بيان السيستاني يثير اللغط حول أهدافه

الجمعة 2014/07/04
أدت فتوى السيستاني إلى الحشد الطائفي ورفع المواطنين السلاح في وجه بعضهم البعض

أثارت فتوى “الجهاد الكفائي” التي أطلقها السيد علي السيستاني ردود أفعال كثيرة لا يخلو بعضها من الغضب والاستياء. وربما يكون مرّد هذه الانتقادات الحادة لهذه الفتوى على وجه التحديد “أنها دعت إلى مقاتلة الإرهابيين دفاعا عن العراق وشعبه ومقدساته”، غير أن هذه الدعوة تنطوي على مخاطر جمّة لا تُحمد عقباها، فهي لا تفرق بين إرهاب داعش والقاعدة وبين ثوار العشائر، والمحتجين من أصحاب المطالب المشروعة، وبعض المجموعات العراقية المسلحة التي عانت من الإقصاء والتهميش والمداهمات غير القانونية والاعتقالات، وهتك الأعراض وما إلى ذلك من مظاهر العسف والجور التي أبداها المالكي شخصيا تجاه المكون السُني وكل من يؤازرهم في المطالبة بحقوقهم الإنسانية المشروعة في السلطة والثروة الوطنية.

لم ينتبه السيد السيستاني إلى أن هذه الفتوى يمكن أن تؤجج الفتنة الطائفية بين المكوِّنين السُني والشيعي، ولو أراد أن يقطع دابر الفتنة لضمّن فتواه فقرة يحرِّم فيها قتال السُنة مستثنيا منهم داعش والقاعدة وأي عصابة إرهابية، فقد قاتل السُنة الإرهاب قبل الشيعة وطردوا الإرهابيين من المحافظات العراقية الست.

لا تخلو فتوى “الجهاد الكفائي” من أخطاء جسيمة ربما لم يتأملها السيد السيستاني طويلا، فهو يدعو هؤلاء المتطوعين بالملايين إلى الانخراط في صفوف الجيش والشرطة والقوات الأمنية وكلنا يعرف أن غالبية المتطوعين، إن لم أقل كلهم، هم من المكوِّن الشيعي، وإذا تم تثبيت كل هؤلاء في قطعات الجيش والشرطة والأمن الداخلي فإننا سنعود مرة ثانية إلى المربّع الأول لنؤسس من جديد لموضوع “عدم الموازنة بين المكونات العراقية” ونترك المكون الشيعي المُهيمن أصلا على وزارتي الدفاع والداخلية، ليهيمن هذه المرة وبأغلبية ساحقة بينما نجرّد المكوِّنات القومية والمذهبية الأخرى من استحقاقها في مؤسسات الجيش والشرطة والأمن الداخلي.

نذكِّر السيد السيستاني بأن عدد أفراد المؤسسات العسكرية والأمنية قد تجاوز المليون بمئتي ألف عنصر وهم يتقاضون رواتب عالية جدا تثقل كاهل الخزينة العراقية التي تعتاش على اقتصاد ريعي ناجم عن صادرات النفط.

حشد المتطوعين الشيعة يهدف إلى السيطرة عدديا على الجيش والشرطة مما يجعل الدولة بين أيدي طائفة على حساب أخرى

وإذا تطوّع مليون شخص فقط، كما تتمنى المرجعية، فسوف تبرز العديد من المشاكل، نذكر منها، تمثيلا لا حصرا، عجز الميزانية العراقية عن تسديد رواتبهم أولا، هذا إضافة إلى كارثة هيمنة المكوِّن الشيعي التي أشرنا سلفا، والأدهى من ذلك أن المالكي يريد أن يجعل من المتطوعين أساسا لجيشه النظامي الذي أعدّه منذ ثماني سنوات وصرف عليه أكثر من 150 مليارا من الدولارات دون أن يؤمِّن أي حماية تُذكر للمواطنين. يا تُرى، أين سيذهب المالكي بالجيش العرمرم الذي يتكون ربعه، في أقل تقدير، من المليشيات الدينية التي تنتقم من المكون السُني كلما تسبب رئيس مجلس الوزراء في خلق أزمة سياسية أو عسكرية أو إدارية؟

ولتأكيد صحة ما نذهب إليه سنناقش هنا رد سماحة السيد العلاّمة علي الأمين الذي وجّه نداءً إلى المرجعيات الدينية في العراق، وناشدهم عدم إصدار فتاوى تؤجج الفتن والنزاعات الطائفية في العراق، البلد المتعايش والمتجانس منذ سبعة آلاف سنة في الأقل، حيث جاء مستهل ندائه “إننا نناشد المرجعيّة الدينية في العراق ألا تدخل في دائرة إصدار الفتاوى التي تجعلها طرفا في الصراعات الدموية الجارية على أرض العراق الحبيب”.

فهو يتوقع أن تكون أي مرجعية دينية في العراق، وعلى رأسها مرجعية السيد السيستاني، بمثابة الأب الحاني الرؤوف على جميع العراقيين دون التفريق بين قومياتهم وأديانهم ومذاهبهم. وحينما تكون المرجعية أبا للجميع فإنها لا تذكي نار الفتنة بين أبناء الشعب الواحد.

فدعوة “جهادية كفائية” من هذا النوع كفيلة بأن تُصبغها “بالصبغة الطائفية والمذهبية”، كما تفضّل السيد علي الأمين. وقد نوّه السيد العلامة الأمين بأن دور المرجعية يُحتِّم عليها الدعوة إلى حقن الدماء، لا إهراقها، وإلى جمع كلمة المسلمين لا تفريقها.

فإصدار فتاوى من هذا النوع، كما يرى السيد علي الأمين، يحفِّز الطرف الآخر على إصدار فتاوى مضادة، الأمر الذي سيزيد نار الطائفية اشتعالا، وسوف يُدخل العراق في نفق مظلم وفتنة عمياء قد تأتي على الأخضر واليابس بسبب تشبث شخص المالكي بكرسي السلطة اللعين الذي وصل إليه في مصادفة عجيبة قد تتكرر خلال قرن كامل في أقرب الأحوال.

يرى السيد الأمين أن جذر المشكلة في العراق سياسي، وليس مذهبيا، فإذا حلّت الحكومة القائمة مشاكلها الكثيرة مع جميع الأطراف السياسية المشاركة في الحكم فقد لا تحتاج إلى هذه التعبئة المقيتة والحروب الشعواء التي “يُسرّ بها الأعداء وكل المتربصين بالأمة والطامعين بتفكيك عراها، وهدم بنيانها”.

لعلماء العراق وعقلائه من رجال الدين رأيهم في هذه الفتوى، فالشيخ الدكتور رافع الرفاعي، مفتي الديار العراقية تساءل قائلا: “أين كانت هذه الفتاوى عندما كان يُستهدف المصلون والنساء والأطفال من جانب جيش المالكي والميليشيات الطائفية في العديد من المدن والمحافظات العراقية؟”.

وطالب الرفاعي السيدَ السيستاني بالعدول عن فتواه والانضمام إلى صف المواطن العراقي الذي ضاق ذرعا بالممارسات الطائفية للحكومة. أما جوهر دعوة الشيخ عبدالملك السعدي فقد كانت تتمحور حول أمله في أن يُصدر السيد السيستاني فتوى يحرِّم فيها قتال أهل السُنة في عقر دارهم.

أغفل السيستاني جرائم المالكي في حق العراقيين الذين اعتصموا سلميا للمطالبة بحقهم وهو الآن يفتي بقتلهم

وأوضح الشيخ السعدي أنه “لم يسمع من المرجعيات أيَّ تأييد لهم، (أي للمحتجين السُنة)، أو فتوى بإعطائهم حقوقهم ورفع الحيف عنهم”، وهذا يعني، من بين ما يعنيه، أن المرجعية راضية عما تقوم به الحكومة الطائفية المتمثلة في شخص المالكي، الطائفي بامتياز، لكن السُنة تغافلوا عن هذا الصمت المريب حفاظا على سلامة البلد، ومحاولة النأي به عن الفتنة وما ينجم عنها من تجزئة وتقسيم للعراق الواحد الموحّد منذ آلاف السنين.

في الختام لابد من الإشارة إلى أن المرجعية يجب أن تتحلى بالتسامح والحكمة والأبوة الحقيقية للجميع، وألا تفرّق بين مكوِّن وآخر، وأن تعرف في نهاية المطاف أن مهمة الدفاع عن الوطن مُوكولة أولا للجيش والشرطة والقوات الأمنية والاستخباراتية وأن دور المتطوعين يأتي في خاتمة المطاف.

أما “الجهاد الكفائي” فلا ضرورة له طالما لدينا أكثر من مليون مقاتل انتقاهم المالكي على مزاجه الطائفي، وهواه الشخصي، وإذا تعذر عليهم حماية الوطن فسوف يكون لكل حادث حديث.

13