بيان ماركس بالعامية التونسية "حلم" خارج التاريخ

نقل البيان الذي حرّره ماركس عام 1848 إلى العامية التونسية يطرح سؤال جدوى نشره بين الناس بعد اندثار المنظومة الشيوعية والدوافع من وراء ذلك.
الخميس 2019/04/18
محاولات لنشر الثقافة الماركسية في الأوساط الشعبية

لم تجد الماركسية صدى إلا في البلدان المستعمَرة، ذلك أن عددا من حركات التحرر في العالم الثالث اتخذت الأنموذج الماركسي مرجعية لها لبناء قواها السياسية الثورية، فاستغِلّت الماركسية في حشد الجماهير للانقلاب على السلطة، أو في رسم تصور لدولة جديدة تتبنّى الاشتراكية. غير أن ما خلفته من دمار في روسيا وبلدان الكتلة الشرقية الدائرة في فلكها يفوق كل تصور، وحسبنا أن نقرأ ما دونته سفيتلانا ألكسيفيتش في كتابها “نهاية الإنسان الأحمر” لنقف على الآثار المريعة التي تركتها الشيوعية الماركسية في نفوسهم، برغم الدفاع المستميت الذي حظيت به لدى جانب لا يستهان بحجمه من المفكرين والمنظرين، في الغرب والشرق. ومن عجب أن يتنكر الروس بعد سقوط المنظومة الشيوعية لتلك النظرية التي صادرت إنسانيتهم، وحولتهم إلى ما يشبه العبيد المنساقين رغما عنهم إلى سعادة مزعومة، لم يروا منها غير الثكل والويل والمعتقلات وتكميم الأفواه ومصادرة الحريات، في حين أن فئات من النخب العربية لا تزال تؤمن بجدواها، ولم تستوعب بعد الوجه المظلم لنظرية ماركس وبيانه المؤسس.

 وكنا نحسب أن ذلك البيان بات في عداد الماضي، وها أن بعض المثقفين في تونس يفاخرون بنقله إلى العامية التونسية، في كتاب يوزع مجانا بدعم من مؤسسة روزا لوكسمبورغ، بدعوى نشر الثقافة الماركسية في الأوساط الشعبية، ويحتفون بهذا “الحلم” الذي راودهم منذ نصف قرن، ويثبتون بذلك أنهم خارج التاريخ، لا يتعظون بدروسه وسيرورته.

هذا البيان الذي حرّره ماركس عام 1848 (بمعية فريدريخ أنغلز)، وتنبأ فيه بانهيار المجتمع الرّأسمالي، وانصهار الطبقة الوسطى في الطبقة العمالية لمواجهة عدوّ مشترك هو الطبقة البورجوازية، وتحقيق العدالة الاجتماعية في مجتمع شيوعي تسوده دكتاتورية البروليتاريا، هو زبدة الفكر الماركسي، وكنا بينا في مقالة سابقة أن الاضطهاد الذي سوف تمارسه المنظومة الشيوعية حاضر في تلافيفه. يتبدى ذلك أولا في ادّعائه العلمي، حيث يعزو ماركس تطور المجتمعات البشرية عبر تاريخها إلى الصراع الطبقي وحده، ليس من باب الافتراض الجدلي الذي يمكن مناقشته، بل كحقيقة ثابتة لا تقبل النقاش. أي أن المذهبية واليقينية هما أساس النظرية مثلما ستكونان قاعدة للنظام السياسي المتولد عنها. كما أن البيان لا يَعِد بانعتاق الفرد بل يبشر بانعتاق البروليتاريا بتمامها وكمالها، حيث يبتلع المجتمع الشيوعي الموعودُ الأفرادَ وحقوقَهم، إذ لا يكتفي ماركس بالإعلان عن نهاية استغلال الإنسان للإنسان، بل يلغي في نظريته كل فكرة عن “حقوق الإنسان”، لكون الإنسان لا وجود له في ذاته، وإنما هو نتاج وضعية تاريخية. فالفرد في التصور الماركسي لا وجود له، والنظام هو كل شيء.

هل سيجد الكتاب قراءه في دهماء لا تقرأ حتى الجرائد
هل سيجد الكتاب قراءه في دهماء لا تقرأ حتى الجرائد

ورغم ما في البيان من مغريات طوباوية، فإن بذور التوتاليتارية كامنة فيه كمون النار في الحجر. من ذلك مثلا أن البيان لا يدعو الأطفال إلى التبليغ عن أهاليهم للحزب / الدولة، ولكنه يعلن أن “الأولياء لن يكون لهم حق تولّي أمور أبنائهم، وأن الحياة العائلية سوف تزول، ليصبح الأطفال ملكا لدولة هي كل شيء بالنسبة إليهم”. والبيان لا يمجّد الرعب الشمولي المسلط على الأفراد، ولكنه يصرّح “أن حزب البروليتاريا (وهو الدولة في الوقت ذاته) سوف يمارس سلطة كاملة بغير حدود، ويقود حربا مصيرية ضدّ أعدائه”. والبيان أيضا لا يشيد بالنفي والإبعاد والإعدامات الجماعية، ولكنه “يكتفي بإلغاء القانون ليطلق يد الحزب / الدولة تعبث بالمصائر كيفما تشاء”. والبيان كذلك لا يتضمّن دعوة إلى معسكرات الخدمة الإجبارية ولا إلى المحاكمات الكبرى، ولكنه يؤكّد على “أن تصوّره للتاريخ تعبير عن عِلم مطلَق يرتهن له خلاص البشرية، وضامنه الوحيد هو الحزب الشيوعي”.

ما يعني أن ماركس، حين دعا إلى احتكار السلطة من طرف حزب واحد مسلّحٍ ماسكٍ بالحقيقة الرسمية، وإخضاع كل الأنشطة الاقتصادية لمشيئته، وتأميم يعتبر كل خطأ مهني خطأ سياسيا، إنما نظّر للتوتاليتارية، التي لا تقل بشاعة عن النازية والفاشية.

لقد أدينت الستالينية في البداية كسبب أساس في ما حل بالسوفييت وشعوب المنطقة الخاضعة لهم، بيد أن المؤرخين، الذين استطاعوا الوصول إلى أرشيف الثورة البلشفية، أكدوا أن لينين وضع منذ الأسابيع الأولى أدوات الرعب الشامل. فهو في رأيهم مبتكر التوتاليتارية في العصر الحديث.  يقول ستيفان كورتوا المؤرخ الذي أشرف على إعداد “الكتاب الأسود للشيوعية” عام 1997 “كان لينين يعرف الثورة الفرنسية معرفة جيدة، وكان يستحسن منها الرعب، والراديكالية في تدمير مجتمع تلك الفترة بمكوناته الأساسية، أي الملكية والأرستقراطية والكنيسة الكاثوليكية، بيد أنه أضاف إليها ثلاثة عناصر جوهرية أسست للتوتاليتارية. أولها الأيديولوجيا الماركسية التي قدمها بوصفها “علم التاريخ”، فكان لتلك العلموية scientisme أثر كبير في أوساط المثقفين والنشطاء. وثانيها أنه أوجد حزب الثوريين المحترفين الذي يخضع أفراده له مباشرة، وكان أداة سياسية فعالة. وثالث تلك العناصر أنه طبّق الشيوعية تطبيقا واسعا، حيث عمد إلى إلغاء الملكية كوسيلة راديكالية لإخضاع الشعوب”. ونعجب بعدئذ كيف يتباهى أحد المشرفين على “تعريب” هذا الكتاب بكونه ماركسيا لينينا “لا يصدأ” على حدّ قوله. مثلما نعجب من جدوى نشره بين الناس بعد اندثار المنظومة الشيوعية. ونتساءل عن الدوافع:

هل يأتي ذلك بإيعاز من مؤسسة روزا لوكسمبورغ، تلك المنظرة اليهودية الألمانية من أصول بولندية للفكر الماركسي، وأغلب المؤسسات الأجنبية المماثلة “تنصح” باعتماد العامية في كل ما نكتب، حتى الأدب والشعر، “تعميما للفائدة” بدعوى أن العامية هي المتداولة، ولها لدى الفرنكوفونيين عندنا أنصار لا يخفون عداءهم للغة العربية أم هو نتيجة عمى مذهبي لا يريد أن يقرّ بأن الشيوعية بادت، ولم تعد تجد لها نصيرا حتى في عقر دارها أم هو احتفال بمرور 170 عاما على صدور البيان ومرور قرنين على مولد ماركس، فيكون الواقفون وراءه أشبه بعشاق فرانكو وموسوليني، يحنّون إلى زمن الشمولية والاستبداد؟

ولا ندري هل سيجد الكتاب قراءه في دهماء لا تقرأ حتى الجرائد، وتكفّر اليسار والعلمانية.

15