بيانات المستخدمين.. منجم معلومات تتدفق من العالم الرقمي

توفير آلية عربية مشتركة لمناقشة فرص وتحديات ثورة البيانات الضخمة المحلية والإقليمية والدولية أصبح ضرورة قصوى للمؤسسات والشركات العربية التي لم تستفد بالشكل الأكمل من تقنيات الجيل الرابع.
الأربعاء 2020/03/04
طوفان من المعلومات المتدفقة باستمرار

مع الثورة في قطاع إنترنت الأشياء وعوالم التواصل الرقمي أصبح لحركة البيانات ومضمونها دور كبير في التأثير في الحسابات والقرارات المتعلقة بتطوّرات ملفات مهمة على المستويين الإقليمي والدولي. كما أدى تصاعد أهمية البيانات الضخمة إلى ظهور ما يسمى باقتصاد البيانات.

باريس – تتحول البيانات، مع التطور الحاصل في مجال إنترنت الأشياء، إلى معين ثروة معرفية لا ينضب ومصدر معلومات يتجدد باستمرار. ويوفر هذا الطوفان المتدفق عبر التفاعل اليومي مع المنتجات والخدمات الرقمية، معلومات ضخمة يتم تخزينها ومعالجتها وإعادة إنتاجها في السوق العالمية والاستفادة منها بطرق مختلفة وفي مجالات متعددة، حتى أنها صارت أداة من أدوات القوة الناعمة وصناعة السياسات في العالم.

لكن، ورغم أهمية هذه السوق التي يتوقع أن تصل إيراداتها إلى حوالي 190 مليار دولار في عام 2020، ورغم أن المجتمعات العربية تسجل أعلى معدلات الاشتراك في مختلف وسائل التواصل الاجتماعي، ما زال الاستثمار الذكي في هذا القطاع متأخرا على مستوى السياسات الحكومية كما الإجراءات اللوجستية.

يقدر عدد مستخدمي فيسبوك بنحو 2.5 مليار مستخدم، وسجل موقع يوتيوب ملياري مستخدم، فيما آلت المرتبة الثالثة إلى واتساب بمليار ونصف مستخدم، ويحتل ماسنجر المرتبة الرابعة بحوالي مليار و300 مليون مستخدم، فيما وصل مرتادو موقع وي تشات إلى 1.151 مليار شخص، وسجل إنستغرام اشتراك حوالي مليار مستخدم تقريبا، وكذلك موقع بايدو، فيما نزل تويتر إلى المرتبة الثامنة في سلم المواقع بحوالي 340 مليون مستخدم.

ويطرح هذا العدد الهائل من المستخدمين أسئلة حول كيف يمكن جمع وهيكلة وترتيب وتحليل كل تلك البيانات الهائلة المتداولة، في وقت تعمد الشركات الكبرى لجمع وتحليل ملايين العمليات والبيانات الخلفية للزبائن وعادات الإنفاق اليومي؟ وكيف يمكن تفسير هذه القوة المتصاعدة في أهمية البيانات وضخامتها، وما يمكن استخراجه منها؟

مصادر متنوعة

2.5 مليار عدد مستخدمي فيسبوك
2.5 مليار عدد مستخدمي فيسبوك

يمكن تحديد موارد البيانات الضخمة حسب معطيات وسائل التواصل الاجتماعي وسجلات الهواتف المحمولة وبرامج الاتصالات والتطبيقات الخاصة بها ومنصات القواعد المعلوماتية والمواقع وإنترنت الأشياء وسجلات المكالمات الهاتفية أو صور الأقمار الاصطناعية وتنقلات المواطنين عبر شركات النقل والطرق السيارة.

وتمتد هذه الموارد إلى مصادر البيانات السلوكية عبر حصر زيارة المواقع والصفحات على الإنترنت وأجهزة استشعار الطرق والاستشعار عن بعد وكاميرات المراقبة… إلخ، فهي اليوم من صميم مقومات القوة الخشنة والناعمة لجميع الدول والمنظمات الإقليمية والشركات الكبرى وكبريات الصحف ومراكز الفكر وشبكات الأكاديميين والمنظمات الحكومية وغير الحكومية، إن على صعيد بناء السياسات الداخلية والخارجية أو في رصد تطور مجمل التفاعلات القائمة والعوامل المسؤولة بين جميع المجالات.

وهذا الانفجار الهائل في كمية البيانات الضخمة يتضاعف بتضاعف سعة تخزينها، فهي عبارة عن مناجم معلومات تزخر بالغالي والرخيص، والظاهر منها يتضمن ذلك الجزء الأكبر من تلك البيانات التي يطلق عليها ’’البيانات المفتوحة‘‘، وهي جملة البيانات التي تُجمع من حصيلة التفاعلات اليومية، وتتداخل بموجبها المعلومات الشخصية، والحسابات والمنتجات والخدمات الرقمية بما في ذلك الهواتف الخلوية وبطاقات الائتمان ومنصات التواصل الاجتماعي، وهي بيانات متاحة للخاصة والعامة عندما يتعلق الأمر بالبحث عن معلومة ما. وهي تحتاج فقط لتدبير المعطيات الشخصية وبمعالجتها يمكن استغلال تلك البيانات لأغراض وقضاء حاجيات.

وإذا كنّا اليوم نتحدث عن البيانات الضخمة، فيمكن الحديث في أفق عام 2025 عن بيانات فائقة الضخامة، حيث وصل حجم المعلومات المخزنة في الأنظمة المعلوماتية في عام 2018 إلى 33 زيتابايت (زيتا: ألف مليار مليار مضروبة في ثمانية)، ومن المتوقع أن تصل إلى 175 زيتاأوكتيت، أي بحوالي 175 مليار زيتابايت في عام 2025، حيث سيمكن معالجة 30 في المئة من البيانات العالمية في حين وحال تداولها. وسيضطر كل فرد إلى استعمال معطيات وبيانات كل 18 ثانية، ومن ثم إن أغلب هذا التشبيك سيصبح ممكنا بفضل مليارات الأجهزة المتشابكة في العالم.

لكن الجزء الآخر من البيانات الضخمة، يتعلق بعالم آخر، له نظمه ومفاتيحه، لا يستطيع المرء الوصول إلى بياناته الضخمة والنوعية عبر المحركات التقليدية، مثل محرك غوغل وبينغ ودك دك غو وياهو، كما لا يمكن تصفحه من خلال متصفحات الإنترنت مثل غوغل كروم أو فاير فوكس، فهذه المواقع التي تعج ببيانات ضخمة وسرية، تستخدم تقنيات تشفيرية يصعب تحديد أصحابها ومعرفة أصولها في توليد المعلومات ومؤشراتها. وأشهر متصفح متداول حاليا، هو تور، وهو برنامج يعتمد الجيل الثاني من التسيير أو التوجيه البصلي (The Onion Router)، ويصعب جدا الوصول لأي بيانات مستخدميه.

غير أن المهم سواء في البيانات الضمنية أو البيانات الواضحة، أنها كلها توفر معارف ضخمة تساعد على التعريف بأدق التفصيلات في حياة الأفراد والدول والمنظمات والشركات، والتأثير في مكوناتها ونتائجها. كما لا يخفى اليوم أن اعتماد هذه البيانات الضخمة يقدم فهما أفضل عن أسباب حصول ظاهرة ما، فليس هناك من مجال للحظ أو الصدفة شريطة الجمع والربط والتحليل بين المعلومات المتناثرة ذات الصلة غير المتشابهة ومطابقتها وربطها ببعضها البعض، مع مراعاة الحجم والسرعة والتنوع والمصداقية والقيمة بحسب الاتحاد الدولي للاتصالات (ITU) والمنظمة الدولية للمعايير (ISO).

استخدامات متعددة

يلعب تحليل البيانات ذات العلامات الجغرافية المرتبطة باستخدام الصور دورا كبيرا في الصين مثلا لمراقبة حركات الإنسان أثناء انتشار وباء كورونا ومحاولة احتوائه عبر تتبع حركة السكان والتنبؤ بسلوكهم، وهو الآن من أبرز ما تقوم به وزارة الصحة والشرطة الصينية حتى لا يستفحل وباء كورونا.

وأفاد تقرير لإذاعة الصين الدولية بأن إدخال الأسماء وأرقام بطاقات الهوية في منصة بيانات ضخمة تستمد معلوماتها من دعم معلوماتي من اللجنة الوطنية للصحة ووزارة النقل والشركة الوطنية للسكك الحديدية الصينية ومصلحة الطيران المدني الصينية مكّن الجهات المعنية ومستخدميها من التعرف على الحالات المرضية أو المشتبه فيها.

أما على المستوى السياسي، فيمكن استخدام قواعد البيانات الضخمة في الكشف عن سلوك الناخبين وتحديد مواقفهم عبر الوصول إلى معلومات تفصيلية ودقيقة حولهم للتأثير فيهم، بخاصة بعد أزمة سوء استغلال بيانات ملايين الحسابات من طرف شركة كامبريدج أناليتيكا في عام 2018.

ويساعد جمع وتحليل البيانات الماضية والآنية لأية ظاهرة اجتماعية وسياسية واقتصادية وإعلامية في التنبؤ والاستشراف وتوليد الافتراضات العلمية التي تساعد في اتخاذ قرار سليم، كما يمكن أن تقدم مجموعة من المزايا الوظيفية والتأثيرية والناقدة في مختلف الاستخدامات، ما يخوّل القول إننا ندخل عصرا جديدا يصنع القرارات ويرسم السياسات بناء على جمع البيانات ومعالجتها.

لذا أصبحت حماية البيانات أمرا بالغ الأهمية، وتحوم حوله رهانات وتحديات تنموية وأمنية واقتصادية وسياسية تشمل جميع المجالات. بمعنى أن استخدام البيانات الضخمة سلاح ذو حدين، فمن جهة قد يساهم التمكن من المعلومات الكافية وتوظيفها في تأمين الاستقرار السياسي الاجتماعي والأمني وفهم أفضل للمستقبل، كما يمكن أن يتحول سوء استخدامها إلى التجسس والتأثير السياسي والنفسي والتلاعب بعقول الأفراد والتدخل في حياتهم الشخصية والاعتداء على حرياتهم، فهي تفتح الباب واسعا أمام كل الاستعمالات الجيدة منها وغير الجيدة.

بيانات العالم العربي والتنمية المستدامة

تحديات مختلفة لحماية البيانات
تحديات مختلفة لحماية البيانات

تكمن الاستفادة من البيانات الضخمة في مجال تحقيق التنمية في إدماج بيانات استراتيجيات التطوير والبحث والتمويل والتسويق في المجال الاقتصادي والتربوي والصحي، بحيث تعمل على الاستفادة منها في بلورة الاستراتيجيات العامة، فهي فرصة للربط بين مختلف الآليات والحلقات في تحقيق أي مشروع تنموي، سواء من حيث المراقبة في الإنجاز والمتابعة اليومية ومشاركة المعلومات في الوقت الحقيقي بين كافة الفاعلين، ما يؤمّن الاستفادة من الوقت، وتصحيح الأخطاء في حينها والتقليل من التكلفة واختيار الخدمات اللوجستية المناسبة.

وفي مجال الرعاية الصحية، يمكن استغلال البيانات حول المرضى وتتبع ملفاتهم في مراقبة الصحة على المدى القصير والمتوسط. ويسهل الدمج بين البيانات الصحية الفردية والبيانات البيئية العامة في تشخيص مبكر للأمراض المحتملة والوقاية منها بتكوين ملف طبي عن كل مريض وعن الأمراض المستشرية في منطقة ما، بحيث تنصبّ الجهود على تطوير وسائل الرعاية الصحية التي تساعد على ابتكار نظم صحية تصب في صميم الحاجيات بإيجاد بنيات تحتية ملائمة.

ويمكن اعتماد مؤشرات البيانات الضخمة الخاصة بالمعلومات التربوية، وبعد معالجتها في رسم معالم خارطة مدرسية وتربوية تنضوي تحتها إحصاءات عن النجاح والرسوب وبيانات موارد المنطقة من أجل ترجمة خطط تنفيذية تأخذ على عاتقها تأهيل أبناء المنطقة بعد مراقبة أدائهم، وهو ما يساعد على فهم وتطوير طرق التدريس نفسها، بما يسهم في تحسين مستوى البيداغوجيا وتطويرها وتعديلها بناء على دراسة احتياجات الطلبة وملاحظة الفروقات في ما بينهم، وبما يلائم سوق العمل والإمكانات والموارد المتاحة في عين المكان، كما اتخاذ قرارات وإجراءات مناسبة تنسجم وتتّسق مع البيانات التربوية المتوافرة.

متصفح تور يعتمد على الجيل الثاني من التسيير أو التوجيه البصلي ويصعب الوصول إلى بيانات مستخدميه
متصفح تور يعتمد على الجيل الثاني من التسيير أو التوجيه البصلي ويصعب الوصول إلى بيانات مستخدميه

إجمالا، بدأ اهتمام العالم العربي بالاستثمار في قطاع البيانات الضخمة متأخرا، لكن مشروع قاعدة البيانات العربية “معرفة” يعتبر أول مشروع يحوي النصوص الكاملة للدوريات العلمية الصادرة في العالم العربي لما يزيد عن 1371 دورية علمية إحصائية، وما يقارب من 150000 مقال علمي وتقرير دوري إحصائي، وما يقارب من 7500 رسالة جامعية في تخصصات علمية متنوعة حتى حدود عام 2020. كما أن مشروع “بوابة البيانات المفتوحة” في المملكة العربية السعودية يعتبر من أهم المبادرات لنشر البيانات الخاصة بالجهات الحكومية.

وتعد “البوابة العربية للتنمية” من المنصات التفاعلية الهامة التي تتيح الاطلاع على القطاع التنموي المراد البحث فيه. لكن العالم العربي ما يزال يعاني من غياب تام للقوانين المنظمة لاستغلال البيانات إذا استثنينا كلا من الإمارات، السعودية، المغرب، عُمان وقطر. ذلك أن استخدام البيانات الضخمة ما يزال يثير مجموعة من التحديات والمخاوف نظرا لما تضعه النظم البيروقراطية في الإدارات والمؤسسات من عراقيل شتى، كما أن الاستفادة من البيانات الضخمة في البلدان العربية تتطلب اتصالا سريعا وقويا بالإنترنت، وكذلك إنشاء بنية تحتية رقمية تضمن جودة الخدمات المقدّمة، وبالخصوص التأقلم مع معارف اللغة الإنجليزية والفرنسية والصينية والروسية، لأن الخوارزميات التي تعمل بها الشبكات المختلفة تركّز بشكل كبير على هذه اللغات، ما يقتضي التحكّم فيها للتعرف على جميع أنظمتها وقواعدها وبرامجها الإحصائية، بما يساعد في تحسين كيفية تحليل هذه البيانات وتوجيهها في خدمة الصالح العام.

بشكل عام، ما زالت أغلب الدول العربية تعاني من غياب آليات تسمح بأن يقوم الأفراد والمنظمات بتوفير بيانات وآراء ومواقف ذات صلة بتقييم المؤسسات والوزارات ومقترحات تطوير أدائها، بل إن بعض هذه المؤسسات يعمل كل ما بوسعه لحجب المعلومات، وتتحول على إثر ذلك إلى ثكنات وقلاع معلومات، بينما لا تستطيع حماية معلوماتها من الخارج في ضوء فجوة القدرات التكنولوجية.

في السياق ذاته، إن الانكشاف المعلوماتي للدول في مجال التنمية الاقتصادية وعلاج قصوره يبدأ بسماح المؤسسات العربية العامة والخاصة بتحليل بياناتها، فقد تتمكن الشركات والمؤسسات من معرفة أي الأماكن تكون فيها فروعها وشبكاتها أكثر فعالية وأين تكون منعدمة، ما يساعدها في بلورة سياسة تسويق وتقديم خدماتها بمنطق أكثر نشاطا وفعالية.

لذلك، إن توفير آلية عربية مشتركة في مناقشة فرص وتحديات ثورة البيانات الضخمة المحلية والإقليمية والدولية أصبح ضرورة قصوى للمؤسسات والشركات العربية التي لم تستفد بعد بالشكل الأكمل من تقنيات الجيل الرابع، كما أن مسايرة منهجيات التحليل الجديدة المرتبطة بالخوارزميات تزيد الموقف تعقيدا، وتجعل عملية إدراك وفهم وهيكلة وترتيب ومعالجة البيانات بأنماطها المختلفة تفتقر إلى العمل الجماعي المؤسسي بين خبراء الإحصاء، وعلماء الاجتماع والسياسة واللغويات، ما يجعل خلق علاقات ارتباطية ذات صلة صعبا بين الأرقام الحسابية وتواردها وفهم دلالتها.

لذلك، إن بناء القدرة الذاتية والموضوعية في الانخراط في البيانات الضخمة وبناء قدرات لمعالجتها يبدأ بإشراك كل الجهود العربية التي يمكن أن تساعد في فهمها وجمعها واستخدامها، بدءا من الجامعات والقطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني من أجل سد النقص وتفعيل الموارد البشرية الموجودة، وذلك بعد أن تحاط البيانات الضخمة بكل الضمانات التقنية والقانونية، سواء كان استقاؤها من مصادر رسمية أو غير رسمية.

12