بيان قطر "المفبرك".. ترجمة خطية لدبلوماسية الخطوط المتوازية

يؤكد الخبراء أن التصريحات التي نسبت إلى أمير قطر، بغض النظر عمّا إذا كانت صحيحة أو مفبركة، تعكس ملامح السياسة الخارجية القطرية. واعتبروا أن نفي الدوحة لها والقول إنها تصريحات مفبركة نشرت بعد اختراق موقع وكالة الأنباء الرسمية لا يقوي الموقف القطري بل بالعكس خصوصا وأن ما جاء في البيان وما نسب للشيخ تميم ملموس على الأرض ويتوافق مع التصعيد اللفظي الذي جاء به البيان “المفبرك”.
السبت 2017/05/27
دبلوماسية السير على الحبال المشدودة

لندن – قيّد وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني مخاوف ما جاء في البيان الذي نشرت وكالة الأنباء القطرية ونقلته وسائل الإعلام القطرية، ضدّ قراصنة مجهولين اخترقوا موقع الوكالة وقاموا بنشر التصريحات “المفبركة” التي نسبها البيان لأمير قطر الشيخ تميم بن حمد، ويهاجم فيها الحلفاء الخليجيين والأميركيين ولا يؤيد التصعيد ضدّ إيران.

وقامت الوكالة القطرية بحذف البيان وقالت إن الموقع تمت قرصنته. لكن، فات الأوان حيث تناقلت الشبكة العنكبوتية الخبر على نطاق واسع ولم تفد رواية القرصنة في الحد من تداعياته، وذلك لأن الوقائع التاريخية والحقائق الملموسة تؤكد صحة ما جاء في البيان “المفبرك”.

ولئن كذّبت الدوحة ما نقل على لسان الشيخ تميم بأن “إيران تمثل ثقلا إقليميا وأن ليس من الحكمة التصعيد معها”، فقد سبق وصرح أمير قطر سنة 2015 بشيء مشابه حين قال، خلال استقباله لعلي لاريجاني رئيس البرلمان الإيراني، “إيران لم تسبب لنا أي أذى ولم تفتعل أي مشاكل منذ بداية الثورة الإسلامية إلى اليوم”.

وسارع الإعلام الإيراني إلى تبني الرواية القطرية بشأن التصريحات وما اعتبرته قطر “حملة إعلامية مسيئة ضدها”.

تعترف الوكالات الإيرانية بأن الدوحة حليفة لطهران وتسعى إلى توطيد العلاقات معها وفي القوت نفسه تنتقد من لم يصدق رواية التصريحات المفبركة، في مفارقة هي نفسها التي تعيشها الدبلوماسية القطرية التي يطلق عليها البعض من الخبراء اسم دبلوماسية الخطوط الموازية، فيما يذهب آخرون إلى وصفها بأنها دبلوماسية المشي على الحبال.

لا تحتاج الدوحة إلى نفي التصريحات التي نسبت إلى الشيخ تميم، فهي بغض النظر عمّا إذا كانت صحيحة أو مفبركة، فقبل أيام قليلة استضافت إعلان حركة حماس لوثيقتها التنظيمية الجديدة. ولم يكن ذلك سوى جزء من الدعم القطري لحركة حماس المحسوبة على جماعة الإخوان المسلمين، والتي أصبحت راعيتها الرسمية الرئيسية بعد أن توترت علاقة حماس مع النظام السوري وحليفته إيران.

ويضع الخبراء ضمن هذه العلاقة إعلان حركة حماس سنة 2012 بشكل مباشر وصريح مناصرتها للثورة الشعبية ضد النظام السوري الذي كان يعامل حماس، المدعومة من إيران وقطر، باعتبارها حليفا في الوقت الذي كان يشن فيه حملات إعدام ضدّ الإخوان وكل من له علاقة بهم.

أرضية التحالف بين الدوحة وطهران مزروعة قنابل موقوتة لن تتوانى طهران عن نزع فتيلها إذا اقتضى الأمر

وقد تزايد الدعم المالي القطري لحركة “حماس” بصورة علنية وبشكل كبير في أعقاب تشديد السعودية لحملاتها على التدفقات المالية الخيرية الخارجة من المملكة. فقد تعهدت قطر بالتبرع بمبلغ 50 مليون دولار إلى السلطة الفلسطينية التي كانت تديرها حماس بعدما أوقفت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي دعمهما بعد فوز حماس في الانتخابات التشريعية التي جرت في يناير 2006.

وبعد سيطرة حماس على قطاع غزة في عام 2007 بدأت قطر تشير إلى الأزمة الإنسانية الناجمة عن العزلة المالية الدولية لحركة حماس في قطاع غزة لتبرير دعمها للحركة. وفي أوائل عام 2008، ذكر أحد كبار مساعدي الرئيس الفلسطيني محمود عباس أن قطر تمنح حماس “الملايين من الدولارات شهريا”، والتي قد يستخدم بعضها لشراء الأسلحة.

لذلك، وفي نشوة انتصار لم يطل بوصول الإخوان إلى السلطة بعد 2011، مالت حماس نحو الداعم القطري الذي كان إلى وقت قريب الحليف الخليجي الرئيسي للنظام السوري. وعمل على توتير علاقة متينة كانت تربط بين دمشق والرياض. وكانت الفترة من 2003 إلى 2010 الفترة الذهبية في قطر والنظام السوري واستقطبت خلالها قطر نظام الأسد إلى صفها.

وفي ذات الفترة شهدت العلاقات السعودية السورية توترات عديدة على خلفية التدخل السوري في الشأن اللبناني من خلال دعم حزب الله الذي كانت تحرّكه إيران. ووصلت حدة التوتر إلى حد مقاطعة الرياض سنة 2008 للقمة العربية التي عقدت في دمشق. وعادت بعدها العلاقات وزار الرئيس السوري الرياض عدة مرات آخرها كانت سنة 2010، لكن ظل هناك عصب متوتر في العلاقة.

ولعبت قطر على هذا الوتر وقد أغرت النظام السوري بصفقات اقتصادية وسياحية عديدة، في نفس الوقت الذي كانت تنسج فيه خيوط القارب مع إيران بعد أن زارها أمير قطر السابق الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني سنة 2000، وهي أول زيارة لحاكم خليجي لإيران التي وصفت قناة الجزيرة علاقتها مع قطر بـ”علاقات متميزة على ضفتي الخليج”.

وتوالت بعد ذلك زيارات المسؤولين القطريين لطهران، وبالمثل زيارة المسؤولين الإيرانيين للدوحة، وكان من أبرز الزيارات المسجلة زيارة الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد سنة 2010.

وجاءت الزيارة بدعوة من الشيخ حمد بن خليفة لحضور قمة تشاورية لدول مجلس التعاون الخليجي، رغم أنه من أكثر رؤساء إيران استفزازا لدول مجلس التعاون الخليجي، فيما يتعلق بخليج هرمز والجزر الإماراتية الثلاث التي تحتلها إيران.

وفي ذروة أحداث الربيع العربي في 2011، زار أمير قطر إيران لبحث التطورات والتغييرات في المنطقة ومراجعة نقاط التقاء المصالح بين الدوحة وطهران، خصوصا وأن هناك غريما آخر دخل على ميدان المنافسة ويمكن أن يسحب البساط من قطر، وهو تركيا. لكن ولئن التقت مصالح إيران وقطر عند بعض المخططات إلا أنها تباعدت إلى حد الانفصال في سوريا.

فقطر التي ساهمت من قبل في تحويل بوصلة النظام السوري وباركت علاقته بإيران ووقّعت معه اتفاقيات ضخمة، وصلت درجة التفاهم بينهما إلى حد مشاركة الشيخ حمد بن خليفة في افتتاح دار الأوبرا السورية في سنة 2004 ضمن استقبال خاص كان يوحي بأن علاقة متينة تربط الطرفين، هي نفسها التي اعتبرت ما يجري في سوريا ثورة شعبية ضد نظام دكتاتوري يجب إسقاطه.

عندما فشلت قطر في تمكين الإخوان انتهى بها المطاف إلى دعم المتشددين وتنظيمات مصنفة على قائمة الجماعات الإرهابية، فيما لا يزال نظام الأسد يحكم في دمشق

وقطر التي فتح نظام الأسد أبوابه لقناة الجزيرة ودعمها بإعلامييه ومعلوماته وجعلها مصدر الخبر الرئيسي، بنفس هذه الوسيلة الإعلامية انقلبت عليه لتمكين إخوان سوريا من الوصول إلى سلطة بشار الأسد، الذي كان أول من أدخل الدوحة إلى مجال لعب أدوار إقليمية عندما أقنع، بدعم من إيران، الفرقاء اللبنانيين سنة 2008 بعقد مؤتمر الحوار الوطني في الدوحة.

وعندما فشلت قطر في تمكين الإخوان انتهى بها المطاف إلى دعم المتشددين وتنظيمات مصنفة على قائمة الجماعات الإرهابية، فيما لا يزال نظام الأسد يحكم في دمشق.

مع ذلك لم تفقد الدوحة كل صلاتها بطهران. وكان أحدث تواصل بينهما في الشأن السوري صفقة تبادل أسرى وهدنة بين هيئة أحرار الشام والنظام السوري لإخلاء بلدات كفريا والفوعة بشكل كامل من كل ساكنيها، مقابل خروج من يرغب من الزبداني ومضايا من المقاتلين والمدنيين.

وفي العراق استثمرت الدوحة مؤخرا علاقتها بطهران عقب اختطاف أفراد من الأسرة الحاكمة في العراق للتفاوض للإفراج عنهم. ودخل حزب الله اللبناني على خط التفاوض والتواصل مع نظيره العراقي.

في مفارقة وصفها المراقبون بالمثيرة للسخرية، وقعت إيران وقطر في أكتوبر 2015 اتفاقا أمنيا عسكريا تحت مسمّى “مكافحة الإرهاب والتصدي للعناصر المخلة بالأمن في المنطقة”، في الوقت الذي لم يعد يخفى فيه الدور الذي يلعبه كل طرف من جهته، وأيضا بالاتفاق بينهما في ما يجري في المنطقة من فوضى.

وشدّد مراقبون على خطورة اتفاق عسكري مثل هذا، فقطر لها نفوذ بين المجموعات المسلّحة المنتشرة في المنطقة وطهران تقود بدورها ميليشيات طائفية مسلحة في مناطق الصراع. ويسعى الطرفان إلى المزيد من التنسيق للحيلولة دون اصطدام غير متوقع يضر بمصلحتيهما.

ويقول خبراء إن التطورات الحاصلة على مستوى العلاقة بين دول الخليج العربي والولايات المتحدة تشكل تهديدا للسياسة الخارجية القطرية وتهمّشها في وقت تحرك فيه خيوط اللعبة مع حماس باستضافتها للرئيس السابق للمكتب السياسي للحركة خالد مشعل كما أن لديها مكتبا لحركة طالبان التي تعاديها إيران، وتدعم جماعة الإخوان المسلمين والتنظيمات الإسلامية المقاتلة في سوريا، وأي تهميش أو تراجع لدورها يمكن أن يؤثر في كل هذه الملفات.

وفي المقابل، ولئن كانت نقاط التفاهم بينها وبين إيران كثيرة، فإن أرضية التحالف بينهما مزروعة قنابل موقوتة لن تتوانى طهران عن نزع فتيلها إذا اقتضى الأمر ذلك، وإذا رأت طهران أن الوقت حان لتطالب بحصتها من حقل الغاز المشترك بينهما، الذي استأثرت قطر بمعظم إنتاجه منذ عام 1991، في وقت تعثرت فيه جهود طهران بسبب العقوبات الدولية المفروضة عليها.

7