بيان الجمر والرّماد

الاثنين 2015/07/06

لا نلبث أن نغادر بوتقة الاستبداد حتى نقع في أتون الفتنة، ولا نكاد نخرج من جحيم الفتنة حتى نسقط في براثن الاستبداد. هكذا حالنا دواليك منذ يوم السقيفة إلى غاية اليوم. محشورون في الزّاوية الضيقة بين جحيمين، جحيم فتنة شعواء لا تُبقي حجرا على حجر، وجحيم استبداد كاسر لا يترك يابسا ولا أخضر. هو الجدل الجحيمي الباعث على اليأس والضّجر، جدل الفتنة والاستبداد، جدل “السيبة والمخزن” بتعبير أهل المغرب. كنا ومازلنا نتأرجح بين حضيضين عريضين، حضيض العنف وحضيض الخوف.

تاريخنا أزمنة دائرية، أحقاب دورية، حلقات مكرّرة، ومصيرنا محصور بين صلصلة الفتنة وصليل الاستبداد. غير أن فتنة اليوم صارت أفظع وأبشع، يشنّها مقاتلون بلا شهامة، يغدرون، يمكرون، يشمتون، يطعنون الأعزل في الظهر، لا يرحمون طفلا ولا عجوزا ولا مريضا ولا ناسكا ولا مسالما، يتشفون بقتل الأسرى حرقا، أو غرقا، أو صعقا، بالتصوير الاحترافي وبلا مؤثرات صوتية حتى تبدو جلجلة الرّعب أشدّ وقعا على القلب. لم يعد القتل بالرّصاص يشفي غليلهم. ولكَم حذرنا نيتشه ببلاغته المعهودة من ثورات العبيد (هنا العبيد بالمعنى الأخلاقي الإتيقي للكلمة).

لكن نيتشه كان قد أطلق تحذيرا آخر: قد ينتهي مقاتل الوحش بأن يصبح هو الوحش. ولعله أوشك أن يحذرنا قائلا: وأنتم تقاتلون عبيدا يتفنّنون في الشماتة والتشفي ويتلذذون بالقتل غيلة وغدرا، اُحذروا أن تصبحوا مثلهم فتخسرون مروءتكم ونبلكم وشهامتكم، بل إنسانيتكم.
أي نعم، هكذا صارت الأمور في النهاية، فبين الجيل الأول للإسلام السياسي (الإخوان المسلمين وفروعهم)، والجيل الثاني (القاعدة وأخواتها)، والجيل الثالث (تنظيم الدولة الإسلامية)، كان كلّ جيل يخسر المزيد من شهامة القتال بعد قتال عبثي بلا حكمة، بلا عقل، بلا معرفة، بلا رباطة جأش، بلا كظم للغيظ، بلا عفو على الناس، بلا وفاء بالعهود، بلا شرف، إلى أن أصبحنا في آخر الأمر وجها لوجه أمام مقاتلين يقاتلون بلا أدنى شهامة. في كل الأحوال، هناك خلاصة تُعبر عنها حكمة مغربية نبيهة تقول: اُحذروا ضربة الخوّاف.

وإن كنا نركز النّقد على الفتنة، دون استثناء الاستبداد بالطبع، فلأنّ الفتنة تنشر أجواء الخوف، خوف الجميع من الجميع، وحين يستشري الخوف يبحث الناس عن الأمن في أحضان الاستبداد. الفتنة هي المبدأ والمنشأ، ولا يستمدّ الاستبداد مشروعيته إلاّ من دعوى درأ الفتنة النائمة.

يا للهول! هي الفتنة النائمة التي لعن الله من أيقظها، كما جاء في المتن الحديثي، ولا يخفى عن المسلمين أن الفتنة أشدّ من القتل كما جاء في الخطاب القرآني. فوق ذلك فقد علق في أذهان الشعوب أن سلطة اللفياثون (بالمعنى الهوبزوي) أرحم على النّاس من أن يأكل الناس لحم بعضهم بعضا فلا يتركون من أشلائهم شيئا باقيا. أليس يقال، إمام جائر خير من عدمه؟ لربّما ليس صحيحا أنّ الإنسان ذئب لأخيه الإنسان بحكم الطبيعة كما يرى هوبز ضمن رؤيته المتشائمة للطبيعة البشرية، لكن عوامل الثقافة في الأخير قد تفسد الفطرة البشرية كما اعترف روسو نفسه مرارا.
وليس صدفة أن يقرّ الحكيم سقراط بأنّ الجهل يفسد طبائع النّاس ويفقد الإنسان طيبوبته ويجعله كائنا شريرا في الأخير. لكن، هناك ما هو أسوأ من الجهل، الجهل المقدّس بلغة عالم الاجتماع الفرنسي أولفييه روا، الجهل الذي يضفي على نفسه طابع القداسة فيصبح واقعا منيعا لا يمكن نقده ولا تغييره.

في كل الأحوال فإنّ المعركة لإسقاط لفياثون هوبز يجب أن تكون أيضا وبالأولى معركة إسقاط ذئاب هوبز كلما أوجدتها عوامل الثقافة والتنشئة. والحقّ يقال، كثيرة هي العوامل الثقافية التي تشوّه الإنسان، تفسد الأذهان، تخرّب الأوطان، وتحول الأديان من ملاذ للأمن الرّوحي والسكينة النفسية وطمأنينة القلب، كما يجب أن تكون، إلى منبع لكل الفواجع والمواجع والأهوال.

تاريخنا كان ولا يزال، تاريخ فتنة قائمة دائمة هائمة، فتنة لا تنام، حين تنام، إلاّ تحت رماد تحرسه سياط الاستبداد. تاريخنا تاريخ فتن متواصلة “كقطع الليل المظلم” كما في المتن الحديثي، لا أوّل لها ولا آخر، تحرق اليابس والأخضر، فلا تبقي ولا تذر. بكل تأكيد، ليس هذا قدرنا الوحيد، لكنه عطب قديم وداء مزمن ووجع ملازم. وأما طريق العلاج فلا يزال متعثرا ومحفوفا بالمكابرة والإنكار. تلك هي المسألة، مسألتنا، بإيجاز.

كاتب مغربي

8