بيانات المستخدمين تفتح أسواقا واعدة لشركات التكنولوجيا والدول

أصبحت بيانات المستخدمين قوة محركة للصناعة، تستثمرها شركات التكنولوجيا والدول على حد سواء، وتشكل المادة الأساسية لتطوير بحوث الذكاء الاصطناعي، لكن العائق يكمن في الحفاظ على ثقة المستخدمين، وهو ما تحاول الدول الأوروبية تحقيقه بتشريع قانوني.
السبت 2017/11/11
حين لا يدفع المستخدم ثمن الخدمة يكون هو الخدمة

لندن - تشكل البيانات الأداة الأكثر أهمية لشركات التكنولوجيا مع الكميات الهائلة الناتجة من البشر والآلات، إلى جانب أجهزة الكمبيوتر والخوارزميات الذكية التي تزداد قوة باستمرار، وتقدّم المادة الأساسية لأنظمة الذكاء الاصطناعي، إلى درجة أن قدرة الدول على استغلال البيانات بطرق آمنة ومبتكرة ستكون المحدد لمدى نجاحه، بحسب الخبراء.

وتبرز المبالغ الطائلة التي دفعتها شركة فيسبوك للاستحواذ على شركة واتس آب التي لا تملك أي إيرادات، ما الذي تعنيه البيانات في عالم التكنولوجيا المتسارع، لكنها في نفس الوقت فتحت أنظار الحكومات على احتكار شركات الإنترنت العملاقة وهيمنتها على سوق واعدة.

وتمتد أنظمة مراقبة هذه الشركات لتشمل جميع نواحي الحياة، وفق ما ذكرت صحيفة الإيكونوميست، حيث تطلع شركة غوغل على كل ما يبحث عنه الناس، بينما تستطيع شركة فيسبوك الوصول إلى مشاركتهم وما يهتمون به وحتى ما يحرك مشاعرهم، وتتمكن شركة أمازون من معرفة مشترياتهم.

وتملك الشركات بهذه البيانات معلومات كاملة حول النشاطات داخل وخارج أسواقهم الخاصة. ويمكنها أن تراقب صعود المنتجات أو الخدمات الحديثة، فتقلّدها أو أن تقوم بكل بساطة بشراء الشركات الناشئة قبل أن تصبح تهديدا محتملا لهذه الشركة.

ويعتقد خبراء اتصال أن عملية استحواذ فيسبوك على شركة واتس آب بقيمة 19 مليار دولار عام 2014 تندرج ضمن هذه الخطة لإبعاد المنافسين المحتملين. ومن خلال إنشاء حواجز أمام نظم الدخول والإنذار المبكر، يمكن للبيانات أن تضيق الخناق على المنافسة.

وتفاجأ الملايين من مستخدمي واتس آب بالسياسة الجديدة للخصوصية، والتي منحت الفرصة لمجموعة شركات فيسبوك، مثل إنستغرام وأوكولوس، الحصول على بيانات المستخدمين. وأوضح واتس آب لمستخدميه أن رسائلهم ستظل مشفرة دون تمكن أي جهة من الاطلاع عليها، حيث سيسعى إلى استغلال بيانات المستخدمين للحصول على توصيات صداقة أدق على فيسبوك مع تقديم إعلانات موجهة بشكل محدد، دون بيع هذه البيانات للمعلنين.

من جهته يرى جون ثورنهيل في مقال لصحيفة فاينينشال، أنه يتعيّن تصوّر أشكال صحية وأكثر انفتاحا من أشكال تبادل البيانات، إذا أردنا تحقيق الاستفادة القصوى من هذه الثورة.

وتعمل الشركات أمثال غوغل وأمازون وعلي بابا وتينسنت على استغلال البيانات واستخدامها بطرق مبتكرة، تمنح بعض الطمأنينة للمستخدمين الذين يشعرون بالقلق إزاء تركيز قوة الشركات وتراجع الخصوصية.

شركة غوغل تطلع على كل ما يبحث عنه الناس وشركة فيسبوك تستطيع الوصول إلى مشاركات المستخدمين

ويمكن للحكومات أن تشجع على ظهور خدمات جديدة من خلال جعل خزائن البيانات أو الأجزاء الحساسة من اقتصاد البيانات بنية تحتية عامة، وهو ما قامت به الهند مع نظام الهوية الرقمي. كما يمكنهم أيضا منح تفويض لمشاركة أنواع معيّنة من البيانات، وذلك بموافقة المستخدمين، وهو نهج أصبحت تعتمده أوروبا في مجال الخدمات المالية من خلال مطالبة البنوك بإتاحة بيانات العملاء لأطراف ثالثة.

ويتحدث ثورنهيل عن تقرير مستقل نشرته الحكومة البريطانية مؤخرا، حول كيف يمكن لبريطانيا تعزيز صناعة الذكاء الاصطناعي الخاصة بها. أعدته الليدي ويندي هول وجيروم بيسينتي.

ورغم أن بريطانيا تفتخر بوجود تاريخ عريق في مجال الحوسبة، لكنها تخشى أن يتراجع دورها في هذا القطاع الناشئ، وقدّم التقرير مقترحات جيدة لتحسين التعليم الفني، من خلال المحافظة على حرية تحرك الخبراء، وجعل البيانات الحكومية قابلة للمعالجة من قبل الآلات. ومن المرجّح أن يستفيد القطاع العام بشكل هائل في مجالات مثل الطاقة والرعاية الصحية والنقل والأمن الإلكتروني.

لكن التقرير يلفت النظر بشكل كبير إلى أهمية أخذ زمام المبادرة في إنشاء صناديق للبيانات، أي إطار من الاتفاقيات المبرمة بين الحكومة والصناعة لتحفيز التبادل الآمن للبيانات الذي يحقق المنفعة المتبادلة. وهي فكرة جيدة من الناحية النظرية لكن سيكون من الصعب تنفيذها على أرض الواقع. إذ تعترف هول قائلة “هناك إرادة لتنفيذها لكن لا توجد طريقة حتى الآن”.

والفكرة الأساسية تتضمن عمل الحكومة مع مؤسسات مستقلة، مثل الجمعية الملكية ومعهد البيانات المفتوحة، لتشجيع عملية إيجاد آليات قوية ومستقلة لتبادل البيانات بين القطاعين العام والخاص. وهذا من شأنه أن يساعد في طمأنة مانحي البيانات أن المعلومات التي تأتي منهم يتم استخدامها للمصلحة العامة وليس لتحقيق أرباح خاصة أو لغايات الرقابة الحكومية. لكنه أيضا يمنح الباحثين وأصحاب المشاريع إمكانية الوصول إلى كميات جديدة مثيرة من البيانات.

ويقول السير نايجيل شادبولت، أستاذ الذكاء الاصطناعي والمؤسس المشارك لمعهد البيانات المفتوحة، يجب أن يكون الهدف هو إيجاد “مؤسسات مهتمة لا تسعى فقط إلى المصلحة الذاتية” للإشراف على مثل هذه الأصول المشتركة من البيانات.

وتعتبر الخصوصية والأمن أكثر العوائق وضوحا. وتحويل البيانات بشكل يبقيها سرية يعدّ أكثر صعوبة مما يبدو عليه، ولا سيما بالنسبة للمعلومات الصحية. فقانون حماية البيانات العامة الذي يكتسح الاتحاد الأوروبي، والذي يدخل حيّز التنفيذ في مايو المقبل وسيتم اعتماده من قبل بريطانيا، يفرض أيضا قيودا صارمة على استخدام البيانات.

وتقول البروفيسور هول “هذا القانون رائع في حماية الأشخاص، لكن من المحتمل أن يؤدي إلى تقييد البحوث”.

وهذا ربما يعَرِّض أوروبا إلى حد كبير لضرر تنافسي أكبر على المدى القصير نظرا للمساءلة الأكثر مرونة في البلدان الأخرى. وتواجه الشركات في الصين، على وجه الخصوص، قيودا محدودة على استخدام بيانات المستخدمين سواء من التنظيمات والضوابط الحكومية أو تلك الناشئة عن قلق الجمهور.

لكن يورغن شميدهوبر، أستاذ الذكاء الاصطناعي في جامعة لوجانو، يرى أن حماية حقوق البيانات ربما تكون منطقية من ناحية الأعمال على المدى الطويل، إذا أسفرت عن بنية تحتية أكثر موثوقية في عملية تبادل البيانات، ويقول “احترام الخصوصية سيكون أمرا مربحا يوما ما”.

18