بيب غوارديولا من ميونيخ إلى مانشستر

أفضت قصة الحب الأفلاطوني الأزلية بين مانشستر سيتي، ثاني ترتيب الدوري الإنكليزي لكرة القدم، وبيب غوارديولا إلى زواج بعد إعلان النادي الإنكليزي أن الأسباني سيكون مدرب الفريق لثلاثة مواسم. فمنذ سنوات طويلة يطارد مانشستر سيتي هذا المنتج الكاتالوني الخالص ابن الخامسة والأربعين والمفعم بروح برشلونة.
الأحد 2016/02/07
طريق وعرة ومهمة صعبة لابن كاتالونيا

ترك بيب غوارديولا فريق نادي برشلونة في عام 2001 ‪كلاعب وسط وكابتن الفريق ليودع الملاعب الأسبانية بكلام مؤثر عندما قال “لم آت إلى كرة القدم لكي أصنع التاريخ لكن لكي أصنع تاريخي الشخصي” وبالفعل عاد غوارديولا مجددا إلى بلده أسبانيا بعد ثماني سنوات كمدير فني لفريق برشلونة ليصنع مجده ويصبح أصغر مدرب بالعالم يحرز البطولات المحلية والأوروبية ليرتقي بمركزه إلى صفوف المدربين الكبار أصحاب الإنجازات الكبيرة.

واليوم يجني ثمار إنجازاته مع برشلونة الأسباني والبايرن الألماني ليصبح أغلى مدرب في العالم إذ سيتقاضى 21 مليون جنيه استرليني بالموسم الواحد ولمدة ثلاثة أعوام بموجب العقد المبرم مع نادي مانشستر ستي ليحل محل المدرب الحالي للسيتي التشيلي مانويل بليغريني الذي سلم للأمر الواقع بقبوله إنهاء عقده مع السيتي نهاية هذا الموسم ليتسلم غوارديولا بذلك فريقا متخما بالنجوم سيساعده على المنافسة بكل قوة لإحراز الألقاب المحلية والأوروبية.

فما سيدفعه السيتي من أموال إلى بيب يجب أن يجني ثمارها سريعا خصوصا أن السيتي أغدق كثيرا بالصرف على استثماراته باللاعبين منذ عام 1998 ولغاية اليوم لكي يضيف البطولات إلى سجله التاريخي الفقير، فهو لم يفز ببطولة الدوري خلال مسيرته الكروية المستمرة منذ تأسيسه عام 1899 سوى أربع مرات وفاز بكأس الاتحاد الإنكليزي خمس مرات وكأس الرابطة المحترفة ثلاث مرات وهي إنجازات متواضعة قياسا بالفرق الإنكليزية العريقة أمثال الجار اللدود مان يونايتد وليفربول وأرسنال. وهنا تأتي مهمة غوارديولا في جعل المان سيتي يحصد البطولات وأهمها بطولة الدوري الإنكليزي وبطولة أندية أبطال أوروبا التي تحسّر النادي عليها في المواسم الثلاث الأخيرة بتوديعها مبكرا وعدم الوصول إلى الأدوار النهائية رغم كونه أغنى ناد بالعالم ولديه الإمكانيات المادية والفنية الكبيرة من خلال امتلاكه العديد من النجوم والأسماء اللامعة.

فجاءت طموحات النادي من خلال الاستعانة بغوارديولا كمدرب يمكن أن يحقق التطلعات ويفوز ببطولة أندية أوروبا كما فعل مع برشلونة، رغم أنه فشل في تحقيق البطولة مع البايرن للموسمين الماضيين وربما يستطيع إنهاء هذا الموسم مع البايرن بتحقيق البطولة التي مازال ينافس عليها في الأدوار الإقصائية والتي سيقابل فيها نادي يوفنتس الإيطالي خلال هذا الشهر، ولا تخلو هذه المقابلة من خطورة كون الخاسر سيودّع البطولة وأن البايرن سيلعب بقيادة غوارديولا واللاعبون على دراية كاملة بأن مدرّبهم سيرحل بعد أشهر ويتركهم مما قد يكون له أثر سلبي على مسؤولية القيادة في إدارة مثل هذه المباريات.

ما سيدفعه السيتي من أموال إلى بيب يجب أن يجني ثماره سريعا خصوصا أن السيتي أغدق كثيرا بالصرف على استثماراته باللاعبين منذ عام 1998 ولغاية اليوم لكي يضيف البطولات إلى سجله التاريخي الفقير

ماذا ينتظره في إنكلترا

عندما أعلن نادي مانشستر سيتي رسميا توصله إلى الاتفاق مع غوارديولا كمدير فني للفريق الأول ابتداء من موسم 2016-2017 علّق المدرب المؤقت لنادي تشيلسي الهولندي هيدنك على ذلك قائلا “سيواجه غوارديولا في إنكلترا شيئا مختلفا عما اعتاد عليه في مسيرته التدريبية”، والشيء المختلف الذي سيواجه بيب غوارديولا هو المنافسة الشرسة والصعبة في الدوري الإنكليزي الممتاز الذي يختلف عن الدوري الأسباني والألماني، حيث أن المنافسة بالدوري الأسباني تنحصر بين فريقين أو ثلاثة ونفس الحال ينسحب على الدوري الألماني، أما في إنكلترا فالمنافسة مفتوحة لجميع الفرق وكثيرا ما سقطت الفرق المتصدرة للدوري أمام الفرق المتذيلة لجدول الترتيب وفقدت الصدارة وتنازلت عن البطولة، بالإضافة إلى ازدحام جدول المباريات التي تجعل الفرق تخوض مباراتين في الأسبوع الواحد.

أما الميزة الأهم بالدوري الإنكليزي الممتاز فهي القوة البدنية والخشونة المفرطة في طريقة اللعب والتلاحم بين اللاعبين ما يؤدي إلى حدوث الإصابات الكثيرة بين اللاعبين وهذه تمثل معضلة أمام جميع المدربين المتواجدين في إنكلترا، وسينتبه غوارديولا بالتأكيد لهذه الظاهرة وسيقوم بإجراء العديد من التعاقدات الجديدة لكي يطعّم الفريق بعناصر شابة وبناء خطوط احتياط لفريقه تجنبه مشاكل الإصابات وتجعله يسير بخطى ثابتة نحو إحراز الانتصارات والظفر بالبطولات، خصوصا أن يمتلكه نادي مانشستر سيتي في خزائنه من أموال سيساعد غوارديولا على استقطاب العديد من النجوم مهما بلغت قيمتهم المادية.

طريق غوارديولا في إنكلترا ستكون وعرة وصعبة جدا

طريق غوارديولا في إنكلترا ستكون وعرة وصعبة جدا وسيلقى مواجهات ساخنة في الدوري الإنكليزي كون جميع مدربي الأندية الإنكليزية سيحاولون كسر شوكته طمعا في التحدي والتفوق ليثبتوا للجماهير أن المال وحده لا يصنع الانتصارات، خصوصا أن نادي مان ستي لا يملك قاعدة جماهيرية واسعة سوى مشجعي الستزن المتواجدين في مدينة مانشستر التي يدعم أغلب ساكنيها المنافس اللدود مانشستر يونايتد.

تاريخ على المحك

في برشلونة أول عمل قام به غوارديولا عند استلام مهامه كمدير فني للفريق هو إجراء تغييرات كبيرة في تشكيلة الفريق، حيث قام بالاستغناء عن العديد من اللاعبين وبيع البيع الآخر وخصوصا الكبار في السن منهم، واعتمد على مجموعة من شباب الذين استطاع من خلالهم تحقيق بطولة الدوري وبطولة أندية أوروبا في أول موسم تدريبي له مع النادي، وحقق كذلك بطولة الدوري الألماني في أول موسم له مع بايرن ميونيخ. وربما جاءت هذه الإنجازات بسبب فهم غوارديولا لعقلية اللاعبين كونه مازال في منتصف الأربعينات من عمره ويتمتع بحيوية الشباب التي تجعله قريبا من اللاعبين كصديق قبل أن يكون مديرا للفريق وهذا ساعده كثيرا في عملية الانسجام المبكر مع اللاعبين وتفهمهم لعقلية غوارديولا التكتيكية التي أصبحت ظاهرة كروية أطلق عليها تسمية (التيكي تاكا).

ونجحت هذه الطريقة مع برشلونة لكنها خفتت قليلا مع البايرن وهو يتطلع إلى إحياء هذه الطريقة في الملاعب الإنكليزية لكي يتميز بها عن أسلوب لعب الفرق الإنكليزية، وربما يفشل في تطبيق هذه الطريقة لاختلاف أسلوب لعب الفرق التي تعتمد على التحويلات العالية والتمريرات الطويلة. وبالتأكيد سيقوم بإجراء تغيير كبير في تشكيلة المان ستي حيث هناك العديد من اللاعبين الذين قاربت أعمارهم الثلاثين سنة وسيشكلون عقبة في طريق غوارديولا لتطبيق تكتيكاته بالملعب، والتي تحتاج إلى السرعة والحيوية واللياقة البدنية العالية وسوف يستعيض عنهم بلاعبين يستطيعون تلبية طموحاته وطموح النادي والجماهير معا على الأقل خلال الثلاث مواسم القادمة، خصوصا أن إدارة النادي سوف لن ترضى بالفوز ببطولة واحدة فقط بل عينها على ثلاث أو أربع بطولات للموسم الواحد لكي تعوض ما تم إنفاقه من أموال طائلة على اللاعبين من أجل جعل المان ستي فريق الإنجازات المحلية والأوربية.

أما إذا لم يحالف الحظ غوارديولا في تحقيق إنجاز مبهر خلال الموسم الأول فسوف تنتظر إدارة النادي الموسم الذي يليه لترى ما يمكن أن يحققه غوارديولا في هذا المعترك الكروي وبذلك قد يكون مصيره محفوفا بالمخاطر وربما يضيف نقطة سلبية إلى تاريخه التدريبي ويكون ضحية أخرى من ضحايا مدربي الفرق الإنكليزية الذين تساقطوا الواحد تلو الآخر خلال هذا الموسم.

الشيء المختلف الذي سيواجه بيب غوارديولا هو المنافسة الشرسة والصعبة في الدوري الإنكليزي الممتاز الذي يختلف عن الدوري الأسباني والألماني

نموذج كاتالوني

في مانشستر سيتي لن يكون غوارديولا في أرض مجهولة كونه سيلتقي مع مسؤولين عمل إلى جانبهم في كاتالونيا. وعمل لاعب وسط برشلونة من 1990 إلى 2001 والذي أصبح أحد أفضل المدربين في العالم، إلى جانب فيران سوريانو نائب رئيس برشلونة السابق والمدير التنفيذي حاليا لنادي مانشستر سيتي، أو تاشيكي بيغيرستاين زميله في الفريق الكاتالوني سابقا والمدير الرياضي في النادي الإنكليزي منذ 2012.

وإضافة إلى إعجابه غير المحدود بغوارديولا، يبحث مانشستر سيتي منذ سنوات عن نموذج كاتالوني أثبت جدارته من أجل استنساخه في شمال إنكلترا. وأحرز غوارديولا، الذي دافع كلاعب عن ألوان أسبانيا في 47 مباراة دولية بين 1992 و2001، كمدرب بطولة أسبانيا 3 مرات متتالية مع برشلونة أعوام 2009 و2010 و2011، ودوري أبطال أوروبا مرتين (2009 و2011)، وهي البطولة التي لم يتجاوز فيها مانشستر سيتي الدور ثمن النهائي ويطمح بقوة للظفر بلقبها يوما ما.

وأحرز بيليغريني مع مانشستر سيتي بطولة الدوري المحلي وكأس رابطة الأندية المحترفة في 2014، لكن المدرب الذي أشرف على ريال مدريد الأسباني سابقا (2009-2010)، سقط مرتين مع الفريق الإنكليزي أمام برشلونة على أعتاب ربع النهائي في المسابقة الأوروبية الأم. والآن، حدد مانشستر سيتي بوضوح مستقبله وبات يأمل أكثر من أيّ وقت مضى بجذب أهم وأفضل اللاعبين في العالم الذين كانوا حتى الآن يرفضون الانضمام إلى صفوفه وحالوا دون تحقيق أهدافه الأوروبية، بمن فيهم البرازيلي نيمار، مهاجم برشلونة.

صحافي عراقي

22