بيانات وتحليل معادلات تفضي إلى حقائق نسبية

خوارزميات الذكاء الاصطناعي تتنبأ بالمستقبل بعيدا عن وهم التنجيم لتشمل مجالات عديدة من الحياة.
الأحد 2018/07/01
صحة الانسان تكشفها ملفات البيانات

 نيويورك - يمرّ العالم بثورة خوارزمية جعلت الأجهزة الرقمية مبرمجة لتنفيذ كمّ هائل من التعليمات المتسلسلة بصورة منطقية وسرعة فائقة تمكّنها من حل مسائل ومعادلات واستنتاجات كانت إلى وقت قريب ضربا من الخيال العلمي.

هذه الأجهزة التي أصبحت بحجم محفظة النقود أو أصغر، سهّلت التواصل مع الآخرين بسرعة البرق، بغض النظر عن الجغرافيا والمسافة والزمن، وأصبحت تراقب صحة الإنسان وتضبط مواعيده، وتراقب بيته ومكتبه وتسيّر عمله عن بعد، وتقوم بمهام كثيرة أخرى.

وترنو العيون اليوم إلى ما يخبئه لنا الذكاء الاصطناعي وخوارزمياته التي بدأت تنقل الأجهزة الرقمية من مجرد وسيلة لتنفيذ المهام والوظائف إلى جهاز له سعة عقلية وإمكانية الاستشعار والتحسس كما الحواس البشرية.

وتأتي شركة “غوغل” العملاقة في مقدمة الشركات التكنولوجية التي تعمل على تطوير أجهزة لها قابلية فائقة لاكتساب المعرفة والمعلومات بذاتها دون تدخل بشري.

هذه الأجهزة تقرأ وتنطق وتحاور ومن ثمّ تتنبأ، وأخيرا أدخلت “غوغل” جهازا إلى المستشفيات بإمكانه القول وبصدقية تصل أحيانا إلى 95 في المئة عن الوقت الذي سيغادر فيه المريض في المستشفي هذه الدنيا أو يعود إلى بيته سالما معافى.

وكشفت دراسة لمجلس البحوث الطبية في بريطانيا، أن الذكاء الاصطناعي قادر على التنبؤ بتوقف قلوب الأشخاص الذين يعانون اضطرابات في القلب، عن طريق تحليل عيّنات الدم وسرعة دقات القلب لإيجاد أيّ علامات تشير إلى أن عضلة القلب ستتوقف.

 

ثورة جديدة في عالم الذكاء الاصطناعي والتعلّم الآلي من خلال الخوارزميات والبرامج التي أصبحت تتنبأ بالمستقبل في مجالات عديدة كالطب والسياسة والطقس والزلازل وحتى المستقبل العاطفي، هذه الثورة تُخيف البعض حينما يتعلق الأمر بما يمسّ حياة البشرية كالتنبؤ بالموت مثلا، وتزيد أملا للبعض الآخر بالنسبة لمجالات أخرى خاصة منها الطبية وكل ما يتعلق بصحة الإنسان

والذكاء الاصطناعي هو سلوك وخصائص معيّنة تتسم بها البرامج الكمبيوترية تجعلها تحاكي القدرات الذهنية البشرية وأنماط عملها.

وأظهرت نتائج البحث التي نشرت في دورية “الطب الإشعاعي” البريطانية أن فريق البحث كان يدرس حالات المرضى الذين يعانون ارتفاع ضغط الدم الرئوي، وأنهم يعتقدون أن “هذه التقنية قد تنقذ أرواح الكثير من المرضى من خلال معرفة أيّهم بحاجة إلى علاج أقوى”.

وزوّد الباحثون برنامجا للذكاء الاصطناعي بصور الرنين المغناطيسي لـ265 مريضا بالقلب، وبنتائج تحليلات دمهم، وقالوا إن البرنامج عمل على قياس حركة ثلاثين ألف جزء في تركيبة القلب خلال كل نبضة.

وأوضحوا أنه “عندما دُمجت هذه البيانات في سجّلات المريض لثماني سنوات مضت، استطاع برنامج الذكاء الاصطناعي معرفة العيوب الصحية التي قد تطرأ وتُنهي حياته”، وأردفوا أن “البرنامج قد يتنبأ بصحة المريض للسنوات الخمس المقبلة”.

وطوّر باحثون نظام ذكاء اصطناعي عبارة عن خوارزمية تستخدم التعلم العميق لتتنبأ بموعد موت مرضى المستشفيات بدقة تصل نسبتها إلى 90 بالمئة، وعلى الرغم من أن فكرة التنبؤ بموت شخص أمر مقلق لعامة الناس، إلا أن الباحثين من جامعة ستانفورد جعلوا من الممكن تحقيق ذلك في سبيل قضية نبيلة هي توفير الرعاية المناسبة في نهاية العمر للمرضى.

كما ابتكر علماء روس خوارزمية تستند على الذكاء الاصطناعي، والتي تستخدم أدوات تتبع النشاط بالهواتف الذكية والساعات الحديثة لتقدير دورة حياة البشر بدقة أكبر وتحديد موعد الوفاة، إذ استخدم الفريق شبكة عصبية لاكتشاف أنماط الحركة وربط ذلك مع كل من فترات الحياة والصحة العامة.

وأظهر الباحثون من معهد موسكو للفيزياء والتكنولوجيا وشركة “جيرو” التي تعمل في مجال التكنولوجيا الحيوية أن بيانات النشاط البدني المكتسبة من الأجهزة القابلة للارتداء يمكن استخدامها لإنتاج الأجهزة الحيوية الرقمية للشيخوخة والضعف، ما يبرز الإمكانيات الناشئة للجمع بين أجهزة الاستشعار القابلة للارتداء وتقنيات الذكاء الاصطناعي من أجل المراقبة المستمرة للمخاطر الصحية في الوقت الحقيقي.

تقنيات التعلم الآلي لدراسة المناخ

مظاهر الثورة الجديدة لخوارزميات الذكاء الاصطناعي لم تتوقف عند الميدان الطبي، بل شملت مجالات عديدة من الحياة، واستخدم باحثون من جامعة كولومبيا تقنيات التعلّم الآلي لدراسة المناخ والغيوم بشكل أفضل.

وقال بيير جنتاين، عضو في معهد الأرض ومعهد علوم البيانات، “قد يكون هذا الأمر تغييرا حقيقيا في التنبؤات المناخية، فلدينا شكوك كبيرة في توقعنا باستجابة مناخ الأرض لتركيزات غازات الدفيئة المتزايدة، والسبب الرئيسي هو تمثيل السحب وكيف تستجيب في تلك الغازات”.

وتوضّح الدراسة أن تقنيات التعلّم الآلي تساعد الباحثين على محاكاة الغيوم بشكل أفضل، وبالتالي توقّع بشكل أفضل المناخ العالمي والإقليمي وتركيزات غازات الدفيئة المتزايدة.

ويعمل العلماء على فك شفرة الزلازل التي تحدث بتواتر أكبر مما يظن الناس باستخدام الذكاء الاصطناعي.

كرة القدم خارج حسابات وتوقعات العلم
كرة القدم خارج حسابات وتوقعات العلم

واكتشف فريق بحثي بقيادة ثيبوت بيرول أستاذ علم التعلم العميق وسيلة لاستخدام الذكاء الاصطناعي لتحسين طريقة الكشف عن الزلازل.

وأطلق الفريق البحثي اسم كونفنيتكويك على خوارزمية الذكاء الاصطناعي التي طوّرها للكشف عن الزلازل وتحديد مكانها، وهو أول شبكة عصبية مصممة لهذا الغرض، فهي تراقب قياسات الحركات الأرضية المعروفة باسم تسجيلات الزلازل (سيسموغرام) وتحديد إذا كان النشاط الزلزالي مجرد ضجيج أو زلزال حقيقيّ، وشكّل هذا الضجيج في الماضي عائقًا أمام الكشف عن الزلازل الصغيرة جدًا.

واستخدم الباحثون النشاط الزلزالي في أوكلاهوما لتدريب كونفنيتكويك واختباره، فسجل النظام عددا من الزلازل أعلى بسبعة عشر مرة من الزلازل المسجلة في سجل المسح الجيولوجي في أوكلاهوما.

وتظهر هذه الدراسة الخاصة كيف يحسن هذا النظام عملية الكشف عن الزلازل في وسط الولايات المتحدة الأميركية، إلا أن استخدام كونفنيتكويك ممكن خارج هذه المنطقة. ويمكن من خلال الكشف الفعّال عن النشاط الزلزالي وتصنيفه توفير معلومات مهمة في وقت مبكر جدًا من “حياة الزلزال”، ما ينبّه المجتمعات المحلية لحدوث الزلازل ويحدد درجة خطورتها ويتيح لها وقتًا أطول لاتخاذ الإجراءات اللازمة لتخفيف آثارها. على الرغم من تفوّق كونفنيتكويك على الأساليب الأخرى للكشف عن الزلازل، إلا أنه يستطيع الكشف عنها فقط، وليس توقّعها، لكن البحوث ما زالت متواصلة لمنع دمار واسع قد يصيب البشرية جرّاء الزلازل.

ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يتنبأ بمهارة بالعديد من خصائص التسخين والترطيب والميزات الإشعاعية التي تعتبر ضرورية لمحاكاة المناخ، ويحسن أيضا تقديرات درجات الحرارة المستقبلية.

والذكاء الاصطناعي اقتحم أيضا مجال السياسة والثورات، فطوّر الباحثون خوارزمية، يمكنها التنبؤ بالطرف الفائز في المناظرات السياسية وفق دراسة وبيانات وتحليلها.

طوّر باحثون في جامعة “نورث إيسترن” بالولايات المتحدة معادلة خوارزمية يمكنها التنبؤ بالطرف الفائز في المناظرات السياسية.

ويرى باحثون في جامعة “نورث إيسترن” بالولايات المتحدة، أن المزيج الصحيح من التحليلات اللغوية والذكاء الاصطناعي ودراسة البيانات، يمكن أن يؤدي إلى إجراء مناظرات مفيدة. وأعرب الباحث نيك بوتشامب، وهو أستاذ مساعد بقسم العلوم السياسية بالجامعة وأحد المشاركين في دراسة أعدّتها جامعة “نورث إيسترن” الأميركية عن اعتقاده أن “المناظرات يجب أن تكون بمثابة آليات للكشف عن أشياء جديدة في هذا العالم، ونأمل أن نخرج من المناظرات ليس فقط بمجموعة من الحقائق الجديدة التي اكتسبناها، بل أيضا بطريقة أفضل للتفكير بشأن المشكلة”.

ومن هذا المنطلق، ابتكر وانج وبوتشامب معادلة خوارزمية يمكنها التعرف على عناصر المناظرة القوية. واعتمدا في الدراسة على 118 مناظرة، استطاع الطرف الفائز خلال هذه المناظرات استمالة الحاضرين إلى صفه بفضل قوة المنطق والحجة.

لطالما كانت وسائل التواصل الاجتماعي حجر الزاوية في تنظيم الاحتجاجات، ولكن بمجرد دخول المتظاهرين إلى الشوارع، هناك دائما احتمال أن يندلع العنف بين الناشطين وقوات الأمن، وللمساعدة في خفض مثل هذه المعارك، استخدم الباحثون من معهد الإبداع التابع لجامعة جنوب كاليفورنيا الذكاء الاصطناعي لمحاولة التنبؤ بوقت تحوّل الاحتجاجات إلى العنف.

أجهزة الذكاء الاصطناعي الجديدة ستتمكن من البحث عن المعلومات الخاصة بوظائفها وخزنها وتحليلها

واستعان الباحثون على التعلّم الآلي لتحليل 18 مليون تغريدة تم نشرها على تويتر خلال احتجاجات بالتيمور في عام 2015، والتي اندلعت بعد أن أصيب أحد الناشطين بغيبوبة أثناء نقله بسيارة للشرطة وتوفي لاحقا. واستكشف الفريق العلاقة بين معدلات الاعتقال وهو مقياس يُستخدم عادة للإشارة إلى حوادث العنف والتغريدات الأخلاقية، وارتبط عدد الاعتقالات خلال المظاهرات بعدد التغريدات الأخلاقية المنشورة في الساعات التي سبقت الاحتجاجات، حيث تضاعف عدد التغريدات التي تحتوي على لغة أخلاقية في الأيام التي شهدت مصادمات عنيفة بين الشرطة والمتظاهرين.

ووجد الباحثون أنه عندما يقوم الناس بإضفاء الطابع الأخلاقي على القضية التي يحتجون عليها، فمن المرجّح أن يقرّوا العنف، وهناك أيضا ما يسمّى تأثير غرفة الصدى، إذ أظهرت الدراسة أنه كلما كان بعض الناس واثقين من الآخرين في دائرتهم الاجتماعية يتشاركون وجهات نظرهم الأخلاقية، كلما زاد احتمال أن يفكروا بالهجمات العنيفة على المعارضين.

استنتاجات الفائز بكأس العالم

الباحثون في مجال التعلم الآلي لا يثقون في ما تتوصل إليه النتائج والاستنتاجات مئة بالمئة لكنهم لا يقعون في حلقات الطلاسم والتنجيم التي لا تلتقي مع العلوم في شيء، ففي مجال الرياضة وتحديدا في منافسات كاس العالم لكرة القدم الأخيرة، وأمام إيمان اغلب المشجعين بفوز منتخبهم بالكأس وتتبع آخرين لحيوانات تتنبأ بفوز فريق دون آخر، اعتمد التعلّم الآلي على محاكاة بطولة كأس العالم 100 ألف مرة.

ووفقا لهذه المحاكاة فإن ألمانيا هي الفائزة على الأرجح بكأس العالم، تليها في الترتيب البرازيل ثم إسبانيا.

وقد توصل مجموعة من الباحثين من الجامعة الألمانية التقنية في دورتموند والجامعة التقنية في ميونيخ، فضلا عن جامعة غينت في بلجيكا، إلى فوز ألمانيا بالمباراة النهائية تليها في الترتيب البرازيل ثم إسبانيا باستخدام التعلّم الآلي بناءً على عدة عوامل، مثل تصنيف الفيفا، وعدد سكان كل بلد، والناتج المحلّي الإجمالي، واحتمالات شركات المراهنات، وكذلك عدد لاعبي الفريق الوطني الذين يلعبون معا في ناد واحد، ومتوسط عمر اللاعب، وعدد بطولات دوري الأبطال التي فازوا بها.

ومع أخذ هذه العوامل في الاعتبار، قام باحثو التعلّم الآلي بمحاكاة بطولة كأس العالم 100 ألف مرة وحساب احتمالات مرور كل فريق لتخطّي مرحلة المجموعات، ومن ثم اجتياز كل جولة بشكل متتال حتى النهاية.

ويركد الباحثون على عدم الوثوق في هذه التنبؤات والدليل أن الحسابات والاستنتاجات لم تنقذ الفريق الألماني من الخروج من الدور الأول في هذه البطولة العالمية، ويؤكد الباحثون أنفسهم أنه بالنظر إلى عدد لا يحصى من التشكيلات الاحتمالية، فإن مسار هذه البطولة لا يزال بعيدا عن مسألة الاحتمالات.

اختراع المعادلات الخوارزمية الجديدة لم يعد مسألة ترهق العلماء. ما يرهقهم حاليا هو تغذية الأجهزة الذكية الجديدة بالمعلومات التي تأخذ 80 في المئة من الوقت الذي يستغرقه جعل الجهاز متاحا للاستخدام، لكن هذه المعضلة يبدو أنها في الطريق للحل؛ حيث ستتمكّن أجهزة الذكاء الاصطناعي الجديدة من البحث عن المادة والمعلومات الخاصة بوظائفها وخزنها وتحليلها، ومن المحتمل استنباط خوارزميات جديدة استنادا إليها.

17