"بياض سهل" 101 قصيدة حب كتبت بالموبايل

سحره الشعر تماما كما سحرته السينما، فحلق في سماء ذاك مرة وتلك مرة أخرى، تنقّل بين ثنائية الشعر والسينما عدة مرات، لم يستقر على نوع إبداعي محدد رغم أن شهرته السينمائية أوسع من شهرته كشاعر، لكن الشعر عنده كان مرهفا شفافا يدغدغ الروح كما تدغدغ السينما القلوب إنه الشاعر والسينمائي السوري فجر يعقوب. “العرب” كان لها هذا الحوار مع الكاتب والسينمائي حول تجربته في الكتابة.
الأربعاء 2015/09/09
النشر بدمشق في هذا الوقت بالذات يمدني بالقوة التي أحتاجها

في مجموعته الخامسة، التي صدرت حديثا بدمشق بعنوان “بياض سهل ـ 101 قصيدة حب”، يركّز الشاعر والمخرج السينمائي والناقد والروائي السوري ـ الفلسطيني فجر يعقوب على الحب في رحلة السوريين وما حكمهم في رحلة الهجرة والعذابات القاسية.

يعقوب كان مقيما في دمشق قبيل الأزمة، إلى أن دفعته الظروف في سوريا إلى الانتقال إلى لبنان، وبعد سنوات قرر الانتقال إلى بلد أوروبي، في انتظار العودة إلى سوريا التي عاش فيها وأحبها، وقضى سنين هامة من حياته فيها، وكانت تجربة هجرته نحو الشمال شاقة ومتعبة لكنها مختلفة، فحاول توظيف اختلافها هذا، فخاضها وعيناه مفتوحتان ككاميرا، التقطت كل رفة جناح طير وكل موجة بحر ترتطم بقوارب الموت التي تعبر نحو الشمال، وترجم هذه اللقطات والمشاعر ضمن قصائد جمعها في ديوانه الجديد.

رحلة شاقة

حول ذلك يقول يعقوب لـ”العرب”: أثينا التي كانت تستعد لتوزيع المئات عبر مطارها على المطارات الأخرى، وإن تجنبت الحديث عن فخ الصورة المحكم، في تظهير رحلة القارب المطاطي اللزج، فإن حمى الكتابة عبر الموبايل، ونقل ما أكتب إلى بريدي الإلكتروني نظرا إلى عدم وجود اللابتوب كانت الطريق لعبور المكان الذي يفصل أحيانا بين عالمين متناقضين، ولكن ينبغي العبور بينهما لإعادة تعريف كل ما سبق. يبدو هنا القارب المطاطي بلزوجته، هو الدلالة المحسوسة على بحر متقن من زلال البيض، لا يمكن الوثوق به وتعريفه.

ويوضح “لقد فقدت الموبايل في لحظة النزول على جزيرة ساموس اليونانية إثر سقوطه في البحر، وتوقفت عن الكتابة حوالي أسبوعين، قبل أن أحصل على هاتف جديد في أثينا لإكمال ما بدأت به: 101 قصيدة حب”.

وعن هذا الديوان يقول ضيفنا: إن “بياض سهل” هو الحاجة إلى الحب في رحلة السوريين، ومن في حكمهم، في هذه المتاهة التي انقلبت من ثورة إلى مجموعة من الحروب المرشحة لأن تولد إعاقات قاتلة في الجسم السوري، لم يعد ممكنا تفنيدها، أو الإضاءة عليها، وعلى النقيض من ذلك سيبدو أن هناك استحالة في فهم ما حدث، وعوضا عن الحديث بشكل منفرد وشخصي عن إحالات متورمة إلى مصطلحات غادرة، من مثل السباحة في بحر من زلال البيض للدلالة على تشوش الرؤية وانعدامها، ظهر البياض السهل للتدليل في لحظة حرجة، بدأت من لحظة اتخاذي قرار الهجرة إلى أقصى الشمال في رحلة استمرت قرابة شهرين بدأت من بيروت، مرورا بإستانبول، وإزمير، ومدن تركية أخرى، ثمّ جزيرة ساموس اليونانية.

هجرة الكاتب نحو الشمال كانت شاقة ومتعبة لكنها مختلفة، فحاول توظيف اختلافها هذا

ويشدد يعقوب على طباعة ديوانه هذا في دمشق ولدى صديق قديم له ضليع في عوالم الكتب وروائحها، فالنشر بدمشق في هذا الوقت بالذات يمدّه بالقوة التي يحتاجها، يقول “كتابي هذا يطبع في دمشق، عند صديقي سعيد البرغوتي، صاحب دار كنعان للطباعة والنشر، واليوم أكثر من أي وقت مضى سأصرّ على طباعته فيها، لأن ذلك يشبه عندي اختطاف قلب دمشقية والاحتماء به من سطوة المدن الأخرى التي لا تنهدم أمام الشعر بسهولة”.

حاول الجمع بين شغفه كشاعر وعشقه للصورة، فلم يستغن بديوانه الجديد عن الصورة واللحن، ورصد صورا متفرقة من الواقع والخيال، أو من الواقع الذي يشتهيه خياله.

مقتطفات من الديوان

من قصائد الديوان “عندما تركنين سيارتك بجانب الرصيف.. جربي أن تمشي باتجاهات غير مرئية.. في الشوارع التي تتحكم بخطواتك: اتركي الكعب العالي جانبا.. وقللي من دوران الأصابع.. وأنت حافية، وعندما تهزين الشجرة التي تؤرقني.. برائحة زيوتها العطرية النفاذة.. سوف تجدين بين الأوراق.. ثمار الاشتياق التي لا تعرف.. قوانين الجاذبية.. ولا تسقط على الأرض.. وتظل معلقة بنكهات وصور مختلفة!”.

"بياض سهل" الحاجة إلى الحب في رحلة السوريين

وأيضا “على حافة الهاوية.. نتلكأ في مد نظراتنا.. لنتفحص ما يجري في الأعماق: تقف النظرات في المنتصف.. ونحن نتعمد فعل ما يمكن فعله.. لئلا تحملنا الرياح.. وتلقي بنا في هاوية أخرى.. غير التي تعدين بها.. وحينئذ قد لا نحظى بنفس النظرات.. التي ترد كل ما يحدث في الأعماق.. إلى أخطاء خفيفة في تفسير الحنين!”. وكذلك: “أنت تقفين هناك متلفعة.. برداء ملون وتغرقين.. في عتمة معدلة وراثيا: ليس الأمل بفقدان.. شمعة أو شمعتين.. في تدرجات الألوان الرمادية.. ما يحفز على اتخاذ.. قرارات مصيرية.. في وصف الظلام.. الذي سيحل في غيابك.. أنت تقفين هناك على الحافة.. تراقبين تصفيقنا الذي يهز.. أعشاش النور بانتظام!”.

وأيضا “تصحو بين خيطين أسودين.. وهذا نادرا ما يحدث لفظاعته: تفكر أن عري شارون ستون.. في سنواتها المرهقة هو السبب.. لم يكن ممكنا تقدير ذلك.. لولا أن الضوء المتبقي بين هذين الخيطين.. يقلل من قيمة الأمر.. وأن الاستيقاظ المعذب.. لقراءة شيء عن الحنين.. بداخلي وبداخلك.. كان أمرا لا بدّ منه.. لتفحص الحد الفاصل بين الحياة والموت”.

وفي قصيدة أخرى يقول “ستمضي الفراشة إلى كنهها في النوم.. وتنتظر رنة القصب.. متمهلة وغافلة.. حتى يعود الناي.. من مشواره.. مستذئبا بلا ألم!”.

وأيضا “تعرفين أن القطرة الأخيرة.. من قهوة الصباح تختلف.. في جغرافيتها الذهبية.. عن الأسئلة والمذاقات المتهورة.. حين تعلق بين شفتين مطبقتين: يمكنها أن ترد الغائب.. من مطمر الريح.. واللعنات المقوّسة.. وتقلل من قوة فكي ذئب.. إن زادت عن حدها.. في لحظة القنص والقفز السهل عن الفريسة… تعرفين أن القطرة الأخيرة.. لا تكذب في إرسال إشارات الحب.. حين تسقط ببطء شديد من شفتين منفرجتين!”.

وفي أخرى “وأنت يائسة، وتقفين وحيدة.. بين أعمدة الليل.. المتراصة بين أشجار النارنج.. لن يصعب عليك العدّ.. وأنت مغمضة العينين: ليس نوما أو انتكاسة.. في فكرة الحلم التي تراودك.. بين أوراق الخريف السهل.. وأنت ترينه تحت جفنيك المضغوطين.. مثل بقع متحركة بألوان حادة.. ليس ترفا مرئيا.. بين فصول ساكنة.. الحب بأجنحة متطرفة.. ما ترينه تحت جفنيك”.

ويشار إلى أن يعقوب خريج المعهد العالي للسينما في صوفيا، وأنجز عددا من الأفلام التسجيلية والروائية القصيرة، وصدرت له عدة كتب عن السينما وشؤونها، ترجمة وتأليفا، كما صدر له أربعة دواوين شعرية آخرها “حين تخلو صورتها من المرآة” عام 2012، فيما صدرت روايته الأخيرة “نقض وضوء الثعلب” عام 2013.

15