله الكلمة. مطالبة المجتمع الدولي بالتحرك من أجل حماية التراث وتفعيل كل الاتفاقيات المعتمدة في هذا الإطار، مشيرة إلى أنه لا يجب الخلط بين من يبيع قطعة أثرية، لأنه مضطر إلى ذلك وواقع تحت طائلة الجوع، وبين ذاك الذي يستغل الوضع الأمني ليتاجر في التحف والآثار بقصد الربح السريع.

بياتريس سالفيني صاغت وصفها لحضارات الشرق بدقة الباحثة في علم الآثار، محاولة أن تنقل المعلومات والصور عن تلك الروائع لقرائها ولزوار المتاحف ومحبي الآثار وللأجيال في المدارس، لاكتشاف حضارات شرقية عرفتها الإنسانية، فكانت بحق مركز إشعاع للعالم.

عندما زارت سالفيني متحف الموصل في عام 2001، كان هذا الأخير يضم ممتلكات ثقافية نادرة لحضارات الآشوريين والسومريين والبابليين؛ تماثيل أصلية وأخرى مماثلة نصفية كانت عملاقة في صمودها لمدة قرون، دُمّرت بالمطرقة. معالم أثرية في الحضر شاهقة العلو حفرت بآلات ثقب الصخور، ومبان لمدينة حضارية صمدت أمام إمبراطوريات تلك العصور جرفت بجرافات التدمير والخراب.

في هذا الحوار تكشف سالفيني أنها استطاعت أن تتعرف على قطع مهرّبة من العراق وسوريا وقد أعيدت إلى موطنها الأم.

* الجديد: تدمير المتاحف ومواقع الحفر ونهب الآثار ذات القيمة الكبيرة تتواصل في سوريا كما في العراق، كنوز أثرية مرت طيّ الكتمان من قبل الشبكات الإجرامية والإرهابية. ماذا تمثل هذه الأعمال التي تتعرض للنهب والاتجار غير المشروع؟

* سالفيني: اشتغلت على التراث الأثري الشرقي لسنوات عديدة، وزرت دولا كثيرة منها العراق وسوريا واليمن ووقفت عن قرب على تراث يمتد لآلاف السنين واطلعت على كنوز لحضارات تعاقبت على المنطقة. زرت العراق قبل الغزو الأميركي بشهرين في جانفي 2003 وعدت في 2011 وكذلك في 2012. كما زرت المواقع الأثرية العراقية كمواقع نمرود والموصل ونينوى ولكن أصبح بالنسبة إلينا نحن الأوروبيين من الصعب الدخول إلى الموصل منذ سنوات.

ممتلكات ثقافية نادرة لحضارات الآشوريين والسومريين والبابليين؛ تماثيل أصلية وأخرى مماثلة نصفية كانت عملاقة في صمودها قرونا من الزمن، دمرت بالمطرقة
العراق وما يحمله من ثقافة وحضارة، وسوريا وما تنام عليه من إرث ثقافي حضاري هما أصلا ثقافة العالم. فدورا أوربوس بسوريا، المدينة التي تمتد جذورها إلى القرن الثالث قبل الميلاد، تقع على الضفة الغربية لنهر الفرات وتحمل من الكنوز الأثرية لحضارات تعاقبت على بلاد الرافدين كالإغريق والرومان والفرس، وفيها كنوز مازالت لم تكتشف بعد، كالكنائس القديمة التي تحتوي على العديد من التحف والقطع الأثرية وتعود إلى القرن الثالث الميلادي (235 م)، هذا الموقع الأثري هو أكثر المواقع بسوريا تعرضا للنهب والتخريب.

نعلم أن الحروب كانت دائما دمارا وخرابا للحضارات ولتراث الشعوب والأمم. ومثلما شهدنا في حروب سابقة من طمس وتدمير لتراث شعوب، نشهد اليوم كارثة إنسانية وتاريخية وحضارية. تنظيم داعش دمّر كنوزا تاريخية وحضارية في العراق وسوريا، ونهب وسرق قطعا أثرية يعود تاريخها لأكثر من 3000 سنة، وأصبح يسيطر على أكثر من 3500 موقع أثري في هذين البلدين. أضف إلى ذلك التخريب الذي طال المساجد والكنائس والأضرحة والمقامات الدينية مثلما حدث أيضا في مالي عندما هاجمت الجماعات التابعة لبوكو حرام المقامات الدينية والكنائس. وحيثما كانت الجماعات الإرهابية تنشط باسم الدين، سواء في سوريا أو في العراق أو في مالي أو في ليبيا، فإنها دائما تستهدف الأضرحة والمساجد والكنائس.

إدماء التاريخ

* الجديد: هل تعرفت على القطع والمعالم التي استهدفت من قبل تنظيم الدولة في العراق وهل كلها من نفس الموقع الأثري؟

*سالفيني: القطع والمعالم التي تم تخريبها من قبل داعش هي نوعان من عصرين مختلفين، ويعودان إلى الحقبتين الآشورية والبارثية، أي قبل الميلاد تقريبا بنحو 3000 سنة، في ما بين 2700 و3000 ق.م. وهو عصر الإمبراطورية الآشورية. الكنوز التي دمرتها أيدي الإرهاب، تتمثل في تماثيل ضخمة كتمثال الثور الآشوري الضخم المجنح والشهير وهو تمثال بجسم ثور ورأس إنسان. والذي كان في الحضارة الآشورية حارسا لقصور ومعابد ملوك الإمبراطورية الآشورية، وهو الذي رأينا الإرهابيين يحطمونه. وهناك قطع صغيرة استقدمت للمتحف من الموقع الأثري نمرود.

أحد عناصر ميليشيا داعش يدمر الثور الآشوري في الموصل
هذا الموقع هو بقايا العاصمة الآشورية القديمة، ويضم معالم وأطلالا ضخمة، حيث كانت هناك العديد من المدن الآشورية الهامة التي توجد في محيط الموصل. وكانت نمرود على بعد عشرات الكيلومترات من الموصل.

تحطيم هذه المعالم الحضارية هو كارثة، بكل ما تحمله من معنى. القطع أو التماثيل الأخرى التي خرّبت أيضا هي قطع أثرية، استقدمت إلى متحف الموصل من موقع الحضر الواقع 110 كلم جنوب غرب الموصل على أبواب الصحراء. تلك المدينة التي هي فخر العراقيين، حيث كانت الحضر التي تتربع على أطراف الصحراء، تعتبر مفترق طرق للقوافل التجارية، وهي مكان للتسوق بين الشرق والغرب. ويحظى الموقع بأهمية قصوى لما يحتويه من كنوز أثرية وتحف ومعالم ظلت تقاوم قسوة الطبيعة والإنسان صامدة لآلاف السنين. وعرفت هذه المدينة الأثرية بين القرن الأول قبل الميلاد والقرن الأول الميلادي، أي على مدى حوالي 2000 سنة، كانت مطمعا للرومان، والإمبراطورية البارثية ذات الأصول الإيرانية والتي هيمنت على بلاد الرافدين منذ 129 قبل الميلاد إلى غاية منتصف القرن الثالث الميلادي.

بنيت المدينة على موقع من الحجر المصقول على ارتفاعات كبيرة، وبقيت تلك المعالم صامدة وفريدة من نوعها في كل المنطقة. وظلت بعض المعابد راسخة في علوّ شامخ حيث كان الإله الرئيسي للإمبراطورية المهيمنة هو إله الشمس. وهناك معابد أخرى كبيرة تحمل أقواسا مميزة ومزينة بتماثيل نصفية. التماثيل وضع بعضها في المتحف وقد استقدمت من موقع الحضر وهي التي حطمت، مثلما يظهر في الفيديو.

القطع والمعالم التي تم تخريبها من قبل داعش هي نوعان من عصرين مختلفين، يعودان إلى الحقبتين الآشورية والبارثية، أي قبل الميلاد تقريبا بنحو 3000 سنة، في ما بين 2700 و3000

الشيء المهم بالنسبة إلى العراقيين أن مدينة الحضر هي مدينة عربية، استطاعت أن تحافظ على ثقافتها المميزة وبقيت تقريبا مستقلة رغم أنها ضُمّت إلى الإمبراطورية البارثية بعد حصار طويل.

وكانت محل صراع بين الإمبراطوريتين الرومانية والبارثية، كما حاول الإمبراطور الروماني تراجان في 116 للميلاد السيطرة على مدينة الحضر، لكنه فشل في ذلك، وبقيت الحضر صامدة في شموخ وكبرياء أمام الرومان.

نسخ أصلية

* الجديد: لكن هناك العديد من المختصين والهيئات المعنية أشارت إلى أن المعالم والقطع والتحف الأثرية التي تعرضت للنهب والتخريب من قبل التنظيم الإرهابي سواء في العراق أو في سوريا هي مجسمات وليست أصولا. هل هذا يقلل من حجم الخسارة، وهل معنى ذلك أن القطع الأثرية الأصلية وذات القيمة الكبيرة هي في مأمن من التخريب أو النهب؟

* سالفيني: لا، هذا ليس صحيحا. الكثير من القطع التي خرّبت أو نُهبت هي قطع أصلية، وليس كما أشيع أنها مجسمات، وأخرى أعيد بناؤها من قطع مبعثرة، ولكن هناك من بين القطع التي خربت نسخ لقطع أصلية موجودة في متاحف أخرى لكن حتى هذه النسخ لها أهمية كبيرة. حتى المجسمات مثل مجسمات الأقواس الآشورية تحمل من القيمة الأثرية الشيء الكثير. فحتى تخريب المجسمات هو عمل غير لائق وليس فعلا إنسانيا أو حضاريا، لأن بعض المجسمات لها نفس القيمة مع التحف والقطع الأصلية. رأيت في كردستان مثلا مجسما لمنحوتة موضوعة على جدار صخري، وهذا الجدار الصخري معرض للعوامل الطبيعية والعوامل الإنسانية، ولكن لم يطرأ عليه أيّ تغيير لمئات السنين.

تفصيل في جدارية آشورية من محفوظات المتحف البريطاني
المجسّمات القديمة هي غالبا ما تحفظ بشكل أحسن، وتحفظ المنحوتات الملحقة أفضل من الأصلية. هذا يعني أن المجسمات يمكن أن تكون لها أهمية كبرى. ولكن الشيء المؤكد أن القطع التي نُهبت وخرّبت في متحف الموصل ونمرود كانت قطعا أصلية. وليس صحيحا أن القطع التي خرّبت بمتحف الموصل كانت 90 بالمئة منها غير أصلية، للأسف هي أصلية.

* الجديد: أصبح الوضع مقلقا للغاية، مما دفع ببعض الهيئات المختصة في حماية التراث تبنّي خطط عاجلة. هل تعتقدين أن هذه الخطط كفيلة ومجدية لحماية هذا التراث الذي يمتدّ لأكثر من 3300 سنة، وكيف؟

* سالفيني: في مثل هذا الوضع لا يمكن التحرك على المستوى الأمني، ولكن يمكن التحرك وحماية التراث على مستوى المتاحف والمختصين في مجال الآثار من خلال جمع الوثائق الأساسية، ورقمنة كل الأبحاث والاكتشافات، وجرد كل القطع الموجودة في المتحف، بالإضافة إلى المعالم التاريخية والأثرية التي تقدر بأكثر من 2000 موقع. أعلم أن متحف دمشق خضع لجرد مهم، ولكن ليس الأمر كذلك بالنسبة إلى متحف بغداد، رغم أن علماء الآثار والمختصين يعملون على جرد ضخم لم ينته بعد، لأن العراق، كما نعلم، ينام على كنوز من الحضارات، وهو مهد كل الحضارات الإنسانية المتعددة. إضافة إلى ذلك القطع الأثرية والمعالم التي يتم اكتشافها باستمرار، ولا يمكن جردها في ظرف قياسي. إذن ما يمكن عمله هو جمع الوثائق ورقمنة ما يمكن رقمنته.

وإذا توفرت السبل لا بد من محاولة إعادة القطع التي سرقت بالتعاون مع الهيئات الدولية. وقد نجح المختصون في إعادة الكثير من القطع المهرّبة من العراق وسوريا في ما بين السنتين 2011 و2014. ما يمكن فعله أيضا وقد نجح فيه العراقيون، ويجب أن يحذو حذوهم السوريون، هو الاستمرار في الأبحاث من قبل المختصين في المواقع الأثرية وعدم هجرها. لأننا نعلم أن المواقع الأثرية تتعرض للنهب والسرقة عندما يهجرها أهل الاختصاص. وأقصد هنا علماء الآثار والباحثين. ولذلك هناك شبكة من العلماء والباحثين في الآثار تضم عراقيين وسوريين تحاول بوسائل محدودة، وفي ظل غياب الأمن، أن تقوم بحماية التراث الأثري العراقي والسوري.

تطهير ثقافي

* الجديد: ما يحدث اليوم في بلاد الرافدين ليس وليد اللحظة ولم يكن وليد الأمس، هل هو في رأيك نوع من “التطهير” الثقافي والحضاري الذي يطال أعتى الحضارات وأقدمها؟

* سالفيني: هناك العديد من المستويات، والأمر معقد نوعا ما، إذ على مرّ الزمان، كان نهب وتخريب المواقع والمعالم الأثرية أمرا واقعا. أولا هناك ما يحدث خلال الحروب الكبرى منذ القدم، وخلال كل النزاعات، هناك نهب ولا يمكننا حظره، وهناك أيضا نهب للتحف في المواقع الأثرية، وأيضا لا يمكننا منعه. واليوم يضاف إلى كل هذا النهب الإرهابي والتخريب من قبل داعش، أكبر عمليات نهب وسرقة للتحف والقطع الأثرية في الشرق الأوسط بدأت في السبعينات واشتدت وتيرتها في الحرب العراقية الإيرانية 1979، حيث ظهرت شبكات تهرب التحف والقطع الأثرية، مثلما نتحدث كثيرا عن نهب بغداد في 2003. ولكن قبل هذا التاريخ كان هناك نهب لقطع أثرية وتحف نادرة وأيضا ضياع للوثائق، وهما شيئان مختلفان. مدير سابق للتحف القديمة قال لي إنه خلال الحرب العراقية الإيرانية تم وضع جزء كبير من محتويات المتحف في صناديق حديدية وتم لف القطع بالقطن. وهو ما لا ينصح به في بلد مناخه حار ورطب، خاصة في بغداد، العملية كانت للحفاظ على القطع والتحف بالوسائل المتوفرة.

المواقع الأثرية في سوريا والعراق تحولت إلى مورد مادي لاقتصاد العائلات وتجارة الاسلحة
وتم توزيع الصناديق على أماكن شتى في كل البلد. ولكن الحرب استمرت وجاءت بعدها حرب الخليج ثم الحصار. جزء من هذه القطع ضاع، وبعضها أتلف في الصناديق الحديدية، رغم أن جزءا منها تمت استعادته وترميمه وبعضها خرّب. إذن، أريد أن أقول إن هناك عدة طرق ووسائل لتدمير التراث الأثري. أما النهب خارج الحروب والنزاعات، فهو أيضا موجود منذ السبعينات، هناك الشبكات الكبرى الخاصة، والمختصة في نهب الآثار خارج الحروب، لكنها تستفيد أكثر وترتفع أسهمها خلال الحروب. هذه الشبكات تنشط على مستوى التحف النادرة، والقطع الأثرية ذات الأهمية الكبيرة. ويمكن أن يحتفظ بقطعة أثرية لأعوام في قبو منزل دون أن تظهر أو تخرج للعلن.

يعرفون ولا يتصرفون

* الجديد: لا يوجد حل عسكري بحت للهجومات ضد الثقافة والحضارات، ولكن هذه الهجمات هي جرائم حرب ويجب أن يعاقب عليها على هذا النحو. كيف يمكن توفير مثل هذه الحلول لهذا النوع من الجريمة ومكافحتها؟

* سالفيني: يجب أن نعترف أولا أنه تمت إعادة فتح متحف بغداد بإرادة عراقية فقط، وليس لأيّ أحد الفضل في فتح متحف بغداد. ووحدهم العراقيون رفعوا التحدي وأعادوا فتح المتحف في ظروف قاهرة. طبعا الوضع يحتّم أحيانا أن تتوقف الأبحاث في بعض المواقع التي تشكل خطرا على الباحثين والعلماء، فحتى أصدقاؤنا السوريون والعراقيون لا يعرفون ما يحدث فعلا على هذه المواقع. وهنا يجب استغلال الوسائل المتطورة والعسكرية ويجب أن تلعب هذه الوسائل دورها كالأقمار الصناعية والطائرات المتطورة كالطائرات دون طيار. وهو أمر متاح ويمكن الاستعانة بهذه الوسائل لمعرفة ما يحدث في المواقع الأثرية من تخريب ونهب. أنا لا أفهم كيف لا يمكن معرفة ما يحدث في موقع ما في العراق أو في سوريا، في حين أنه يمكن إخضاع العالم للتصنت والطائرات الاستكشافية. الأميركان يحضّرون لشيء ما والأقمار الصناعية تراقب المواقع الأثرية ذات الأهمية وأعرف أن هناك في واشنطن قائمة دورية للمواقع التي تتعرض للتخريب والدمار، وهناك أيضا فيديوهات حيث نرى المواقع وهي تتعرض للتخريب والنهب سواء في العراق كما في سوريا. فالأميركان يعرفون من يخرب المواقع. لكن لماذا لا تستعمل هذه الوسائل لحماية المواقع. هذا هو السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح.

قصص التهريب

* الجديد: يقول الخبراء إن الاتجار بالتحف والآثار لا يمكن تقدير حجمه. رغم أن بعض التحف المعروضة في الأسواق الغربية غير أصلية. كيف استطاعت هذه التجارة أن تخلق سوقا موازية لها؟

التحف والقطع القيّمة والثمينة المسروقة والتي تهرّب عن طريق الحدود، سرعان ما لتصل إلى الأسواق الغربية

* سالفيني: عندما نتحدث عن الاتجار بالتحف والقطع الأثرية النادرة، فبالتأكيد يؤول بنا الحديث إلى عمليات النهب التي تمسّ المواقع في حالات الحرب كما في حالات السلم. هناك شبكات قوية على أعلى مستويات، وعندما تحدث عمليات نهب على مستوى عال، تتسرب القطع والتحف بشكل سلس ويصبح اقتناء هذه القطع في متناول المهتمّين بشراء القطع الأثرية. وهو ما خلق هواة يحاولون اقتناء القطع النادرة لإعادة بيعها للخواص بأسعار خيالية. هذا ما حدث في أوقات السلم.

لكن ما يحدث الآن، للأسف، هو أن الإرهاب بشتّى أنواعه أصبح يسترزق من موارد هذا المجال، وتحوّلت المواقع الأثرية إلى مناجم تدرّ الأرباح وتموّل العمليات القتالية وشراء الأسلحة. وهذا ما يحدث الآن في سوريا والعراق، لكن هذه التجارة أيضا أصبحت على مستويين، بين مستوى يسعى إلى الحصول على الكنوز الأثرية ومن ثمة بيعها واقتناء الأسلحة المدمرة، وبين ذاك الإنسان الذي يقاوم من أجل العيش، فيلجأ لبيع التحف الأثرية لمواصلة العيش والحياة. وهنا يتحوّل الاتّجار بالقطع الأثرية إلى تجارة مشروعة، لأنه إذا رجعنا إلى ما يحدث في سوريا، نجد أن الشعب يتاجر بهذه القطع لأنه جائع، وبالتالي هو مضطر لمثل هذا، ولا يدرك القيمة التاريخية أو الحضارية للقطع التي يبيعها أمام جوعه. لقد شاهدنا في سوريا كيف أن المواطنين يقفون في طوابير طويلة من أجل قطعة خبز، وفي نهاية المطاف يقصفون بالطائرات أو يرمون بالرصاص. فكيف لا يتاجر المواطن البسيط بقطعة أثرية مقابل أن يحصل على مال يعيل به أطفاله؟ إذن لا يمكننا مقارنة شخص يبيع قطعا أثرية، لا يعرف قيمتها الحضارية والتاريخية، مقابل أن يقتات أو من أجل أن يسدّ رمق أطفاله، وذاك الشخص الذي ينظّم ويدفع من أجل سرقة ونهب الآثار من أجل جني أموال أو التباهي بامتلاك كنز يمتد تاريخه لآلاف السنين.

ولا بد من القول إن التحف والقطع القيّمة والثمينة المسروقة والتي تهرّب عن طريق الحدود، (مثلا القطع الأثرية العراقية أو السورية تتسرّب عن طريق الحدود التركية لتصل إلى الأسواق الغربية) ليست في معظمها أصلية. وهناك من التحف المسروقة من المتاحف العراقية أو من متحف دورا السوري استغرق بها الأمر سنوات لتصل إلى الأسواق الغربية.

نعم استعدنا الكثير من التحف العراقية من الأسواق الغربية، وكان آخرها قطع استعيدت في الجمارك الفرنسية وقدمت من السوق اللندنية ومرّت على الجمارك الفرنسية، واستطعنا تحديدها واستعادتها ومن ثمّ تسليمها إلى السفير العراقي لإرجاعها إلى متحف بغداد.

كنّا ننسّق في متحف اللوفر مع الجمارك، وكنّا نعاين كل ما يدخل أو يخرج من التراب الفرنسي أو إليه. أما القطع التي تهرّب أو تدخل إلى التراب الفرنسي ولا تمرّ على الجمارك، فمن الصعب مراقبتها.

بياتريس أندريه سالفيني، الرئيسة السابقة لقسم الآثار الشرقية بمتحف اللوفر بباريس.

* نشر هذا الحوار في عدد إبريل/نيسان من مجلة "الجديد" الشهرية الثقافية العربية الصادرة من لندن. وينشر هنا بالاتفاق مع "العرب".

14