بيتر براون: هذه حقيقة سقوط روما ونشأة القسطنطينية

الأربعاء 2014/08/20
براون: تخلي أوغستينوس عن السلطة سلميا عجل بانهيار روما

يتّفق الكثيرون من المهتمين بالتاريخ القديم أن المؤرخ بيتر بروان المولود في العاصمة الإيرلندية دبلن عام 1935، هو واحد من أكبر المختصّين في العصور الرومانيّة. وتتميّز أعماله بالصرامة والجديّة، كانسة العديد من الكليشيهات الشائعة منذ أمد بعيد. ومن أهمّ أعمال براون كتاب عن سيرة القديس أوغسطين، كان قد أصدره وهو في الثالثة والثلاثين من عمره ليحصل بفضله على شهرة عالمية واسعة.

يصف المؤرّخ الفرنسيّ الكبير بول فاين، وهو أستاذ كرسيّ في معهد دو فرانس، طريقة بيتر براون كالتالي: “لا شيء في اليدين، ولا شيء في الجيب”، ومعنى ذلك أن هذه الطريقة بسيطة وسهلة، لكنها ناجعة إلى حدّ كبير.


سقوط روما


في أحد الحوارات التي أجريتها معه، يقول بيتر براون مجيبا عن سؤال يتعلق بسقوط الإمبراطورية الرومانية، أواسط الألفية الأولى، وتحديدا عام 476: “إن هذا التاريخ لا يعني شيئا كثيرا. وما حدث هو أن إمبراطورا رومانيا يدعى روميلوس أوغستينوس تخلّى عن السلطة سلميّا. وقد فعل ذلك مقابل جراية تعادل جراية عضو في مجلس الشيوخ يعيش في المنفى. كما أنه حصل على فيلاّ فخمة تشرف على بحر مدينة نابولي الإيطالية. وأنا لا أعرف مصدرا غربيّا واحدا يقول بأن هذا التاريخ، أي عام 476، مهمّ، أو خطّ فاصل بين مرحلتين”.

ويضيف قوله: “وفي بلاد الغال وجرمانيا وإيطاليا وإفريقيّة، وهي جميع المناطق الخاضعة لإدارة روما، نحن لا نعثر على أيّ أثر يعطي أهمّيّة حتى ولو كانت صغيرة لهذا الحدث الذي نعرفه من خلال مدوّنات أنجزت في القسطنطينية، تلك المدينة الشرقيّة التي زعمت أنها قادرة على تأمين تواصل الإمبراطورية الرومانية. وبرغم أن هذا الأمر يبدو صعب التخيّل، فإنه لا بدّ من أن ننتبه إلى الجزء الذي ظلّ حيّا بعد انهيار إمبراطورية روما، والذي سوف يسطع انطلاقا من مكان جديد يسمى اليوم إسطنبول”.

القضاء الروماني، هو مصدر كل التشريعات القضائية في الغرب حاليا، إلا أنه في الحقيقة ثمرة تراث القضاء البيزنطي

ويتابع بروان قائلا: “إن تحوّل الإمبراطورية هذا، والذي تمّ باتجاه الشرق انطلاقا من عام 500، هامّ جدا بالنسبة إلى طريقة فهمنا للتاريخ إذ أنه يوضّح كيف أن الإمبراطورية الرومانية في الشرق أرادت أن تضع حدّا للطّور الغربي. وفي هذه المرحلة تأسست ممالك محليّة يتعايش فيها المدنيّون، والعسكريّون. وهاتان الفئتان الاجتماعيّتان وجدتا أنه من المفيد بالنسبة إليهما أن تسمّي كلّ واحدة منهما “بربرية” بهدف ضمان استقلاليتهما تجاه نظام مركزي تماما مثل مرتزقة روما الذين حصلوا على مرّ القرون على نوع من الاستقلالية حتى إنهم أصبحوا بمثابة الدولة داخل الدولة”.


معنى بربري


ولكن ما معنى كلمة “بربري” في ذلك الوقت؟عن هذا السؤال يجيب بيتر براون قائلا: “من المؤكّد أن كلمة بربري لم يكن لها في ذلك الوقت المعنى المتعارف عليه اليوم. فلم يكن لهذه الكلمة معنى أثنولوجي، ولم تكن تهدف إلى الإشارة إلى غريب أو إلى مجموع من الناس ينحدرون من حضارة برتبة أدنى. وكانت بالأحرى كلمة تحدّد هويّة اجتماعيّة معيّنة. فالبربريّ هو رجل يمارس مهنة السلاح في مقابل الرجل الذي يخدم الأرض مثلا. وإذا ما كان الأول يقول اختياريّا بأنه “بربري”، فإن الثاني يطالب بأن يكون مواطنا رومانيّا”.

الوحدة السياسية والقوة يتناسبان بالضرورة مع الوحدة اللغوية والثقافية

ويضيف قوله: “وهذا الفصل بين العسكريين، والمدنيين كان مقبولا جدّا على مدى القرن السادس. وبقبولهم لهذا الفصل، والذي أصبح معمولا به حتى في القطاعات البعيدة، فإنه يمكن القول بأن الرومان هم الذين مهّدوا بطريقة أو بأخرى لظهور البرابرة الذين سيعوضونهم.

ويتابع: “بعد سقوط روما، أصبحت سلطات القسطنطينية التي كانت ثانوية، تتصرف وكأنها رومانية أكثر من الرومان، مطوّرة مع مرور الزمن عدّة تفوّق. حتى الجنود والمرتزقة البرابرة كانوا في خدمة بيزنطة باتوا يعلنون أنهم رومان. بعد ذلك وجدت السلطة المركزية في القسطنطينية نفسها عرضة لغزوات جديدة، الشيء الذي أفرز العداء نحو “البرابرة”.

وعن القسطنطينية يقول بيتر براون: “نحن نتصوّر أن عاصمة بيزنطة هي في النهاية إغريقية من ناحية الفكر. لكن في عام 500 كانت القسطنطينية رومانية وليست إغريقية ذلك أن الرومان كانوا يسيطرون آنذاك على الجزء الهيليني من البحر ألأبيض المتوسط منذ ستة قرون! وما تميّزت به الإمبراطورية الرومانية الشرقية على المستوى التاريخي هو التعدّد اللّغوي والثقافي. واليوم تفرض علينا ثقافتنا الأوروبية المتأثرة بالنزعة القومية أن نعتقد بأن الوحدة السياسية، والقوّة يتناسبان بالضرورة مع الوحدة اللغوية والثقافية. غير أن القسطنطينية شكّلت العكس تماما. وهذا ما فهمه الأمريكيّون جيّدا”.

ويضيف قائلا: “لقد كانت الإمبراطوية الشرقيّة إغريقية الثقافة ولاتينية اللغة. وهنا أقدّم مثالين هامّين جدّا: المثال الأول هو العدد الهائل للقواميس اللاتينية والإغريقية، والكتب المترجمة التي عثر عليها علماء الآثار في مصر على سبيل المثال. كما عثر أيضا في عدّة مناطق من الشرق الأوسط على مؤلفات كاملة في مجال القضاء. ونحن لا نجد شبيها لهذا الأمر في المناطق الغربية للإمبراطورية الرومانية لا في إيطاليا، ولا في بلاد الغال، ولا في أيّ منطقة أخرى”.

ويتابع قوله: “بات من الواضح الآن أن ما نسمّيه اليوم بالقضاء الروماني، والذي هو مصدر كلّ التشريعات القضائية في الغرب حاليا، هو في الحقيقة ثمرة تراث القضاء البيزنطي. واستنادا إلى هذا يمكن القول بأن القسطنطينية أثّرت في الغرب أكثر مما أثرت فيه روما”.

14