بيان الإخوان بعد حظر الجماعة.. "أنا وبعدي الطوفان"

الجمعة 2013/11/08
في الاحتجاجات الإخوانية يغيب علم الوطن وتعتبر إقالة مرسي "سرقة للثورة"

القاهرة ـ على خلفية المحاكمة التي تخضع لها جماعة الإخوان المسلمين في مصر، التي قضت بحلها وحظرها وتجميد ممتلكاتها، أصدرت الجماعة عبر موقعها الرسمي بيانا يرفض الحكم والحاكم، والقانون والحيثيات، انطلاقا من أن الجماعة «ليست محلا تجاريا يمكن أن يسحب ترخيصه..».

يجدر التذكير أن المطالبة بحل الجماعة وحظرها بدأت منذ ما قبل أحداث 30 يونيو أي منذ وصول محمد مرسي إلى الحكم، وتعززت بما وقع إثر إعلان 3 يوليو الماضي من أحداث عنف ثبت ضلوع عناصر وقيادات إخوانية فيها.

لكن الجدل القانوني والسياسي المتعلق بالجماعة وأهلية نشاطها لم يبدأ بعد ثورة 25 يناير بل تعود أصوله إلى بدايات الجماعة، التي نشأت عام 1928، وظلت تعمل دون ترخيص إلى حدود مايو من عام 1929 حيث تم تسجيل «الجمعية» في سجلات وزارة الداخلية آنذاك.

وبعد رفض محكمة استئناف القاهرة، أول أمس الأربعاء، الاستشكال المقدم من محامي الجماعة المحظورة على الحكم الصادر بحظر «جمعية الإخوان» والجماعات المنبثقة عنها وجميع أنشطتها والتحفظ على أموالها وأيدت فيه استمرار تنفيذ حكم الحظر، أصدرت الجماعة بيانا عاصفا نشر على الموقع الرسمي للجماعة، جاء فيه أن البعض يتصور أن «جماعة الإخوان المسلمين عبارة عن بيان في دفتر يمكن أن يشطب، أو محل تجاري يمكن أن يسحب ترخيصه بقرار إداري أو حكم مسيس، ولم يعلموا أن هذه الجماعة عبارة عن عقيدة ومبادئ وأفكار تربط أعضاءها من نياط القلوب وتوحد بينهم بنور العقول، وتؤلف بينهم من أعماق المشاعر».


تضليلات تاريخية


الملفت أن بيان الجماعة المحظورة كان مكتظا بالمغالطات والتضليلات التاريخية إلى درجة يخال فيها قارئه أن الموضوع لا يتعلق بجماعة الإخوان المصرية التي «ملأت الدنيا وشغلت الناس» عنفا واغتيالا وتكفيرا وتشويه خصوم. لكن كل المغالطات الواردة في البيان تكذبها الوقائع التاريخية، وتدحضها أفعال الجماعة التي طبعت تاريخ مصر المعاصر.

فقد ورد في البيان المذكور أن الجماعة «انطلقت تعمل في كل مجالات الحياة، مجال الدعوة، تُعلم الناس الإسلام الصحيح الوسطي، وتجمعهم على تنفيذ شعائره وشرائعه وتحميهم من الغلو والتطرف، فترفض فكرة تكفير المسلمين وترفض استخدام العنف والإرهاب من أجل تطبيق الأحكام وتعتمد في الجدال مع المخالفين على الحجة والبرهان والالتزام بالسلمية في الدعوة والحركة…». ما تقدم من حديث عن «الإسلام الصحيح الوسطي» والبعد عن «الغلو والتطرف» ورفض استخدام العنف والإرهاب يسقط بمجرد استعراض سريع لتاريخ الجماعة منذ نشأتها، وهو سجلّ يؤكد أنها جماعة سارعت إلى ممارسة العنف بعد عقدين من تأسيسها مع اغتيال أحمد الخازندار يوم 22 آذار 1948 ونفذ الاغتيال عضوا الجماعة حسن عبدالحافظ ومحمود زينهم الذين أطلقا عليه الرصاص بمجرد خروجه من منزله، والغريب أنه كان يحمل يومئذ ملف قضية تفجيرات سينما مترو التي اتهم فيها أيضا عدد من المنتمين للجماعة. وتواصل العنف باغتيال محمود فهمي النقراشي (رئيس الوزراء المصري آنذاك) يوم 28 كانون الأول 1984 ونفذ الاغتيال عبدالمجيد أحمد حسن وهو عضو في جماعة الإخوان أيضا، وكان الاغتيال عقوبة للنقراشي باشا على قراره بحل الجماعة.

تواصل استخدام جماعة الإخوان للعنف في الفترة الناصرية (1952- 1970) وكان تعبيرا عن العلاقة المشدودة التي طبعت علاقة الجماعة بحكم ثورة 23 يوليو، وترجم الإخوان عداءهم لعبدالناصر، بعديد الأعمال العنيفة لعل أبرزها كان محاولة الاغتيال المعروفة بحادثة المنشية في 26 تشرين الأول 1954، حين صوبت نحوه عديد الرصاصات أثناء إلقائه خطابا بمناسبة اتفاقية الجلاء،لكن أخطأت الرصاصات «مرماها» وأصابت إحداها الوزير السوداني ميرغني حمزة، وتبين لاحقا أن الفاعل ينتمي إلى تنظيم الإخوان المسلمين وبتكليف من القيادي عبدالقادر عودة.


الإرث القطبي يدحض الوسطية


لا يكفي هذا الحيز المحدود لتقديم استعراض تاريخ العنف الإخواني، ولكن كل عملية أو منجز مما تقدم تكفي لوحدها لدحض المقولة الواردة في بيان الإخوان الجديد ومفادها أن الجماعة ترفض استخدام العنف، إلا إذا كانت لا تصنف الأعمال سالفة الذكر وغيرها في خانة العنف والإرهاب.

أما الحديث عن الإسلام المعتدل الوسطي ورفض تكفير المسلمين، فهو قول يفقد وجاهته بمجرد استحضار تراث سيد قطب أحد رموز الجماعة ومنظريها، الذي تحول إلى رمز لكل التيارات الإسلامية الجهادية. تراث سيد قطب الذي ينطلق أساسا من كتابيه «في ظلال القرآن» و»معالم في الطريق» عُدّ نزوعا فكريا إخوانيا نحو مزيد التطرف والغلوّ بل إن عديد الكتابات الصادرة من بيئات إسلامية تعتبر أن جماعة الإخوان عرفت منعرجا فكريا خطيرا مع هيمنة فكر سيد قطب، وتتركز الأفكار القطبية على تقسيم المجتمعات إلى مجتمعات مسلمة ومجتمعات «جاهلية» ومن ثمة ظهرت الدعوة إلى «عدم جواز المشاركة في الحكم أو ممارسة العمل السياسي في ظل الحكومات الكافرة ووجوب الجهاد ضد هذه الحكومات» ولكل ذلك اعتبرت الأفكار القطبية أساسا نظريا لعديد التيارات الجهادية والسلفية، وكانت منطلقا فكريا لعديد الأعمال الإرهابية التي نفذت ومازالت تنفذ في العالم.

نعود إلى بيان جماعة الإخوان المسلمين المحظورة وفق الحكم القضائي المثبت أول أمس الأربعاء، لنشير إلى أن رفض القرار ذاته يعكس معضلة أخرى تسود الفكر الإخواني منذ عقود، وهي طرق النظر إلى القانون. ومن ثمة كيفيات التعامل مع الدولة ومؤسساتها، فتلك الجماعة «الحالمة» بدولة الشريعة تسترجع من خلالها حلم الخلافة، تولي ظهرها لمفاهيم حداثية مدنية من قبيل الدولة والقانون والمؤسسات والمشاركة، وتعلي مفاهيم أخرى تنبع من منابع غير مدنية. ألم تقدم الجماعة طلبا للحصول على تأشيرة العمل وفق القانون الساري في تلك الفترة؟ ألا ينص القانون ذاته على جواز وإمكان حل الجمعيات والأحزاب في صورة توفر شروط معينة أو طرق أخرى؟

بيان جماعة الإخوان الممهور «بيان من الإخوان المسلمين بمناسبة الحكم الصادر ضدها» يتجاوزُ مجرد الاحتجاج على قرار الحظر، الذي كان منتظرا ومتوقعا منذ أشهر، باعتبار توفر كل عناصره وأركانه، بل ينفتح على مجالات أوسع من ذلك، إذ يحيل على نظر الجماعة- ككل- لقضايا المشاركة السياسية والتعامل مع الحلفاء والخصوم، وتبعا لذلك كيفيات النظر للآخر. فالمعلوم أن الجماعة حاولت «التحيل» على القانون المصري بإنشاء «جمعية» مصرية للهروب من مطب وقعت فيه «الجماعة» التي لا يخوّل لها ممارسة العمل السياسي أو حتى المدني، لكن ذلك المخرج لم ينجح في تجنيب «جماعة» استوطنتها عقلية مترسخة تقوم على «السمع والطاعة والولاء للقيادة» قبل احترام القانون وفهم مقتضياته وتبين حدوده، وقبل احترام الوطن ومصلحة البلاد.

الثابت أن ذلك أيضا يندرج في إطار الإخوان المسلمين (سواء كانوا جماعة أو حزبا) لما حدث منذ 3 يوليو الماضي، ولعل الإصرار على رفض كل ما ترتب عن الإعلان العسكري القاضي بإقالة محمد مرسي أربك إخوان مصر وفروعهم في العالم، وضاعف من تخبطهم السياسي والفكري، ولعل محاكمة مرسي الأخيرة وما رافقها من جلبة تؤكد أن الإخوان يرون البلاد غنيمة لا يجوز التفريط فيها بسهولة، ومن هنا نفهم التظاهرات العنيفة الرافضة «للانقلاب» حسب التصور الإخواني، ونتبين ما جد في محاكمة مرسي، وما ورد في بيان جماعة الإخوان الأخير. سلوكات الإخوان منذ إسقاطهم عن الحكم تروم القول؛ أنا وبعدي الطوفان.

13